منتدى دير الزور
عزيزي الزائر الكريم .. زيارتك لنا أسعدتنا كثيراً .. و لكن لن تكتمل سعادتنا إلا بانضمامك لأسرتنا .. لذا نرجوا منك الضغط على زر التسجيل التالي من فضلك
واملىء حقول التسجيل ،ملاحة ضع بريد صحيحا لتفعيل عضويتك من بريدك الشخصي
بعد التسجيل تصلك رسالة بريدية على بريدك الشخصي تجد فيها تعليمات تفعيل العضوية
وشكرا
مع تحيات ادارة منتديات دير الزور


لا للظلم لا لسرقة أحلام الشعب السوري لا لسرقة خيرات الشعب السوري لا لسرقة عرق الشعب السوري لا لسرقة دماء الشعب السوري لا لحكم الأسرة الواحدة لا لآل الأسد الحرية لشعبنا العظيم و النصر لثورتنا المجيدة المصدر : منتديات دير الزور: http://2et2.yoo7.com
 
الرئيسيةمجلة الديراليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخولمجلة الديرزخرف نيمك الخاص بالفيس بوكأضف موقع

مساحة اعلانية
مساحة اعلانية Check Google Page Rank منتديات دير الزور 3 بيج رنك

شاطر | 
 

  أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 9:59 am


التصنيـف العـام > السيرة والتراجم والتاريخ
بيانات الكتاب ..
العنوان أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره
المؤلف د.علي محمد الصلابي
نبذة عن الكتاب
تاريخ الإضافة 7-10-1426
عدد القراء 33218
رابط القراءة
رابط التحميل << اضغط هنا >>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:00 am

الفصل الأول
ابو بكر الصديق رضي الله عنه في مكة


المبحث الأول
إسمه ونسبه وكنيته وألقابه وصفته
وأسرته وحياته في الجاهلية



أولاً: أسمه ونسبه وكنيته وألقابه:
هو عبدالله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي( )، ويلتقي مع النبي  في النسب في الجد السادس مرة بن كعب( ) ويكنى بأبي بكر، وهي من البكر وهو الفتى من الإبل، والجمع بكارة وأبكر وقد سمَّت العرب بكراً، وهو أبو قبيلة عظيمة( ) ولُقب أبوبكر ، بألقاب عديدة كلها تدل على سمو المكانة، وعلو المنزلة وشرف الحسب منها:
1- العتيق:
لقبّه به النبي ؛ فقد قال له : (أنت عتيقُ الله من النار) فسُمِّيَ عتيقاً( ) وفي رواية عائشة قالت: دخل أبو بكر الصديق على رسول الله ، فقال له رسول الله : (أبشر فأنت عتيق الله من النار)( )، فمن يؤمئذ سُمي عتيقاً( )، وقد ذكر المؤرخون أسباباً كثيرة لهذا اللقب، فقد قيل: إنما سمي عتيقاً لجمال وجهه( )، وقيل لأنه كان قديماً في الخير( )، وقيل سمي عتيقاً لعتاقة وجهه( )، وقيل إن أم أبي بكر كان لايعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به الكعبة وقالت: اللهم إن هذا عتيقك من الموت فهبه لي( )، ولا مانع للجمع بين بعض هذه الأقوال، فأبي بكر جميل الوجه، حسن النسب، صاحب يد سابقة الى الخير، وهو عتيق الله من النار بفضل بشارة النبي  له( ).
2- الصديق:
لقبه به النبي  ففي حديث أنس  أنه قال: أن النبي  صعد أحداً، وأبوبكر، وعمر، وعثمان، فوجف بهم فقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان( ).
وقد لقب بالصديق لكثرة تصديقه للنبي ، وفي هذا تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فتقول: لما أسري بالنبي  الى المسجد الاقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناسُ، كانوا آمنوا به وصدقوه وسعى رجال الى أبي بكر، فقالوا: هل لك الى صاحبك؟ يزعم أن أسري به الليله الى بيت المقدس! قال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك فقد صدق. قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة الى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟!! قال نعم ، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبوبكر الصديق( ).
وقد أجمعت الأمة على تسميته بالصديق لأنه بادر الى تصديق الرسول  ولازمه الصدق فلم تقع منه هناة أبداً( )، فقد اتصف بهذا اللقب ومدحه الشعراء:
قال ابو محجن الثقفي:
وسُمِّيت صديقاً وكل مهاجر
سواك يُسَمَّى باسمه غير منكر
سبقت الى الاسلام والله شاهد
وكنت جليساً في العريش المشهر( )
وأنشد الأصمعي( )، فقال:
ولكني أحبّ بكل قلبي
وأعلم أن ذاك من الصواب
رسول الله والصدِّيق حبَّاً
به أرجو غداً حسن الثواب( )
3- الصاحب:
لقبه به الله عز وجل في القرآن الكريم: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة، الآية:40) وقد أجمع العلماء على أن الصاحب المقصود هنا هو أبوبكر ( )، فعن أنس أن أبا بكر حدثه فقال: قلت للنبي  وهو في الغار: لو أن أحدهم نظر الى قدميه لأبصرنا تحت قدميه!! فقال النبي : (ياأبابكر ماظنك باثنين الله ثالثهما)( ).
قال الحافظ رحمه الله: ومن أعظم مناقبه قول الله تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا......... إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}فإن المراد بصاحبه هنا أبوبكر بلا منازع( )، والاحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة ولم يشركه في المنقبة غيره( ).
4- الأتقى:
لقبه به الله عز وجل في القرآن العظيم في قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى} (سورة الليل، الآية: 17). وسيأتي بيان ذلك في حديثنا عن المعذبين في الله الذين أعتقهم أبوبكر .
5- الأواه:
لقب أبو بكر بالأواه وهو لقب يدل على الخوف والوجل والخشية من الله تعالى، فعن ابراهيم النخعي قال: كان أبوبكر يسمى بالأواه لرأفته ورحمته( ).
ثانياً: مولده وصفته الخَلْقية:
لم يختلف العلماء في أنه ولد بعد عام الفيل، وإنما اختلفوا في المدة التي كانت بعد عام الفيل، فبعضهم قال بثلاث سنين، وبعضهم ذكر بأنه ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر، وآخرون قالوا بسنتين وأشهر ولم يحددوا عدد الأشهر( )، وقد نشأ نشأة كريمة طيبة في حضن أبوين لهما الكرامة والعز في قومهما مما جعل أبا بكر ينشأ كريم النفس، عزيز المكانة في قومه( ).
وأما صفته الخِلقية، فقد كان يوصف بالبياض في اللون، والنحافة في البدن، وفي هذا يقول قيس بن أبي حازم: دخلت على أبي بكر، وكان رجلاً نحيفاً، خفيف اللحم أبيض( )، وقد وصفه أصحاب السير من افواه الرواة فقالوا: أن أبا بكر  اتصف بأنه: كان أبيض تخالطه صُفرة، حسن القامة، نحيفاً خفيف العارضين، أجنأ( )، لايستمسك إزاره يسترخي عن حقويه( ) رقيقاً معروق الوجه( )، غائر العينين( )، اقنى( )، حمش الساقين( )، ممحوص الفخذين( )، وكان ناتئ الجبهة، عاري الأشجاع( ) ويخضب لحيته، وشيبه بالحناء والكتم( ).
ثالثاً: أسرته:
أما والده، فهو عثمان بن عامر بن عمرو يكنى أبا قحافة أسلم يوم الفتح، وأقبل به الصديق على رسول الله  فقال: ياأبا بكر هلا تركته، حتى نأتيه، فقال أبوبكر: هوأولى أن يأتيك يارسول الله، فأسلم أبو قحافة وبايع رسول الله ( )، ويروى أن رسول الله  هنأ أبا بكر بإسلام أبيه( )، وقال لأبي بكر غيروا هذا من شعره، فقد كان رأس أبي قحافة مثل الثغامة( ).
وفي هذا الخبر منهج نبوي كريم سنَّهُ النبي  في توقير كبار السن واحترامهم ويؤكد ذلك قوله  (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا)( ).
وأما والدة الصديق، فهي سلمى بن صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم وكنيتها أم الخير أسلمت مبكراً وسيأتي تفصيل ذلك في واقعة إلحاح أبي بكر على النبي  على الظهور بمكة( ).
وأما زوجاته؛ فقد تزوج  من أربع نسوة أنجبن له ثلاثة ذكور وثلاث إناث وهنّ على التوالي:
1- قتيلة بنت عبدالعزى بن أسعد بن جابر ابن مالك:
اختلف في إسلامها( )، وهي والدة عبدالله وأسماء وكان أبوبكر طلقها في الجاهلية- وقد جاءت بهدايا فيها أقط وسمن الى إبنتها أسماء بنت أبي بكر بالمدينة، فابت أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها فأرسلت الى عائشة تسأل النبي  فقال النبي : (لِتُدْخِلها ولتقبل هديتها)، وأنزل الله عز وجل {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (سورة المتحنة، الآية:Cool أي لايمنعكم الله من البر والإحسان وفعل الخير الى الكفار الذين سالموكم ولم يقاتلوكم في الدين كالنساء، والضعفة منهم كصلة الرحم، ونفع الجار، والضيافة، ولم يخرجوكم من دياركم، ولايمنعكم أيضاً من أن تعدلوا فيما بينكم وبينهم، بأداء مالهم من الحق، كالوفاء لهم بالوعود، وأداء الأمانة، وإيفاء أثمان المشتريات كاملة غير منقوصة، إن الله يحب العادلين، ويرضى عنهم، ويمقت الظالمين ويعاقبهم( ).
2- أم رومان بنت عامر بن عويمر:
من بني كنانة بن خزيمة، مات عنها زوجها الحارث بن سخبرة بمكة، فتزوجها أبوبكر، وأسلمت قديماً، وبايعت، وهاجرت الى المدينة وهي والدة عبدالرحمن وعائشة رضي الله عنهم، وتوفيت في عهد النبي  بالمدينة سنة ست من الهجرة( ).
3- أسماء بن عُمَيس بن معبد بن الحارث:
أم عبدالله، من المهاجرات الأوائل، أسلمت قديماً قبل دخول دار الأرقم، وبايعت الرسول ، وهاجر بها زوجها جعفر بن أبي طالب  الى الحبشة، ثم هاجرت معه الى المدينة فاستشهد يوم مؤتة، وتزوجها الصديق فولدت له محمداً روى عنها من الصحابة : عمر، وأبو موسى، وعبدالله بن عباس، وأم الفضل امرأة العباس، فكانت أكرم الناس أصهاراً فمن أصهارها: رسول الله وحمزة، والعباس وغيرهم( ).
4- حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير:
الانصارية، الخزرجية وهي التي ولدت لأبي بكر أم كلثوم بعد وفاته وقد أقام عندها الصديق بالسُّنح( ).
وأما أولاد أبي بكر رضي الله عنهم فهم:
1- عبدالرحمن بن أبي بكر:
أسن ولد أبي بكر: أسلم يوم الحديبية، وحسن إسلامه وصحب رسول الله وقد إشتهر بالشجاعة وله مواقف محمودة ومشهودة بعد إسلامه( ).
2- عبدالله بن أبي بكر:
صاحب الدور العظيم في الهجرة، فقد كان يبقى في النهار بين أهل مكة يسمع أخبارهم ثم يتسلل في الليل الى الغار لينقل هذه الأخبار لرسول الله وأبيه، فإذا جاء الصبح عاد الى مكة، وقد أصيب بسهم يوم الطائف، فماطله حتى مات شهيداً بالمدينة في خلافة الصديق( ).
3- محمد بن أبي بكر:
أمه أسماء بنت عميس، ولد عام حجة الوداع وكان من فتيان قريش، عاش في حجر علي بن أبي طالب، وولاه مصر وبها قتل( ).
4- أسماء بنت أبي بكر:
ذات النطاقين أسن من عائشة، سماها رسول الله  ذات النطاقين لأنها صنعت لرسول الله  ولأبيها سفرة لما هاجرا فلم تجد ماتشدها به فشقت نطاقها، وشدت به السفرة فسماها النبي  بذلك، وهي زوجة الزبير بن العوام وهاجرت الى المدينة وهي حامل بعبدالله بن الزبير فولدته بعد الهجرة فكان أول مولود في الاسلام بعدالهجرة، بلغت مائة سنة ولم ينكر من عقلها شيء، ولم يسقط لها سن، روى لها عن الرسول  ستة وخمسون حديثاً، روى عنها عبدالله بن عباس، وأبناؤها عبدالله وعروة، وعبدالله بن أبي مُلَيْكة وغيرهم وكانت جوادة منفقة توفيت بمكة سنة 73هـ( ).
5- عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها:
الصديقة بنت الصديق تزوجها رسول الله  وهي بنت ست سنين، ودخل بها وهي بنت تسع سنين، وأعرس بها في شوال، وهي أعلم النساء، كناها رسول الله  أم عبدالله، وكان حبه لها مثالاً للزوجية الصالحة( ).
كان الشعبي يحدث عن مسروق أنه إذا تحدث عن أم المؤمنين عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق المبرأة حبيبة حبيب الله ، ومسندها يبلغ ألفين ومائتين وعشرة أحاديث (2210) اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثاً، وانفرد البخاري باربعة وخمسين، وانفرد مسلم بتسعة وستين( )، وعاشت ثلاثاً وستين سنة وأشهراً، وتوفيت سنة 57هـ، ولا ذرية لها( ).
6- أم كلثوم بنت أبي بكر:
أمها حبيبة بنت خارجة. قال أبوبكر لأم المؤمنين عائشة حين حضرته الوفاة: إنما هما أخواك وأختاك فقالت: هذه أسماء قد عرفتها فمن الاخرى قال: ذو بطن بنت خارجة، قد ألقي في خلدي أنها جارية فكانت كما قال: وولدت بعد موته( )، تزوجها طلحة بن عبيدالله وقتل عنها يوم الجمل، وحجت بها عائشة في عدتها فأخرجتها الى مكة( ).
هذه هي أسرة الصديق المباركة التي أكرمها الله بالاسلام وقد اختص بهذا الفضل أبو بكر  من بين الصحابة وقد قال العلماء: لايعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا رسول الله ، إلا آل أبي بكر الصديق وهم: عبدالله بن الزبير، أمه أسماء بنت أبي بكر بن ابي قحافة، فهؤلاء الأربعة صحابة متناسلون، وأيضاً محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة ( ).
وليس من الصحابة من أسلم أبوه وأمه وأولاده، وأدركوا النبي  وأدركه أيضاً بنو أولاده: إلا أبوبكر من جهة الرجال والنساء -وقد بينت ذلك- فكلهم آمنوا بالنبي وصحبوه، فهذا بيت الصديق، فأهله أهل إيمان، ليس فيهم منافق ولايعرف في الصحابة مثل هذا لغير بيت أبي بكر رضي الله عنهم.
وكان يقال: للإيمان بيوت وللنفاق بيوت؛ فبيت أبي بكر من بيوت الإيمان من المهاجرين، وبني النجار من بيوت الإيمان من الانصار( ).
رابعاً: الرصيد الخُلقي للصديق في المجتمع الجاهلي:
كان أبو بكر الصديق في الجاهلية من وجهاء قريش وأشرافهم وأحد رؤسائهم، وذلك أن الشرف في قريش قد انتهى قبل ظهور الاسلام الى عشرة رهط من عشرة أبطن، فالعباس ابن عبدالمطلب من بني هاشم، وكان يسقي الحجيج في الجاهلية، وبقي له ذلك في الاسلام وابو سفيان بن حرب من بني أمية، وكان عنده العقاب راية قريش، فإذا لم تجتمع قريش على واحد رأسوه هو وقدموه، والحارث بن عامر بن بني نوفل، وكانت إليه الرفادة، وهي ماتخرجه قريش من أموالها، وترفد به منقطع السبيل، وعثمان بن طلحة بن زمعة بن الاسود من بني أسد، وكانت إليه المشورة فلا يُجمع على أمر حتى يعرضوه عليه، فإن وافق ولاهم عليه، وإلا تخيّر وكانو له أعواناً، وأبو بكر الصديق من بني تيم وكانت إليه الأشناق وهي الديات والمغارم، فكان إذا حمل شيئاً فسأل فيه قريشاً صدقوه، وامضوا حمالة من نهض معه، وإن احتملها غيره خذلوه، وخالد بن الوليد من بني مخزوم، وكانت إليه القبة والأعنة، أما القبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها مايجهزون به الجيش، وأما الأعنة فإنه كان على خيل قريش في الحرب. وعمر بن الخطاب من بني عدي، وكانت إليه السفارة في الجاهلية، وصفوان بن أمية من بني جمح، وكانت إليه الأزلام. والحارث بن قيس من بني سهم، وكانت إليه الحكومة وأموال آلهتهم( ).
لقد كان الصديق في المجتمع الجاهلي شريفاً من أشراف قريش وكان من خيارهم، ويستعينون به فيما نابهم وكانت له بمكة ضيافات لايفعلها أحد( ).
وقد اشتهر بعدة أمور منها:
1- العلم بالأنساب:
فهو عالم من علماء الأنساب وأخبار العرب، وله في ذلك باع طويل جعله أستاذ الكثير من النسابين كعقيل بن أبي طالب وغيره، وكانت له مزية حببته إلى قلوب العرب وهي: أنه لم يكن يعيب الأنساب، ولايذكر المثالب بخلاف غيره( )، فقد كان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها، وبما فيها من خير وشر( )، وفي هذا تروي عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله  قال: إن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها( ).
2-تجارته:
كان في الجاهلية تاجراً، ودخل بُصرى من أرض الشام للتجارة وارتحل بين البلدان وكان رأس ماله اربعين ألف درهم وكان ينفق من ماله بسخاء وكرم عُرف به في الجاهلية( ).
3-موضع الألفة بين قومه وميل القلوب إليه:
فقد ذكر ابن اسحاق في السيرة أنهم كانوا يحبونه، ويألفونه، ويعترفون له بالفضل العظيم، والخلق الكريم، وكانوا يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجارته وحسن مجالسته( )، وقد قال له ابن الدغنه حين لقيه مهاجراً، إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتكسب المعدوم وتفعل المعروف( )، وقد علَّق ابن حجر على قول ابن الدغنه فقال: ومن أعظم مناقبه أن ابن الدغنه سيد القارة لما رد عليه جواره بمكة وصفه بنظير ماوصفت به خديجة النبي  لما بعث، فتواردا فيها نعت واحد من غير أن يتواطأ على ذلك، وهذه غاية في مدحه لأن صفات النبي  منذ نشأ كانت أكمل الصفات( ).
4-لم يشرب الخمر في الجاهلية:
فقد كان أعف الناس في الجاهلية( )، حتى إنه حرّم على نفسه الخمر قبل الإسلام، فقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: حرم أبو بكر الخمر على نفسه، فلم يشربها في جاهلية ولا في إسلام، وذلك أنه مرّ برجل سكران يضع يده في العذرة، ويدنيها من فيه، فإذا وجد ريحها صرفها عنه. فقال أبو بكر: إن هذا لايدري ما يصنع، وهو يجد ريحها فحماها( )، وفي رواية لعائشة ... ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية( ).
وقد أجاب الصديق من سأله هل شربت الخمر في الجاهلية؟ بقوله: أعوذ بالله، فقيل: ولم؟ قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مضيّعاً لعرضه ومروءته( ).
5-ولم يسجد لصنم:
ولم يسجد الصديق رضي الله عنه لصنم قط، قال أبو بكر رضي الله عنه في مجمع من أصحاب رسول الله ، ما سجدت لصنم قط، وذلك أني لما ناهزت الحلم أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام، فقال لي: هذه آلهتك الشّمُ العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني فلم يُجبني فقلت: إني عار فأكسني، فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخرَّ لوجهه() وهكذا حمله خلقه الحميد وعقله النير، وفطرته السليمة على الترفع عن كل شيء يخدش المروءة وينقص الكرامة من أفعال الجاهليين، وأخلاقهم التي تجانب الفطرة السليمة، وتتنافى مع العقل الراجح، والرجولة الصادقة( )، فلا عجب على من كانت هذه أخلاقه أن ينضم لموكب دعوة الحق ويحتل فيها الصدارة ويكون بعد إسلامه أفضل رجل بعد رسول الله ، فقد قال : خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا( )، وقد علق الأستاذ رفيق العظم عن حياة الصديق في الجاهلية فقال: اللهم إن امرأً نشأ بين الأوثان حيث لادين زاجر، ولاشرع للنفوس قائد، وهذا مكانه من الفضيلة، واستمساكه بعرى العفة والمروءة ... لجدير بأن يتلقى الإسلام بملء الفؤاد، ويكون أول مؤمن بهادي العباد، مبادر بإسلامه لإرغام أنوف أهل الكبر والعناد، ممهد سبيل الاهتداء بدين الله القويم، الذي يجتث أصول الرذائل من نفوس المهتدين بهديه، المستمسكين بمتين سببه( ).
لله در الصديق رضي الله عنه فقد كان يحمل رصيداً ضخماً من القيم الرفيعة، والأخلاق الحميدة والسجايا الكريمة في المجتمع القرشي قبل الإسلام وقد شهد له أهل مكة بتقدمه على غيره في عالم الأخلاق والقيم والمثل ولم يُعلمْ أحد من قريش عاب أبا بكر بعيب ولانقصه ولا استرذله كما كانوا يفعلون بضعفاء المؤمنين ولم يكن له عندهم عيب إلا الإيمان بالله ورسوله( ).
















المبحث الثاني
إسلامه ودعوته وابتلاؤه وهجرته الأولى



أولاً: إسلامه:
كان إسلام أبي بكر رضي الله عنه وليد رحلة إيمانية طويلة في البحث عن الدين الحق الذي ينسجم مع الفطر السليمة ويلبي رغباتها، ويتفق مع العقول الراجحة، والبصائر النافذة، فقد كان بحكم عمله التجاري كثير الأسفار، قَطَعَ الفيافي، والصحاري، والمدن والقرى في الجزيرة العربية وتنقل من شمالها إلى جنوبها، وشرقها إلى غربها، واتصل اتصالاً وثيقاً، بأصحاب الديانات المختلفة وبخاصة النصرانية، وكان كثير الإنصات لكلمات النفر الذين حملوا راية التوحيد، راية البحث عن الدين القويم( )، فقد حدّث عن نفسه فقال: كنت جالساً بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نُفيْل قاعداً، فمرّ ابن أبي الصَّلْتِ، فقال: كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال: بخير، قال: وهل وجدت؟ قال: لا، فقال:
كل دين يوم القيامة إلا
ما مضَى في الحنيفية بُور( )
أما إنّ هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم، قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي يُنتظر ويُبعث، قال: فخرجت أريد ورقة بن نوفل -وكان كثير النظر إلى السماء، كثير همهمة الصّدر- فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يا ابن أخي، إنّا أهل الكتب والعلوم، ألا إن هذا النبي الذي يُنتظر من أوسط العرب نسباً -ولي علم بالنسب- وقومك أوسط العرب نسباً. قلت: ياعمّ ومايقول النبي؟ قال: يقول ماقيل له؟ إلا إنّه لايظلم، ولايُظلم ولا يُظالم، فلما بُعث رسول الله  آمنت به وصدّقته( )، وكان يسمع مايقوله أمية بن أبي الصلت:
في مثل قوله: ألا نبي لنا منا فيخبرنا
مابعد غايتنا من رأس مجرانا
إني أعوذ بمن حج الحجيج له
والرافعون لدين الله أركانا
لقد عايش أبو بكر هذه الفترة، ببصيرة نافذة، وعقل نير، و فكر متألق، وذهن وقاد، وذكاء حاد، وتأمل رزين ملأ عليه أقطار نفسه، ولذلك حفظ الكثير من هذه الأشعار، ومن تلك الأخبار، فعندما سأل الرسول الكريم  أصحابه يوماً -وفيهم أبو بكر الصديق قائلاً: من منكم يحفظ كلام -قيس بن ساعدة- في سوق عكاظ؟ فسكت الصحابة، ونطق الصديق قائلاً: إني أحفظها يارسول الله،
كنت حاضراً يومها في سوق عكاظ، ومن فوق جمله الأورق وقف قيس- يقول: أيها الناس: اسمعوا وَعُوا، وإذا وعيتم فانتفعوا إن من عاش مات ومن مات فات، وكل ماهو آتٍ، آت، إن في السماء لخبراً، وإنَّ في الأرض لعبراً، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، ليل داج، وسماء ذات أبراج!!
يُقسم قيس، إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه. مالي أرى الناس يذهبون، ولايرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا ثم أنشد قائلاً:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصــــائر
لمــــــا رأيت موارداً للموت ليس لهــا مصائر
ورأيت قومي نحوها يسعى الأكابر والأصاغر
أيقنت أني لامحالـــة حيث صــار القوم صائر( )
وبهذا الترتيب الممتاز، وبهذه الذاكرة الحديدية، وهي ذاكرة استوعبت هذه المعاني يقص الصديق ماقاله قس بن ساعدة على رسول الله وأصحابه( ).
وقد رأى رؤيا لما كان في الشام فقصّها على بحيرا الراهب( )، فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة، قال: من أيها؟ قال: من قريش، قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر، قال: إن صدق الله رؤياك، فإنه يبعث بنبي من قومك، تكون وزيره في حياته، وخليفته بعد موته، فأسر ذلك أبو بكر في نفسه( ).
لقد كان إسلام الصديق بعد بحث وتنقيب وانتظار وقد ساعده على تلبية دعوة الإسلام معرفته العميقة وصلته القوية بالنبي  في الجاهلية، فعندما نزل الوحي على النبي  أخذ يدعو الأفراد إلى الله وقع أول اختياره على الصديق رضي الله عنه، فهو صاحبه الذي يعرفه قبل البعثة بدماثة خلقه، وكريم سجاياه، كما يعرف أبو بكر النبي بصدقه وأمانته، وأخلاقه التي تمنعه من الكذب على الناس فكيف يكذب على الله( )؟
فعندما فاتحه رسول الله  بدعوة الله وقال له: .. إني رسول الله ونبيه، بعثني إلى الله وحده لاشريك له، ولاتعبد غيره، والموالاة على طاعته( )، فأسلم الصديق ولم يتلعثم وتقدم ولم يتأخر، وعاهد رسول الله على نصرته فقام بما تعهد ولهذا قال رسول الله  في حقه: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين( ).
وبذلك كان الصديق رضي الله عنه أول من أسلم من الرجال الأحرار، قال إبراهيم النخعي، وحسان بن ثابت وابن عباس وأسماء بنت أبي بكر: أول من أسلم أبو بكر. وقال يوسف بن يعقوب الماجشون: أدركت أبي ومشيختنا: محمد بن المنكدر، وربيعة بن عبدالرحمن، وصالح بن كيسان وسعد بن ابراهيم وعثمان بن محمد الأخنس وهم لايشكون أن أول القوم إسلاماً أبو بكر( )، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من صلى أبو بكر ثم تمثل بأبيات حسان:
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة
فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها
إلا النبي وأوفاها بما حملا
الثاني التالي المحمود مشهده
وأول الناس صدق الرسلا( )
وثاني أثنين في الغار المنيف وقد
طاف العدو به إذ صعد الجبلا
وعاش حميداً لأمر الله متبعاً
بهدى صاحبه الماضي وما انتقلا
وكان حب رسول الله قد علموا
من البرية لم يعدل به رجلا( )
هذا وقد ناقش العلماء قضية إسلام الصديق، وهل كان رضي الله عنه أول من أسلم، فمنهم من جزم بذلك، ومنهم من جزم بأن علياً أول من أسلم، ومنهم من جعل زيد بن حارثة أول من أسلم، وقد جمع الامام ابن كثير رحمه الله بين الأقوال جمعاً طيباً فقال: (والجمع بين الأقوال كلها : أن خديجة أول من أسلم من النساء
-وقيل الرجال أيضاً- وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب -فإنه كان صغيراً دون البلوغ على المشهور- وهؤلاء كانوا آنذاك أهل بيته ، وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبوبكر الصديق، وإسلامه كان أنفع من اسلام من تقدم ذكرهم إذ كان صدراً معظماً، ورئيساً في قريش مكرماً، وصاحب المال وداعية الى الاسلام وكان محبباً متآلفاً يبذل المال في طاعة الله ورسوله) ثم قال: (وقد أجاب أبو حنيفة  بالجمع بين هذه الأقوال فإن أول من أسلم من الرجال الأحرار أبوبكر، ومن النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة ومن الغلمان علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين( ).
وبإسلام أبي بكر عم السرور قلب النبي  حيث تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: فلما فرغ من كلامه -أي النبي - أسلم أبوبكر فانطلق رسول الله  من عنده، ومابين الأخشبين أحد أكثر سروراً منه بإسلام أبي بكر( ). لقد كان ابوبكر كنزاً من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه وكان من أحب قريش لقريش، فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعله من الموطئين أكنافاً، من الذين يألفون ويؤلفون، والخلق السمح وحده عنصر كافٍ لإلفة القوم وهو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: أرحم أمتي بأمتي ابوبكر( )، وعلم الأنساب عند العرب، وعلم التاريخ هما أهم العلوم عندهم، ولدى أبي بكر الصديق  النصيب الأوفر منهما، وقريش تعترف للصديق بأنه أ علمها بأنسابها وأعلمها بتاريخها، ومافيه من خير وشر، فالطبقة المثقفة ترتاد مجلس أبي بكر لتنهل منه علماً لاتجده عند غيره غزارة ووفرة وسعة، ومن أجل هذا كان الشباب النابهون والفتيان الأذكياء يرتادون مجلسه دائماً، إنهم الصفوة الفكرية المثقفة التي تود أن تلقى عنده هذه العلوم، وهذا جانب آخر من جوانب عظمته، وطبقة رجال الأعمال، ورجال المال في مكة، هي كذلك من رواد مجلس الصديق، فهو إن لم يكن التاجر الأول في مكة، فهو من أشهر تجارها، فأرباب المصالح هم كذلك قصاده، ولطيبته وحسن خلقه تجد عوام الناس يرتادون بيته، فهو المضياف الدمث الخلق، الذي يفرح بضيوفه، ويأنس بهم، فكل طبقات المجتمع المكي تجد حظها عند الصديق رضوان الله عليه( )، كان رصيده الأدبي والعلمي والاجتماعي في المجتمع المكي عظيماً، ولذلك عندما تحرك في دعوته للاسلام استجاب له صفوة من خيرة الخلق( ).
ثانياً: دعوته:
أسلم الصديق  وحمل الدعوة مع رسول الله ، وتعلم من رسول الله  أن الاسلام دين العمل والدعوة والجهاد، وأن الايمان لايكمل حتى يهب المسلم نفسه ومايملك لله رب العالمين( )، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَلا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (سورة الأنعام، الآيتان: 162،163) وقد كان الصديق كثير الحركة للدعوة الجديدة، وكثير البركة اينما تحرك أثر وحقق مكاسب عظيمة للاسلام، وقد كان نموذجاً حياً في تطبيقه لقول الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (سورة النحل، الآية: 125).
كان تحرك الصديق  في الدعوة الى الله يوضح صورة من صور الايمان بهذا الدين والاستجابة لله ورسوله صورة المؤمن الذي لايقر له قرار، ولا يهدأ له بال، حتى يحقق في دنيا الناس ماآمن به، دون أن تكون انطلاقته دفعة عاطفية مؤقتة سرعان ماتخمد وتذبل وتزول، وقد بقي نشاط أبي بكر وحماسه للاسلام الى أن توفاه الله عز وجل لم يفتر أو يضعف أويمّل أو يعجز( ).
كانت أول ثمار الصديق الدعوية دخول صفوة من خيرة الخلق في الاسلام وهم: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيدالله، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مضعون، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبدالرحمن بن عوف، وأبوسلمة بن عبدالأسد، والأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنهم، وجاء بهؤلاء الصحابة الكرام فرادى فأسلموا بين يدى رسول الله، فكانوا الدعامات الاولى التي قام عليها صرح الدعوة، وكانوا العدة الأولى في تقوية جانب رسول الله  وبهم أعزه الله و أيده وتتابع الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، رجالاً ونساءً، وكان كل من هؤلاء الطلائع داعية الى الاسلام، وأقبل معهم رعيل السابقين، الواحد والإثنان، والجماعة القليلة، فكانوا على قلة عددهم كتيبة الدعوة، وحصن الرسالة لم يسبقهم سابق ولا يلحق بهم لاحق في تاريخ الاسلام( ).
وإهتم الصديق بأسرته فأسلمت أسماء وعائشة وعبدالله وزوجته أم رومان وخادمه عامر بن فهيرة، لقد كانت الصفات الحميدة والخلال العظيمة والأخلاق الكريمة التي تجسدت في شخصية الصديق عاملاً مؤثراً في الناس عند دعوتهم للاسلام، فقد كان رصيده الخلقي ضخماً في قومه وكبيراً في عشيرته، فقد كان رجلاً، مؤلفاً لقومه، محبباً لهم، سهلاً، أنسب قريش لقريش بل كان فرد زمانه في هذا الفن، وكان رئيساً مكرماً سخياً يبذل المال، وكانت له بمكة ضيافات لايفعلها أحد، وكان رجلاً بليغاً( ).
إن هذه الأخلاق والصفات الحميدة لابد منها للدعاة إلى الله وإلا أصبحت دعوتهم للناس صيحة في واد، ونفخة في رماد، وسيرة الصديق وهي تفسر لنا فهمه للإسلام وكيف عاش به في حياته حريٌّ بالدعاة أن يتأسوا بها في دعوة الأفراد إلى الله تعالى.
ثالثاً: ابتلاؤه:
إن سنة الابتلاء ماضية في الأفراد والجماعات والشعوب والأمم والدول، وقد مضت هذه السنة في الصحابة الكرام وتحملوا رضوان الله عليهم من البلاء ماتنوء به الرواسي الشامخات وبذلوا أموالهم ودماءهم في سبيل الله، وبلغ بهم الجهد ماشاء الله أن يبلغ، ولم يسلم أشراف المسلمين من هذا الابتلاء، فلقد أوذي أبو بكر  وحُثي على رأسه التراب، وضرب في المسجد الحرام بالنعال، حتى مايعرف وجهه من أنفه، وحمل الى بيته في ثوبه وهو مابين الحياة والموت( )، فقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لمّا اجتمع أصحاب النبي  وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً الحّ أبو بكر  على رسول الله  في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنَّا قليل. فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله ، وتفرق المسلمين في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله  جالس، فكان أوّل خطيب دعا إلى الله تعالى وإلى رسوله ، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوه في نواحي المسجد ضرباً شديداً، ووطئ أبو بكر وضرب ضرباً شديداً، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويُحرِّفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر ، حتى مايعرف وجهه من أنفه، وجاءت بنو تميم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحَمَلت بنو تميم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولايشكون في موته، ثم رجعت بنو تميم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة (والده) وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: مافعل رسول الله ؟ فمسّوا منه بألسنتهم وعذلوه، وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه. فلما خلت به ألحت عليه، وجعل يقول: مافعل رسول الله ؟ فقالت: والله مالي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر سألك عن محمد بن عبدالله. فقالت: ما أعرف أبا بكر ولامحمد بن عبدالله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دَنِفاً، فدنت أم جميل، وأعلنت بالصياح، وقالت: والله إن قوماً نالوا منك لأهل فسق وكفر إنني لأرجوا أن ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله ؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلاشيء عليك منها، قالت: سالم صالح، قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم. قال: فإن لله علي أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله ، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرِّجل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله ، فقال: فأكب عليه رسول الله فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورقّ له رسول الله  رقة شديدة فقال أبو بكر : بأبي وأمي يارسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله، وأدع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال: فدعا لها رسول الله  ودعاها إلى الله فأسلمت( ).
إن هذا الحدث العظيم في طياته دروس وعبر لكل مسلم حريص على الاقتداء بهؤلاء الصحب الكرام ونحاول أن نستخرج بعض هذه الدروس التي منها:
1-حرص الصديق على إعلان الإسلام واظهاره أمام الكفار وهذا يدل على قوة إيمانه وشجاعته وقد تحمل الأذى العظيم حتى أن قومه كانوا لايشكون في موته، لقد أشرب قلبه حب الله ورسوله أكثر من نفسه، ولم يعد يهمه -بعد إسلامه- إلا أن تعلوا راية التوحيد، ويرتفع النداء لا إله إلا الله محمد رسول الله في أرجاء مكة حتى لو كان الثمن حياته، وكاد أبو بكر فعلاً أن يدفع حياته ثمناً لعقيدته وإسلامه.
2-إصرار أبي بكر على الظهور بدعوة الإسلام وسط الطغيان الجاهلي، رغبة في إعلام الناس بذلك الدين الذي خالطت بشاشته القلوب، رغم علمه بالأذى الذي قد يتعرض له وصحبه وماكان ذلك إلا لأنه قد خرج من حظ نفسه.
3-حب الله ورسوله تغلغل في قلب أبي بكر على حبه لنفسه، بدليل أنه رغم ما ألم به، كان أول ما سأل عنه: مافعل رسول الله ، قبل أن يطعم أو يشرب، وأقسم أنه لن يفعل حتى يأتي رسول الله ، وهكذا يجب أن يكون حب الله ورسوله  عند كل مسلم أحب إليه مما سواهما حتى لو كلفه ذ لك نفسه وماله( ).
4-إن العصبية القبلية كان لها في ذلك الحين دور في توجيه الأحداث والتعامل مع الأفراد حتى مع اختلاف العقيدة، فهذه قبيلة أبي بكر تهدد بقتل عتبة إن مات أبو بكر( ).
5-تظهر مواقف رائعة لأم جميل بنت الخطاب، توضح لنا كيف تربت على حُبَّ الدعوة والحرص عليها، وعلى الحركة لهذا الدين، فحينما سألتها أم أبي بكر عن رسول الله قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبدالله، فهذا تصرف حذر سليم، لأن أم الخير لم تكن ساعتئذ مسلمة وأم جميل كانت تخفي إسلامها، ولاتود أن تعلم به أم الخير، وفي ذات الوقت أخفت عنها مكان الرسول  مخافة أن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:02 am

تكون عيناً لقريش( )، وفي نفس الوقت حرصت أم جميل أن تطمئن على سلامة الصديق ولذلك عرضت على أم الخير أن تصحبها إلى ابنها وعندما وصلت للصديق كانت أم جميل في غاية الحيطة والحذر من أن تتسرب منها أي معلومة عن مكان رسول الله وأبلغت الصديق بأن رسول الله سالم صالح( )، ويتجلى الموقف الحذر من الجاهلية التي تفتن الناس عن دينهم في خروج الثلاثة عندما: هدأت الرجل وسكت الناس( ).
6-يظهر بر الصديق بأمه وحرصه على هدايتها في قوله لرسول الله : هذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها عسى أن يستنقذها بك من النار. إنه الخوف من عذاب الله والرغبة في رضاه وجنته، ولقد دعا رسول الله  لأم أبي بكر بالهداية فاستجاب الله له، وأسلمت أم أبي بكر وأصبحت من ضمن الجماعة المؤمنة المباركة التي تسعى لنشر دين الله تعالى، ونلمس رحمة الله بعباده ونلحظ من خلال الحدث قانون المنحة بعد المحنة.
7-إن من أكثر الصحابة الذين تعرضوا لمحنة الأذى والفتنة بعد رسول الله  أبا بكر الصديق  نظراً لصحبته الخاصة له، والتصاقه به في المواطن التي كان يتعرض فيها للأذى من قومه فينبري الصديق مدافعاً عنه وفادياً إياه بنفسه، فيصيبه من أذى القوم وسفههم، هذا مع أن الصديق يعتبر من كبار رجال قريش المعروفين بالعقل والإحسان( ).
رابعاً: دفاعه عن النبي :
من صفات الصديق التي تميز بها: الجرأة والشجاعة، فقد كان لايهاب أحداً في الحق، ولاتأخذه لومة لائم في نصرة دين الله والعمل له والدفاع عن رسوله  فعن عروة بن الزبير قال سألت ابن عمرو بن العاص بأن يخبرني بأشد شئ صنعه المشركون بالنبي  فقال: بينما النبي  يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي ( ) وقال: (أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله) (غافر، آية:28). وفي رواية أنس رضي الله عنه أنه قال: لقد ضربوا رسول الله  مرة حتى غشي عليه فقام أبو بكر  فجعل ينادي ويلكم ( أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله)( ). وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقال: أدرك صاحبك. قالت فخرج من عندنا وله غدائر أربع وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله. فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لايمس شيئاً من غدائره إلا رجع معه( )، وأما في حديث علي بن أبي طالب  فقد قام خطيباً وقال: يا أيها الناس من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين فقال: أما إني مابارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، إنا جعلنا لرسول الله  عريشاً فقلنا من يكون مع رسول الله  لئلا يهوي عليه أحد من المشركين، فوالله مادنا منه أحد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله ، لايهوي إليه أحد إلاّ أهوى إليه فهذا أشجع الناس. قال ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش فهذا يُحادُه، وهذا يتلتله ويقولون أنت جعلت الآلهة إلهاً واحداً فوالله مادنا منه أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فبكت القوم، فقال عليّ: فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه( ).
هذه صورة مشرقة تبين طبيعة الصراع بين الحق والباطل والهدى والضلال، والإيمان والكفر، وتوضح ماتحمله الصديق من الألم والعذاب في سبيل الله تعالى كما تعطي ملامح واضحة عن شخصيته الفذة، وشجاعته النادرة التي شهد له بها الإمام علي  في خلافته أي بعد عقود من الزمن، وقد تأثر علي  حتى بكى وأبكى.
إن الصديق  أول من أوذي في سبيل الله بعد رسول الله، وأول من دافع عن رسول الله، وأول من دعا الى الله( )، وكانت الذراع اليمنى لرسول الله ، وتفرغ للدعوة وملازمة رسول الله وإعانته على من يدخلون الدعوة في تربيتهم وتعليمهم وإكرامهم، فهذا ابوذر  يقص لنا حديثه عن إسلامه ففيه: (...فقال أبوبكر: ائذن لي يارسول الله في طعامه الليلة - وأنه أطعمه من زبيب الطائف( )، وهكذا كان الصديق في وقوفه مع رسول الله يستهين بالخطر على نفسه، ولا يستهين بخطر يصيب النبي  قل أو كثر حيثما رآه واستطاع أن يذود عنه العادين عليه، وانه ليراهم آخذين بتلابيبه فيدخل بينهم وبينه وهو يصيح بهم: (ويلكم أتقتلون رجلاً ان يقول ربي الله؟) فينصرفون عن النبي وينحون عليه يضربونه، ويجذبونه من شعره فلا يدعونه إلا وهو صديع)( ).
خامساً: انفاقه الأموال لتحرير المعذبين في الله:
تضاعف اذى المشركين لرسول الله  ولأصحابه مع انتشار الدعوة في المجتمع المكي الجاهلي حتى وصل الى ذروة العنف وخاصة في معاملة المستضعفين من المسلمين، فنكلت بهم لتفتنهم عن عقيدتهم وإسلامهم، ولتجعلهم عبرة لغيرهم، ولتنفس عن حقدها وغضبها بما تصبه عليهم من العذاب وقد تعرض بلال  لعذاب عظيم ولم يكن لبلال  ظهر يسنده، ولا عشيرة تحميه، ولا سيوف تذود عنه، ومثل هذا الانسان في المجتمع الجاهلي المكي يعادل رقماً من الأرقام، فليس له دور في الحياة إلا أن يخدم ويطيع ويباع ويشترى كالسائمة، أما أن يكون له رأي أو يكون صاحب فكر، أو صاحب دعوة أو صاحب قضية، فهذه جريمة شنعاء في المجتمع الجاهلي المكي تهز أركانه، وتزلزل أقدامه، ولكن الدعوة الجديدة التي سارع لها الفتيان وهم يتحدون تقاليد وأعراف آبائهم الكبار لامست قلب هذا العبد المرمي المنسي، فأخرجته إنساناً جديد في الحياة( )، قد تفجرت معاني الايمان في إعماقه بعد أن آمن بهذا الدين وانضم الى محمد  وإخوانه في موكب الايمان العظيم وعندما علم سيده أميةبن خلف، راح يهدده تارة ويغريه اطوراً فما وجد عند بلال غير العزيمة وعدم الاستعداد للعودة الى الوراء الى الكفر والجاهلية والضلال، وفحنق عليه أمية وقرر أن يعذبه عذاباً شديداً، فأخرجه الى شمس الظهيرة في الصحراء بعد أن منع عنه الطعام والشراب يوماً وليلة، ثم ألقاه على ظهره فوق الرمال المحرقة الملتهبة ثم أمر غلمانه فحملوا صخرة عظيمة وضعوها فوق صدر بلال وهو مقيد اليدين، ثم قال له: لاتزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى) وأجاب بلال بكل صبر وثبات: أحد أحد. وبقي أمية بن خلف مدة وهو يعذب بلالاً بتلك الطريقة البشعة( )، فقصد وزير رسول الله  الصديق موقع التعذيب وفاوض أمية بن خلف وقال له: (ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى! قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، فقال أبوبكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به، قال: قد قبلت؛ فقال: هو لك فأعطاه أبوبكر الصديق  غلامه ذلك وأخذه فأعتقه)( )، وفي رواية اشتراه بسبع أواق أو بأربعين أوقية ذهباً( )، ماأصبر بلال وماأصلبه ! فقد كان صادق الاسلام، طاهر القلب، ولذلك صَلُب ولم تلين قناته أمام التحديات وأمام صنوف العذاب، وكان صبره، وثباته مما يغيظهم ويزيد حنقهم، خاصة أن كان الرجل الوحيد من ضعفاء المسلمين الذي ثبت على الاسلام فلم يوات الكفار فيما يريدون مردداً كلمة التوحيد بتحد صارخ، وهانت عليه نفسه في الله وهان على قومه( ).
وبعد كل محنة منحة فقد تخلص بلال من العذاب والنكال، وتخلص من أسر العبودية، وعاش مع رسول الله بقية حياته ملازماً له، ومات راضياً عنه.
واستمر الصديق في سياسة فك رقاب المسلمين المعذبين واصبح هذا المنهج من ضمن الخطة التي تبنتها القيادة الاسلامية لمقاومة التعذيب الذي نزل بالمستضعفين فدّعم الدعوة بالمال والرجال والأفراد فراح يشتري العبيد والإماء المملوكين من المؤمنين والمؤمنات منهم عامر بن فهيرة شهد بدراً وأحداً، وقتل يوم بئر معونة شهيداً، وأم عبيس، و زنِّيرة وأصيب بصرها حين أعتقها فقالت قريش: ماأذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا وبيت الله ماتضر اللات والعزى وماتنفعان، فرد الله بصرها( )، وأعتق النهدية وبنتها وكانتا لامرأة من بني عبدالدار مرّ بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبداً: فقال ابو بكر  حِلُّ( ) يأم فلان فقالت: حل أنت، أفسدتهما فأعتقهما؛ قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا. وقال: قد أخذتهما وهما حرتان ألينها طحينها. قالتا: أو نفرغ منه ياأبابكر ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما( ).
وهنا وقفة تأمل ترينا كيف سوى الاسلام بين الصديق والجاريتين حتى خطابتاه خطاب الند للند، لاخطاب المسود للسيد، وتقبل الصديق على شرفه وجلالته في الجاهلية والاسلام - منهما ذلك، مع أنه له يداً عليهما بالتعق، وكيف صقل الاسلام الجاريتين حتى تخلقتا بهذا الخلق الكريم، وكان يمكنهما وقد أعتقتا وتحررتا من الظلم أن تدعا لهما طحينها يذهب أدراج الرياح، أو يأكله الحيوان والطير، ولكنهما ابتا - تفضلاً، إلا أن تفرغا منه، وترداه إليها( ).
ومر الصديق بجارية بني مؤمل حي من بني عدي بن كعب وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الاسلام، وهو يومئذ مشركاً يضربها، حتى إذا ملَّ قال: إني أعتذر إليك إني لم أتركك إلا عن ملالة فتقول: كذلك فعل الله بك فابتاعها أبوبكر فأعتقها( ).
هكذا كان واهب الحريات، ومحرر العبيد، شيخ الاسلام الوقور، الذي عرف بين قومه، بأنه يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، ولم ينغمس في إثم في جاهليته، أليف مألوف يسيل قلبه رقة ورحمة على الضعفاء والأرقاء، أنفق جزءً كبيراً من ماله في شراء العبيد، وعتقهم لله، وفي الله، قبل أن تنزل التشريعات الاسلامية المحببة في العتق، والواعدة عليه أجزل الثواب( ).
كان المجتمع المكي يتندر بأبي بكر  الذي يبذل هذا المال كله لهؤلاء المستضعفين، أما في نظر الصديق، فهؤلاء إخوانه في الدين الجديد فكل واحد من هؤلاء لايساوي عنده مشركي الأرض وطغاتها، وبهذه العناصر وغيرها تبنى دولة التوحيد، وتصنع حضارة الاسلام الرائعة( ) ولم يكن الصديق يقصد بعمله هذا محمدة، ولا جاهاً، ولا ديناً، وإنما كان يريد وجه الله ذا الجلال والإكرام لقد قال له أبوه ذات يوم: يابني إني أراك تعتق رقاباً ضعافاً، فلو أنك إذ فعلت أعتقت رجالاً جلد يمنعوك، ويقومون دونك؟ فقال أبوبكر : ياأبت إني إنما أريد ماأريد لله عز وجل، فلا عجب إذا كان الله سبحانه أنزل في شأن الصديق قرآناً يتلى الى يوم القيامة قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَىوَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىفَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىوَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىوَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىفَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىوَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىإِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىوَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَىفَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىلا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَىالَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىوَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَىالَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىوَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَىإِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَىوَلَسَوْفَ يَرْضَى}( ) (سورة الليل، الآيات: 5-21).
لقد كان الصديق من أعظم الناس إنفاقاً لماله فيما يرضي الله ورسوله.
كان هذا التكافل بين أفراد الجماعة الاسلامية الأولى قمة من قمم الخير والعطاء، وأصبح هؤلاء العبيد بالاسلام، أصحاب عقيدة وفكرة يناقشون بها وينافحون عنها، ويجاهدون في سبيلها، وكان إقدام إبي بكر  على شرائهم ثم عتقهم دليلاً على عظمة هذا الدين ومدى تغلغله في نفسية الصديق ، وما أحوج المسلمين اليوم أن يحيوا هذا المثل الرفيع، والمشاعر السامية ليتم التلاحم والتعايش، والتعاضد بين أبناء الأمة التي يتعرض ابناءها للابادة الشاملة من قبل أعداء العقيدة والدين.
سادساً: هجرته الاولى وموقف ابن الدغنة منها:
قالت عائشة رضي الله عنها: قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله  طرفي النهار: بكرة وعشية فلما ابتلى المسلمون، خرج أبوبكر مهاجراً نحو أرض الحبشة حتى برك الغماد لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة( )- فقال: أين تريد ياأبابكر؟ فقال ابوبكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك ياأبابكر لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فأنا لك جار. ارجع وأعبد ربك ببلدك. فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبابكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبابكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ماشاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لابي بكر، فلبث أبوبكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين، وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبوبكر رجلاً بكاءً لايملك عينه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا الى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبابكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمته، فإنا قد كرهنا أن نغفرك ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة الى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع اليّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبوبكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل( )، وحين خرج من جوار ابن الدغنة، يعني ابوبكر، لقيه سفيه من سفهاء قريش وهو عامد الى الكعبة فحثا على رأسه تراباً، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة، أو العاص بن وائل - فقال له أبوبكر : ألا تر مايصنع هذا السفيه، فقال: أنت فعلت ذلك بنفسك، وهو يقول: ربي ماأحلمك، أي ربي ماأحلمك، أي ربي ماأحلمك( ). وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة منها:
1- كان ابوبكر في عز من قومه قبل بعثة محمد  فهاهو ابن الدغنة يقول له: مثلك ياأبابكر لايخرج ولا يخرج مثله، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأبوبكر لم يدخل في دين الله طلباً لجاه أو سلطان، ومادفعه الى ذلك إلا حب الله ورسوله مما يترتب على ذلك من ابتلاءات، أي أنه لم يكن له تطلعات سوى مرضات الله تعالى، إنه يريد أن يفارق الأهل والوطن والعشيرة ليعبد ربه لأنه حيل بينه وبين ذلك في وطنه( ).
2- إن زاد الصديق في دعوته القرآن الكريم ولذلك اهتم بحفظه وفهمه وفقهه والعمل به، وأكسبه الاهتمام بالقرآن الكريم براعة في تبليغ الدعوة، وروعة في الاسلوب، وعمقاً في الأفكار، وتسلسلاً عقلياً في عرض الموضوع الذي يدعو إليه، ومراعاة لأحوال السامعين وقوة في البرهان والدليل( ).
وكان الصديق يتأثر بالقرآن الكريم ويبكي عند تلاوته وهذا يدل على رسوخ يقينه وقوة حضور قلبه مع الله عز وجل ومع معاني الآيات التي يتلوها، والبكاء مبعثه قوة التأثير إما بحزن شديد أو فرح غامر، والمؤمن الحق يظل بين الفرح بهداية الله تعالى الى الصراط المستقيم، والإشفاق من الانحراف قليلاً عن هذا الصراط، وإذا كان صاحب إحساس حيَّ وفكر يقظ كأبي بكر  فإن هذا القرآن يذكِّره بالحياة الآخرة ومافيها من حساب وعقاب أو ثواب، فيظهر أثر ذلك في خشوع الجسم وانسكاب العبرات، وهذا المظهر يؤثر كثيراً على من شاهده، ولذلك فزع المشركون من مظهر أبي بكر المؤثر وخَشُوا على نسائهم وأبنائهم أن يتأثروا به فيدخلوا في الإسلام( ).
لقد تربى الصديق على يدي رسول الله  وحفظ كتاب الله تعالى وعمل به في حياته وتأمل فيه كثيراً وكان لا يتحدث بغير علم، فعندما سئل عن آية لايعرفها أجاب بقوله: أي أرض تسعني أو أي سماء تُظِلنُّي إذا قلت في كتاب الله مالم يُرد الله( ) ومن أقواله التي تدل على تدبره وتفكره في القرآن الكريم قوله: (إن الله ذكر أهل الجنة، فذكرهم بأحسن أعمالهم وغفر لهم سيئها، فيقول الرجل: أين أنا من هؤلاء؟! يعني: حسنها، فيقول قائل: لست من هؤلاء، يعني: وهو منهم( )، وكان يسأل رسول الله  فيما استشكل عليه بأدب وتقدير واحترام، فلما نزل قوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} (سورة النساء، الاية:123) قال ابوبكر يارسول الله، قد جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءاً؟ فقال: ياأبابكر، ألست تنصب؟ الست تحزن؟ ألست تصيبك اللأوى؟ فذلك مما تجزون به( ).
وقد فسر الصديق بعض الآيات مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (سورة فصلت، الآية: 30) قال فيها: فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، فلم يلتفتوا بقلوبهم الى ماسواه لا بالحب ولا بالخوف، ولا بالرجاء ولا بالسؤال ولا بالتوكل عليه، بل لا يحبون إلا الله ولا يحبون معه أنداداً، ولايحبون إلا إياه، لا لطلب منفعة، ولا لدفع مضرة، ولا يخافون غيره كائناً من كان، ولا يسألون غيره ولا يتشرفون بقلوبهم الى غيره( )، وغير ذلك من الآيات.
إن الدعاة الى الله عليهم أن يكونوا في صحبة مستمرة للقرآن الكريم، يقرؤه ويتدبروه ويستخرجوا كنوزه ومعارفه للناس، وأن يظهروا للناس مافي القرآن من إعجاز بياني وعلمي وتشريعي ومافيه من سبل إنقاذ الانسانية المعذبة من مأسيها وحروبها، بأسلوب يناسب العصر، ويكافئ ماوصل إليه الناس من تقدم في وسائل الدعوة والدعاية، ولقد أدرك أبوبكر  كيف تكون قراءة القرآن الكريم في المسجد على ملأ من قريش وسيلة مؤثرة من وسائل الدعوة الى الله( ).
سابعاً: بين القبائل العرب في الأسواق:
قد علمنا أن الصديق  كان عالماً بالأنساب وله فيها الباع الطويل: قال السيوطي رحمه الله تعالى: رأيت بخط الحافظ الذهبي رحمه الله من كان فرد زمانه في فنه... أبوبكر في النسب( )، ولذلك استخدم الصديق هذا العلم الفياض وسيلة من وسائل الدعوة ليعلم كل ذي خبرة كيف يستطيع أن يسخرذلك في سبيل الله، على اختلاف التخصصات، وألوان المعرفة، سواء كان علمه نظرياً أو تجريبياً، أو كان ذا مهنة مهمة في حياة الناس( )، وسوف نرى الصديق يصحبه رسول الله  عندما عرض نفسه على قبائل العرب ودعاهم الى الله كيف وظف هذا العلم لدعوة الله فقد كان الصديق خطيباً مفوهاً له القدرة على توصيل المعاني بأحسن الألفاظ، وكان رضي الله عنه يخطب عن النبي  في حضوره وغيبته، فكان النبي  إذا خرج في الموسم -يدعو الناس الى متابعة كلامه تمهيداً وتوطئة لما يبلغ الرسول، معونة له، لا تقدماً بين يدي الله ورسوله( )، وكان علمه في النسب ومعرفة أصول القبائل مساعداً له على التعامل معها، فعن علي بن أبي طالب  قال: لما أمر الله عز وجل نبيه  أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه.... الى أن قال ثم دفعنا الى مجلس آخر عليه السكينة والوقار فتقدم أبوبكر فسلم فقال من القوم؟ قالوا: شيبان ابن ثعلبة فالتفت ابوبكر الى رسول الله  وقال بأبي وأمي هؤلاء غرر الناس وفيهم مفروق قد غلبهم لساناً وجمالاً وكانت له غديرتان تسقطان على تريبته وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر فقال: أبوبكر كيف العدد فيكم فقال مفروق: إنا لانزيد على الألف ولن تغلب الألف من قلة فقال أبوبكر: وكيف المنعة فيكم فقال مفروق: إنا لأشد مانكون غضباً حين نلقى وأشد مانكون لقاء حين نغضب وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا أخرى لعلك أخا قريش؛ فقال أبوبكر: إن كان بلغكم أنه رسول الله  فها هوذا. فقال: مفروق إلام تدعونا ياأخا قريش؟ فقال رسول الله : (أدعوكم الى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأني عبدالله ورسوله والى أن تؤووني وتنصروني فإن قريشاً قد تظاهرت على الله وكذّبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد) فقال مفروق: وإلام تدعو أيضاً ياأخا قريش فوالله ماسمعت كلاماً أحسن من هذا فتلا رسول الله  قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (سورة الانعام، الآية: 151) فقال مفروق: دعوت والله الى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك ثم رد الأمر الى هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا فقال هانئ: قد سمعت مقالتك ياأخا قريش وإني أرى تركنا ديننا واتباعنا دينك لمجلس جلست إلينا لا أول ولا آخر لذل في الرأي وقلة نظر في العاقبة أن الزلة مع العجلة وأنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقداً ولكن نرجع وترجع وننظر ثم كأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا فقال المثنى -وأسلم بعد ذلك- قد سمعت مقالتك ياأخا قريش والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك وإنا إنما نزلنا بين صيرين أحدهما اليمامة والاخرى السمامة، فقال رسول الله  وماهذان الصيران؟ فقال له أما أحدهما فطوق التزيد أي ماأشرف من الأرض -وأرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لانحدث حدثاً، ولا نؤي محدثاً ولعل هذا الأمر الذي تدعو إليه تكرهه الملوك، فأما ماكان مما يلي على بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره غير مقبول، فإن أردت أن ننصرك مما يلي العرب فعلينا، فقال رسول الله : ماأسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه أريتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حى يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه فقال النعمان: اللهم فلك ذاك( ).
وفي هذا الخبر دروس وعبر وفوائد كثيرة منها:
1- ملازمة الصديق لرسول الله  وهذا جعله يفهم الاسلام بشموله وهيأه الله تعالى بأن يصبح أعلم الصحابة بدين الله، فقد تعلم من رسول الله  حقيقة الاسلام وتربى على يديه في معرفة معانيه، فاستوعب طبيعة الدعوة ومر بمراحلها المتعددة واستفاد من صحبته لرسول الله  وتشرب المنهج الرباني، فعرف المولى عز وجل من خلاله، وطبيعة الحياة، وحقيقة الكون، وسر الوجود، وماذا بعد الموت ومفهوم القضاء والقدر، وقصة الشيطان مع آدم عليه السلام وحقيقة الصراع بن الحق والباطل، والهدى والظلال، والايمان والكفر، وحببت إليه العبادات كقيام الليل، وذكر الله وتلاوة القرآن فسمت أخلاقه، وتطهرت نفسه وزكت روحه.
2- وفي رفقته لرسول الله  عندما كان  يدعو القبائل للاسلام استفاد الكثير، فقد عرف أن النصرة التي كان يطلبها رسول الله  لدعوته من زعماء القبائل أن يكون أهل النصرة غير مرتبطين بمعاهدات دولية تتناقض مع الدعوة ولا يستطيعون التحرر منها، وذلك لأن احتضانهم للدعوة والحالة هذه يُعرضها لخطر القضاء عليها من قبل الدول التي بينهم وبينها تلك المعاهدات، والتي تجد في الدعوة الاسلامية خطراً عليها وتهديداً لمصالحها( ).
ان الحماية المشروطة أو الجزئية لاتحقق الهدف المقصود فلن يخوض بنو شيبان حرباً ضد كسرى لو أراد القبض على رسول الله  وتسليمه، ولن يخوضوا حرباً ضد كسرى لو أراد مهاجمة رسول الله  وأتباعه، وبذلك فشلت المباحثات( ).
3- (إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه) كان هذا الرد من النبي  على المثنى بن حارثة حيث عرض على النبي حمايته على مياه العرب دون مياه الفرس، فمن يسبر أغوار السياسة البعيدة يرى بعد النظر الاسلامي النبوي الذي لايسامى( ).
4- كان موقف بني شيبان يتسم بالاريحية والخلق والرجولة وينم عن تعظيم هذا النبي، وعن وضوح في العرض، وتحديد مدى قدرة الحماية التي يملكونها وقد بينوا أن أمر الدعوة مما تكرهه الملوك، وقدّر الله لشيبان بعد عشر سنوات أو تزيد أن تحمل هي ابتداءً عبء مواجهة الملوك، بعد أن أشرق قلبها بنور الاسلام، وكان المثنى بن حارثة الشيباني صاحب حربهم وبطلهم المغوار الذي كان من ضمن قادة الفتوح في خلافة الصديق فكان وقومه من أجرأ المسلمين بعد إسلامهم على قتال الفرس، بينما كانوا في جاهليتهم يرهبون الفرس ولا يفكرون في قتالهم، بل إنهم ردوا دعوة النبي  بعد قناعتهم بها لاحتمال أن تلجئهم الى قتال الفرس، الأمر الذي لم يكونوا يفكرون به أبداً، وبهذا نعلم عظمة هذا الدين الذي رفع الله به المسلمين في الدنيا حيث جعلهم سادة الأرض مع ماينتظرون في أخراهم من النعيم الدائم في جنات النعيم( ).




المبحث الثالث
هجرته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة



اشتدت قريش في أذى المسلمين، والنيل منهم فمنهم من هاجر الى الحبشة مرة أو مرتين فراراً بدينه...ثم كانت الهجرة الى المدينة ومن المعلوم أن أبا بكر استأذن النبي  في الهجرة فقال له: (لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً)( ) فكان أبوبكر يطمع أن يكون في صحبة النبي  وهذه السيدة عائشة رضي الله عنها تحدثنا عن هجرة رسول الله  وأبيها  حيث قالت: (كان لايخطئ رسول الله  أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله  في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله  بالهاجرة( )، في ساعة كان لايأتي فيها قالت: فلما رآه أبوبكر، قال: ماجاء رسول الله  هذه الساعة إلا لأمر حدث. قالت: فلما دخل، تأخر له أبوبكر عن سريره فجلس رسول الله ، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله  أخرج عني من عندك. فقال: يارسول الله، إنما هما إبنتاي، وماذاك فداك أبي وأمي! فقال: إنه قد أذن بي في الخروج والهجرة. قالت: فقال أبوبكر: الصحبة يارسول الله؟ قال: الصحبة. قالت: فوالله ماشعرت قط قبل ذلك اليوم أحد يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، ثم قال: يانبي الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا فاستأجرا عبدالله بن أرقط رجلاً من بني الديل بن بكر، وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو، وكان مشركاً -يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما( ).
وجاء في رواية البخاري عن عائشة في حديث طويل تفاصيل مهمة وفي ذلك الحديث : (......قالت عائشة: فبينما نحن يوماً جلوساً في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله  متقنعاً( )، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال رسول الله  لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبوبكر: إنما هم أهلك. فقال: فإني قد أذن لي في الخروج فقال أبوبكر: الصحبة بأبي أنت يارسول الله قال رسول الله  : نعم، قال ابوبكر: فخذ بأبي أنت يارسول الله إحد راحلتي هاتين، قال رسول الله : بالثمن، قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز، ووضعنا لهم سفرة في جراب، فقطمت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، ثم لحق رسول الله  وأبوبكر بغار في جبل ثور، فكمنا( ) فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف( )، لقن( )، فيدلج( ) من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمراً يكتادان( ) به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما حيث تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل -وهو لبن منحهما ورضيفهما( ) ينعق( ) بها عامر بن فهيرة بغلس( ) يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله  وأبوبكر رجلاً من بني الديل وهو من بني عبد ابن عدي -هادياً خريتا- والخريت الماهر- قد غمس حلفاً( ) في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل( ).
لم يعلم بخروج رسول الله  أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب، وأبوبكر الصديق، وآل أبي بكر، وجاء وقت الميعاد بين رسول الله  ابي بكر ، فخرجا من خوخة( )، لأبي بكر في ظهر بيته، وذلك للإمعان في الاستخفاء حتى لاتتبعهما قريش، وتمنعهما من تلك الرحلة المباركة، وقد اتعدا مع الليل على أن يلقاهما عبدالله بن أريقط في غار ثور بعد ثلاث ليال( )، وقد دعا النبي  عند خروجه من مكة الى المدينة( )، ووقف عند خروجه بالحزورة في سوق مكة وقال: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله الى الله، ولولا أني أخرجت منك ماخرجت)( ).
ثم أنطلق رسول الله وأبوبكر والمشركون يحاولون أن يقتفوا آثارهم حتى بلغوا الجبل -جبل ثور- اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرآوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه( )، وهذه من جنود الله عز وجل: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} (سورة المدثر، الآية:31).
وبالرغم من كل الأسباب التي اتخذها رسول الله  فإنه لم يرتكن إليها مطلقاً، وإنما كان كامل الثقة في الله، عظيم الرجاء في نصره وتأييده، دائم الدعاء بالصيغة التي علمه الله إياها( )، قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} (سورة الاسراء، الآية:80).
وفي هذه الآية الكريمة دعاء يُعلّمه الله عز وجل لنبيه  ليدعوه به، ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وكيف تتجه إليه؟ دعاء بصدق المدخل وصدق المخرج، كناية عن صدق الرحلة كلها، بدئها وختامها، أولها وآخرها ومابين الأول والآخر، وللصدق هنا قيمته بمناسبة ماحاوله المشركون من فتنته عما أنزله الله عليه ليفترى على الله غيره، وللصدق كذلك ظلاله: ظلال الثبات، والاطمئنان والنظافة الاخلاص {وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} قوة وهيبة استعلى بهما على سلطان الأرض وقوة المشركين، وكلمة {مِنْ لَدُنْك} تصور القرب والاتصال بالله والاستمداد من عونه مباشرة واللجوء الى حماه.
وصاحب الدعوة لايمكن أن يستمد السلطان إلا من الله، ولا يمكن أن يهاب إلا بسلطان الله، لايمكن أن يستظل بحاكم أو ذى جاه فينصره ويمتعه مالم يكن أتجاهه قبل ذلك الى الله والدعوة قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه، فيصبحون لها جنداً وخدماً فيفلحون، ولكنها هي لاتفلح إن كانت من جند السلطان وخدمه، فهي من أمر الله، وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه( ).
وعندما أحاط المشركون بالغار، أصبح منهم رأي العين طمأن الرسول  الصديق بمعية الله لهما: فعن ابي بكر الصديق  قال: قلت للنبي  وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال: ماظنك ياأبابكر باثنين الله ثالثهما( )؟
وسجل الحق عز وجل ذلك في قوله تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة، الآية:40).
وبعد ثلاث ليال من دخول النبي  في الغار خرج رسول الله  وصاحبه من الغار، وقد هدأ الطلب، ويئس المشركون من الوصول الى رسول الله، وقد قلنا أن رسول الله  وأبا بكر قد استأجرا رجلاً من بني الديل يسمى عبدالله بن أريقط وكان مشركاً وقد أمِناهُ فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما وقد جاءها فعلاً في الموعد المحدد وسلك بهما طريقاً غير معهودة ليخفي أمرهما عمن يلحق بهم من كفار قريش( )، وفي أثناء الطريق الى المدينة مرّ النبي  بأم معبد( )، في قديد( )، حيث مساكن خزاعة، وهي أخت حبيش بن خالد الخزاعي الذي روى قصتها، وهي قصة تناقلها الرواة وأصحاب السير، وقال عنها ابن كثر: (وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضاً)( ).
وقد أعلنت قريش في نوادي مكة بأنه من يأتي بالنبي  حياً أو ميتاً فله مائة ناقة وانتشر هذا الخبر عند قبائل العرب الذين في ضواحي مكة وطمع سراقة بن مالك بن جعشم في نيل الكسب الذي أعدته قريش لمن يأتي برسول الله  فأجهد نفسه لينال ذلك، ولكن الله بقدرته التي لايغلبها غالب، جعله يرجع مدافعاً عن رسول الله  بعد أن كان جاهداً عليه( ).
ولما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله  من مكة، كانوا يفدون كل غداة الى الحرة، فينتظرون حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعد ماأطالوا انتظارهم فلما أووا الى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم( ) من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر رسول الله ، وأصحابه مبيضين( )، يزول بهم السراب( )، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته، يامعشر العرب هذا جدكم( )، الذي تنتظرون، فثار المسلمون الى السلاح فتلقوا رسول الله  بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عوف، وذلك يوم الخميس الأثنين( ) من شهر ربيع الأول( )، فقام أبابكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله  عند ذلك( ).
كان يوم وصول الرسول  وأبي بكر الى المدينة يوم فرح وابتهاج لم تر المدينة يوماً مثله، ولبس الناس أحسن ملابسهم كأنهم في يوم عيد، ولقد كان حقاً يوم عيد، لأنه اليوم الذي انتقل فيه الاسلام من ذلك الحيز الضيق في مكة الى رحابة الانطلاق والانتشار بهذه البقعة المباركة المدينة، ومنها الى سائر بقائع الأرض لقد أحس أهل المدينة بالفضل الذي حباهم الله به، وبالشرف الذي اختصهم الله به، فقد صارت بلدتهم موطناً لإيواء رسول الله وصحابته المهاجرين ثم لنصرة الاسلام كما أصبحت موطناً للنظام الاسلامي العام التفصيلي بكل مقوماته ولذلك خرج أهل المدينة يهللون في فرح وابتهاج ويقولون يارسول الله يامحمد يارسول الله( )، وبعد هذا الاستقبال الجماهيري العظيم الذي لم يرد مثله في تاريخ الانسانية سار رسول الله  حتى نزل في دار أبي أيوب الانصاري ( )، ونزل الصديق على خارجة بن زيد الخزرجي الأنصاري.
وبدأت رحلة المتاعب والمصاعب والتحديات، فتغلب عليها رسول الله  للوصول للمستقبل الباهر للأمة والدولة الاسلامية التي استطاعت أن تصنع حضارة إنسانية رائعة على أسس من الإيمان والتقوى والإحسان والعدل بعد أن تغلبت على اقوى دولتين كانتا تحكمان في العالم، وهما الفرس والروم( )، وكان الصديق  الساعد الأيمن لرسول الله  منذ بزوغ الدعوة حتى وفاته ، وكان ابوبكر  ينهل بصمت وعمق من ينابيع النبوة: حكمة وإيماناً، يقيناً وعزيمة، تقوى وإخلاصاً، فإذا هذه الصحبة تثمر: صلاحاً وصدِّيقية، ذكراً ويقظة، حُباً وصفاء، عزيمة وتصميماً، إخلاصاً وفهماً، فوقف مواقفه المشهودة بعد وفاة رسول الله ، في سقيفة بني ساعدة وغيرها من المواقف وبعث جيش أسامة وحروب الردة، فأصلح مافسد، وبنى ماهُدم، وجمع ماتفرق، وقوّم ماانحرف( )، إن حداثة هجرة الصديق مع رسول الله فيها دروس وعبر وفوائد منها:
أولاً: قال تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة، الآية40).
ففي هذه الآية الكريمة دلالة على أفضلية الصديق من سبعة أوجه ففي الآية الكريمة من فضائل أبي بكر :
1- أن الكفار أخرجوه:
الكفار أخرجوا الرسول (ثاني أثنين) فلزم أن يكونوا أخرجوهما، وهذا هو الواقع.
2- أنه صاحبه الوحيد:
الذي كان معه حين نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا هو أبوبكر، وكان ثاني أثنين الله ثالثهما. قوله {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} ففي المواضع التي لايكون مع النبي  من أكابر الصحابة إلا و احد يكون هو ذلك الواحد مثل سفره في الهجرة ومقامه يوم بدر في العريش لم يكن معه فيه إلا أبوبكر، ومثل خروجه الى قبائل العرب يدعوهم الى الاسلام كان يكون معه من أكابر الصحابة أبوبكر، وهذا اختصاص في الصحبة لم يكن لغيره باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي .
3- أنه صاحبه في الغار:
الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أنس، عن أبي بكر الصديق ، قال: نظرت الى أقدام المشركين على رؤسنا ونحن في الغار، فقلت: يارسول الله لو أن أحدهم نظر الى قدميه لأبصرنا. فقال: ياأبابكر ماظنك باثنين الله ثالثهما( ). وهذا الحديث مع كونه مما اتفق أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول فلم يختلف في ذلك اثنان منهم فهو مما دل القرآن على معناه( ).
4- أنه صاحبه المطلق:
قوله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} لايختص بمصحابته في الغار، بل هو صاحبه المطلق الذي عمل في الصحبة كما لم يشركه فيه غيره -فصار مختصاً بالأكملية من الصحبة، وهذا مما لانزاع فيه بين أهل العلم باحوال النبي  ولهذا قال من قال من العلماء: إن فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره( ).
5- أنه المشفق عليه:
قوله {لا تَحْزَنْ} يدل على أن صاحبه كان مشفقاً عليه محباً له ناصراً له حيث حزن، وإنما بحزن الإنسان حال الخوف على من يحبه، وكان حزنه على النبي  لئلا يقتل ويذهب الاسلام، ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة كان يمشي امامه تارة، ووراءه تارة، فسأله النبي  عن ذلك، فقال: أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك( )، وفي رواية أحمد في كتاب فضائل الصحابة: ...فجعل أبوبكر يمشي خلفه ويمشي أمامه فقال له النبي  مالك؟ قال: يارسول الله أخاف أن تؤتى من أمامك فأتقدم، قال: فلما انتهينا الى الغار قال أبوبكر: يارسول الله كما أنت حتى أيمه...فلما رأى أبوبكر حجراً في الغار فألقمها قدمه، وقال يارسول الله إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي( ). فلم يكن يرضى بمساواة النبي؛ بل كان لايرضى بأن يقتل رسول الله  وهو يعيش؛ بل كان يختار أن يفديه بنفسه وأهله وماله. وهذا واجب على كل مؤمن، والصديق أقوم المؤمنين بذلك( ).
6- المشارك له في معية الاختصاص:
قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} صريح في مشاركة الصديق للنبي  في هذه المعية التي اختص بها الصديق لم يشركه فيها أحد من الخلق... وهي تدل على أنه معهم بالنصر والتأييد والإعانة على عدوهم - فيكون النبي  قد أخبر أن الله ينصرني وينصرك ياأبابكر، ويعيننا عليهم، نصر إكرام ومحبة كما قال الله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} (سورة غافر، الآية 51). وهذا غاية المدح لأبي بكر؛ إذ دل على أنه ممن شهد له الرسول بالايمان المقتضي نصر الله له مع رسوله في مثل هذه الحال التي يخذل فيها عامة الخلق إلا من نصره الله( ).
وقال الدكتور عبدالكريم زيدان عن المعية في هذه الآية الكريمة وهذه المعية الربانية المستفادة من قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} أعلى من معيته للمتقين والمحسنين في قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} لأن المعية هنا لذات الرسول وذات صاحبه، غير مقيدة بوصف هو عمل لهما، كوصف التقوى والإحسان بل هي خاصة برسوله وصاحبه مكفولة هذه المعية بالتأييد بالآيات وخوارق العادات( ).
7- أنه صاحبه في حال إنزال السكينة والنصر:
قال تعالى {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا...} (سورة التوبة، الآية 40) فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد فلأن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييد أولى وأحرى، فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها. وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال علم أنما حصل للرسول من إنزال السكينة والتأييد بالجنود التي لم يرها الناس لصاحبه فيها أعظم مما لسائر الناس. وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه( ).
ثانياً: فقه النبي  والصديق في التخطيط والأخذ بالأسباب:
إن من تأمل حادثة الهجرة رأى دقة التخطيط فيها ودقة الأخذ بالأسباب من ابتدائها ومن مقدماتها إلى ماجرى بعدها يدرك أن التخطيط المسدد بالوحي في حياة رسول الله  كان قائماً وأن التخطيط جزء من السنة النبوية وهو جزء من التكليف الإلهي في كل ماطولب به المسلم وأن الذين يميلون إلى العفوية بحجة أن التخطيط وإحكام الأمور ليسا من السُّنة أمثال هؤلاء مخطئون ويجنون على أنفسهم وعلى المسلمين( ).
فعندما حان وقت الهجرة للنبي  في التنفيذ نلاحظ الآتي:
أ-وجود التنظيم الدقيق للهجرة حتى نجحت رغم ماكان يكتنفها من صعاب وعقبات، وذلك أن كل أمر من أمور الهجرة كان مدروساً دراسة وافية، فمثلاً،
1-جاء  إلى بيت أبي بكر في وقت شدة الحر -الوقت الذي لايخرج فيه أحد بل من عادته لم يكن يأتي له لماذا؟ حتى لايراه أحد.
2-إخفاء شخصيته  أثناء مجيئة للصديق وجاء إلى بيت الصديق متلثماً، لأن التلثم يقلل من إمكانية التعرف على معالم الوجه المتلثم( ).
3-أمر  أبا بكر أن يخرج من عنده، ولما تكلم لم يبين إلا الأمر بالهجرة دون تحديد الإتجاه .
4-وكان الخروج ليلاً ومن باب خلفي في بيت أبي بكر( ).
5-بلغ الاحتياط مداه، باتخاذ طرق غير مألوفة للقوم، والاستعانة بذلك بخبير يعرف مسالك البادية، ومسارب الصحراء، وكان ذلك الخبير مشركاً مادام على خلق ورزانة وفيه دليل على أن الرسول  كان لايحجم عن الاستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها( )، وقد بين الشيخ عبدالكريم زيدان أن القاعدة والأصل عدم الاستعانة بغير المسلم في الأمور العامة، ولهذه القاعدة استثناء وهو جواز الاستعانة بغير المسلم بشروط معينة وهي: تحقق المصلحة أو رجحانها بهذه الاستعانة، وأن لايكون ذلك على حساب الدعوة ومعانيها، وأن يتحقق الوثوق الكافي بمن يستعان به، وأن لاتكون هذه الاستعانة مثار شبهة لأفراد المسلمين، وأن تكون هناك حاجة حقيقية لهذه الاستعانة على وجه الاستثناء، وإذا لم تتحقق لم تجز الاستعانة( )، وقد كان الصديق  قد دعا أولاده للإسلام ونجح بفضل الله في هذا الدور الكبير والخطير، وقام بتوظيف أسرته لخدمة الإسلام ونجاح هجرة رسول الله ، فوزع بين أولاده المهام الخطيرة في مجال التنفيذ العملي لخطة الهجرة المباركة:
1-دور عبدالله بن أبي بكر-رضي الله عنهما-:
فقد قام بدور صاحب المخابرات الصادق وكشف تحركات العدو، لقد ربى عبدالله على حب دينه، والعمل لنصرته ببصيرة نافذة وفطنة كاملة وذكاء متوقد، يدل على العناية الفائقة التي اتبعها سيدنا أبو بكر في تربيته وقد رسم له أبوه دوره في الهجرة فقام به خير قيام، وكان يمتثل في التنقل بين مجالس أهل مكة يستمع أخبارهم، ومايقولونه في نهارهم ثم يأتي الغار إذا أمسى فيحكي للنبي  ولأبيه الصديق  مايدور بعقول أهل مكة ومايدبرونه، وقد أتقن عبدالله هذا الواجب بطريقة رائعة فلم تأخذ واحداً من أهل مكة ريبة فيه، وكان يبيت عند الغار حارساً حتى إذا اقترب النهار عاد إلى مكة فما شعر به أحد( ).
2-دور عائشة وأسماء رضي الله عنهما:
كان لأسماء وعائشة دور عظيم أظهر فوائد التربية الصحيحة حيث قامتا عند قدوم النبي  إلى بيت أبي بكر ليلة الهجرة بتجهيز طعام للنبي  ولأبيهما: تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فجهزناهما -تقصد رسول الله  وأباها- أحسن الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فلذلك سميت ذات النطاقين( ).
3-دور أسماء في تحمل الأذى وإخفاء أسرار المسلمين:
أظهرت أسماء رضي الله عنها دور المسلمة الفاهمة لدينها، المحافظة على أسرار الدعوة المتحملة لتوابع ذلك من الأذى والتعنت فهذه أسماء تحدثنا بنفسها حيث تقول: لما خرج رسول الله  وأبو بكر  أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يابنت أبي بكر؟ قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده -وكان فاحشاً خبيثاً- فلطم خدِّي لطمة طرح منها قرطي قالت: ثم انصرفوا...)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:03 am

كما قال، ورسول الله  في نفر من أصحابه فيهم أبوبكر وعمر وعلي فأتى رسول الله  الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وخرج الى المدينة، فلما استلبت النبي  أصحابه قالوا في طلبه فرأوا رجلاً مقبلاً من المدينة فسألوه عنه فقال: رأيته داخلاً المدينة. فأقبل أصحاب النبي  حتى انتهوا إليه فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به.
فبعث النبي  محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق يحرضونهم على المقام ويعدونهم بالنصر، فقويت نفوسهم وحمى حيي بن أخطب وبعثوا الى رسول الله  أنه لايخرجون، ونابذوه بنقض العهد فعند ذلك أمر رسول الله  الناس بالخروج إليهم فحاصروهم خمس عشرة ليلة فتحصنوا في الحصون فأمر رسول الله  بقطع النخيل والتحريق، ثم أجلاهم على أن لهم ماحملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة فنزلت سورة الحشر( ).
ب-بني المصطلق:
أراد بنو المصطلق أن يغزو المدينة، فخرج لهم رسول الله في أصحابه فلما انتهى إليهم دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق، ويقال إلى عمار بن ياسر وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة. ثم أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس أن قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا، فتراموا بالنبل ثم أمر رسول الله  المسلمين فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت منهم رجل واحد، وقتل منهم عشرة وأسر سائرهم، ولم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد( ).
جـ-في الخندق وبني قريظة:
كان الصديق في الغزوتين مرافقاً للنبي ، وكان يوم الخندق يحمل التراب في ثيابه وساهم مع الصحابة للإسراع في انجاز حفر الخندق في زمن قياسي مما جعل فكرة الخندق تصيب هدفها في مواجهة المشركين( ).
رابعاً: في الحديبية:
خرج رسول الله  في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد زيارة البيت الحرام في كوكبة من الصحابة عددها أربع عشرة مائة وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائر لتعظيم بيت الله الحرام فبعث النبي  عيناً له من خزاعة فعاد بالخبر أن أهل مكة جمعوا جموعهم لصده عن الكعبة فقال: أشيروا عليَّ أيها الناس، فقال أبو بكر  يارسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لاتريد حربه أو قتل أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال امضوا على اسم الله، وقد ثارت ثائرة قريش وحلفوا أن لايدخل الرسول  مكة عنوة ثم قامت المفاوضات بين أهل مكة ورسول الله  وقد عزم النبي  على إجابة أهل مكة على طلبهم إن أرادوا شيئاً فيه صلة رحم( ).
أ-في المفاوضات:
جاءت وفود قريش لمفاوضة النبي  وكان أول من أتى بديل بن ورقاء من خزاعة فلما علم بمقصد النبي  والمسلمين رجع إلى أهل مكة ثم جاء مكرز بن حفص ثم بالحليس بن علقمة ثم عروة بن مسعود الثقفي فدار هذا الحوار بين النبي  وعروة بن مسعود الثقفي واشترك في هذا الحوار أبو بكر  وبعض أصحابه( ).
قال عروة: يامحمد أجمعت أوباش الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم؟ إنها قريش قد خرجت معها (العوذ المطافيل)- أي خرجت رجالاً ونساءً صغاراً وكباراً- قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة وايم الله لكأني بهؤلاء يقصد أصحاب النبي  قد انكشفوا عنك!!
فقال أبو بكر: أمصص بظر( ) اللات -وهي صنم ثقيف- أنحن نفرُّعنه وندعه؟( ) فقال من ذا؟ قالوا أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. وكان الصديق قد أحسن إليه قبل ذلك، فرعى حرمته ولم يجاوبه عن هذه الكلمة ولهذا قال من قال من العلماء: إن هذا يدل على جواز التصريح باسم العورة للحاجة والمصلحة، وليس من الفحش المنهي عنه( ).
لقد حاول عروة بن مسعود أن يشن حرباً نفسية على المسلمين حتى يهزمهم معنوياً، ولذلك لوح بقوة المسلمين العسكرية، معتمداً على المبالغة في تصوير الموقف بأنه سيؤول لصالح قريش لامحالة وحاول أن يوقع الفتنة والإرباك في صفوف المسلمين وذلك حينما حاول إضعاف الثقة بين القائد وجنوده عندما قال النبي  أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك، وكان رد الصديق صارماً ومؤثراً في معنويات عروة ونفسيته، فقد كان موقف الصديق في غاية العزة الإيمانية التي قال الله فيها {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران، آية:139).
ب-موقفه من الصلح:
ولما توصل المشركون مع رسول الله  إلى الصلح بقيادة سهيل بن عمرو أصغى الصديق إلى ماوافق عليه رسول الله  من طلب المشركين رغم ماقد يظهر للمرء أن في هذا الصلح بعض التجاوز أو الإجحاف بالمسلمين وسار على هدي النبي  ليقينه بأن النبي لاينطق عن الهوى، وأنه فعل ذلك لشيء أطلعه الله عليه( ).
وقد ذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله معلناً معارضته لهذه الاتفاقية وقال لرسول الله  : ألست برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه( )، وفي رواية: أنا عبدالله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني( )، قلت أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال بلى، فأخبرتك أنا نأتيه هذا العام؟ قلت لا، قال فإنك آتيه ومطوف به قال عمر: فأتيت أبا بكر فقلت له: يا أبا بكر: أليس برسول الله: قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر- ناصحاً الفاروق بأن يترك الاحتجاج والمعارضة - إلزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر به، ولن نخالف أمر الله ولن يضيّعه الله( )، وكان جواب الصديق مثل جواب رسول الله  ولم يكن أبو بكر يسمع جواب النبي ، فكان أبو بكر  أكمل موافقة لله وللنبي  من عمر مع أن عمر  مُحدِّث، ولكن مرتبة الصديق فوق مرتبة المحدث، لأن الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم كل مايقوله ويفعله( ).
وقد تحدث الصديق فيما بعد عن هذا الفتح العظيم الذي تم في الحديبية فقال: ماكان فتح أعظم في الإسلام من فتح الحديبية، ولكن الناس يومئذ قَصُرَ رأيهم عما كان بين محمد وربّه، والعباد يَعْجَلون،والله لايعجل كعجلة العباد حتى يبلغ الأمور ما أراد، لقد نظرت إلى سُهيل بن عمرو في حَجِّة الوداع قائماً عند المنحر يُقّرب إلى رسول الله  بَدَنةً، ورسول الله  ينحرها بيده، ودعا الحلاَّق فحلق رأسه، وانظر إلى سهيل يلتقط من شعره، وأراه يضعه على عينه، وأذكر إباءه أن يُقِرَّ يوم الحديبية بأن يكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم) ويأبى الله أن يكتب: محمد رسول الله  فحمدت الله الذي هداه للإسلام( ).
لقد كان الصديق  أسَدَّ الصحابة رأياً وأكملهم عقلاً( ).
خامساً: في غزوة خيبر، وسرية نجد وبني فزازة:
ضرب رسول الله  حصاراً على خيبر واستعد لقتالهم، فكان أول قائد يرسله  أبا بكر  إلى بعض حصون خيبر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح، وقد جهد، ثم بعث عمر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح، ثم قال لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، فكان علي بن أبي طالب ( )، وأشار بعض أصحاب النبي  بقطع النخيل حتى يثخن في اليهود ورضي النبي  بذلك، فأسرع المسلمون في قطعة، فذهب الصديق إلى النبي  وأشار عليه بعدم قطع النخيل لما في ذلك من الخسارة للمسلمين سواء فتحت خيبر عنوة أو صلحاً فقبل النبي  مشورة الصديق ونادى بالمسلمين بالكف عن قطع النخيل فرفعوا أيديهم( ).
ب-في نجد:
أخرج ابن سعد عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: بعث رسول الله  أبا بكر إلى نجد وأمره علينا فبيتنا ناساً من هوازن فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات، وكان شعارنا أمِتْ أمِتْ( ).
جـ-في بني فزارة:
روى الإمام أحمد من طريق إياس بن سلمة عن أبيه حدثني أبي قال: خرجنا مع أبي بكر بن أبي قحافة وأمره النبي  علينا، فغزونا بني فزازة، فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا، فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة فقتلنا على الماء من مر قبلنا قال سلمة ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه الذرية والنساء نحو الجبل فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل. قال: فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر حتى أتيته على الماء وفيهم امرأة عليها قشع من أدم ومعها ابنة لها من أحسن العرب قال فنفلني أبو بكر، فما كشفت لها ثوباً حتى قدمت المدينة ثم بت فلم أكشف لها ثوباً، قال فلقيني رسول الله  في السوق فقال لي: يا سلمة هب لي المرأة قال: فقلت والله يارسول الله لقد أعجبتني وماكشفت لها ثوباً، قال فسكت رسول الله، وتركني حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله في السوق فقال لي: ياسلمة هب لي المرأة قال: فقلت والله يارسول الله والله ماكشفت لها ثوبا وهي لك يارسول الله، قال فبعث بها رسول الله إلى أهل مكة وفي أيديهم أسارى من المسلمين ففداهم رسول الله بتلك المرأة( ).
سادساً: في عمرة القضاء وفي ذات السلاسل:
أ-في عمرة القضاء:
كان الصديق  ضمن المسلمين الذين ذهبوا مع رسول الله  ليعتمروا عمرة القضاء مكان عمرتهم التي صدهم المشركون عنها( ).
ب-في سرية ذات السلاسل:
قال رافع بن عمرو الطائي  : بعث رسول الله  عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل( )، وبعث معه في ذلك الجيش أبا بكر وعمر، رضي الله عنهما، وسَرَاة( ) أصحابه، فانطلقوا حتى نزلوا جبل طَيّ، فقال عمرو: انظروا إلى رجل دليل بالطريق، فقالوا: مانعلمه إلا رافع بن عمرو، فإنه كان رَبيلاً( ) في الجاهلية. قال رافع: فلما قضينا غَزَاتنا وانتهيت إلى المكان الذي كنا خرجنا منه، توسّمت أبا بكر ، وكانت له عباءة فدكية( )، فإذا ركب خَلَّها عليه بخلال( )، وإذا نزل بسطها فأتيته فقلت: ياصاحب الخِلال، إني توسمتك من بين أصحابك، فائتني بشيء إذا حفظته كنت مثلكم ولا تطوِّل عليّ فأنْسىَ. فقال: تحفظ أصابعك الخمس؟ قلت: نعم، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلوات الخمس وتؤتي زكاة مالك إن كان لك مال، وتحج البيت، وتصوم رمضان: هل حفظت؟ قلت نعم، قال: وأخرى لاتُؤمَّرَنَّ على اثنين قلت: وهل تكون الإمرة إلا فيكم أهل المَدَر( ). فقال: يوشك أن تفشو حتى تبلغك ومن هو دونك، إن الله عزوجل لما بعث نبيه  دخل الناس في الإسلام، فمنهم من دخل لله فهداه الله، ومنهم من أكرهه السَّيف، فكلهم عُوَّاد الله وجيران الله وخَفَارةُ( ) الله، إن الرجل إذا كان أميراً، فتظالم الناس بينهم فلم يأخذ لبعضهم من بعض انتقم الله منه، إن الرجل منكم لتؤخذ شاة جاره فيظل نَاتئ( ) عضلته غضباً لجاره والله من وراء جاره( ).
ففي هذه النصيحة دروس وعبر لإبناء المسلمين يقدمها الصحابي الجليل أبو بكر الصديق الذي تربى على الإسلام وعلى يد رسول الله  من أهمها:
1-أهمية العبادات: الصلاة لأنها عماد الدين، والزكاة والصوم والحج.
2-عدم طلب الإمارة (ولاتكونن أميراً) تماماً كما أوصى رسول الله ، أبا ذر الغفاري (وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها)( ) ولذلك فإن أبا بكر الفاهم الواعي لكلام حبيبه محمد  جاء في رواية: وأنه من يك أميراً فإنه أطول الناس حساباً، وأغلظهم عذاباً، ومن لايكن أميراً فإنه من أيسر الناس حساباً، وأهونهم عذاباً( )، فهذا فهم الصديق لمقام الإمارة.
3-إن الله حرم الظلم على نفسه، ونهى عباده أن يتظالموا، أن يظلم بعضهم بعضا، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة، كما نهى عن ظلم المؤمنين(من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)( )، وهم جيران الله، وهم عواذ الله، والله أحق أن يغضب لجيرانه( ).
4-على عهد الصدر الأول كان أمراء الأمة خيارها، وجاء وقت فشاء أمرها (الإمارة) وكثرت حتى نالها من ليس لها بأهل: إن هذه الإمارة ليسيرة، وقد أوشكت أن تفشوا حتى ينالها من ليس لها بأهل( ).
5-وفي غزوة ذات السلاسل ظهر موقف متميز للصديق في احترام الأمراء مما يثبت أن أبا بكر كان صاحب نفس تنطوي على قوة هائلة، وقدرة متميزة في بناء الرجال، وتقديرهم واحترامهم( )، فعن عبدالله بن بريدة قال: بعث رسول الله  عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو أن لاينوروا ناراً، فغضب عمر وهم أن يأتيه، فنهاه أبو بكر، وأخبره أن الرسول  لم يستعمله عليك إلا لعلمه بالحرب فهدأ عنه عمر ( ).
سابعاً: في فتح مكة وحنين والطائف:
أ-في فتح مكة 8هـ:
كان سبب الفتح بعد هدنة الحديبية ماذكره ابن اسحاق قال: حدثني الزهري عن عروة ابن الزبير عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم أنهما حدثاه جميعاً قالا: في صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة وقالوا نحن ندخل في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر وقالوا نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في ذلك نحو السبعة أو الثمانية عشر شهراً، ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلاً بماء يقال له الوتير- وهو قريب من مكة - وقالت قريش مايعلم بنا محمد، وهذا الليل ومايرانا من أحد فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح وقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله  فقدم عمرو بن سالم إلى المدينة فأنشد رسول الله  قائلاً:
اللهم إني ناشد محمداً
حلف أبينا وأبيك الأتلدا
فانصر هداك الله نصراً أعتدا
وادع عباد الله يأتوا مددا
فقال النبي : نصرت ياعمرو بن سالم( ).
وتجهز النبي  مع صحابته للخروج إلى مكة، وكتم الخبر، ودعا الله أن يعمي على قريش حتى تفاجأ بالجيش المسلم يفتح مكة وخافت قريش أن يعلم النبي  بما حدث فخرج أبو سفيان من مكة إلى رسول الله فقال: يامحمد، أشدد العقد، وزدنا في المدة، فقال النبي : ولذلك قدمت؟ هل كان من حدث قبلكم، فقال معاذ الله نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية لانغير ولانبدل، فخرج من عند النبي  يقصد مقابلة الصحابة عليهم الرضوان( ).
1-أبو بكر وأبو سفيان:
طلب أبو سفيان من أبي بكر  أن يجدد العقد ويزدهم في المدة، فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله ، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم. وهنا تظهر فطنة الصديق وحنكته السياسية ثم يظهر الإيمان القوي بالحق الذي هو عليه ويعلن أمام أبي سفيان دون خوف أنه مستعد لحرب قريش بكل مايمكن ولو وجد الذر تقاتل قريشاً لأعانها عليها( ).
2-بين عائشة وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما:
دخل الصديق  على عائشة وهي تغربل حنطة وقد أمرها النبي  بأن تخفي ذلك .. فقال لها أبو بكر: يابنية لم تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت، فقال: أيريد رسول الله أن يغزو؟ فصمتت، فقال لعله يريد بني الأصفر - أي الروم - فصمتت، فقال لعله يريد أهل نجد؟ فصمتت، فقال لعله يريد قريشاً، فصمتت، فدخل رسول الله  فقال الصديق له: يارسول الله أتريد أن تخرج مخرجاً؟ قال: نعم، لعل تريد بني الأصفر؟ قال: لا، قال: أتريد أهل نجد؟ قال: لا، قال: فلعلك تريد قريشاً؟ قال: نعم. قال أبو بكر: يارسول الله أليس بينك وبينهم مدة؟ قال: ألم يبلغك ماصنعوا ببني كعب؟
وهنا سلم أبو بكر للنبي  وجهز نفسه ليكون مع القائد  في هذه المهمة الكبرى وذهب مع رسول الله  المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد( ) .
3-الصديق في دخول مكة:
لما دخل النبي  مكة في عام الفتح وكان بجانبه أبو بكر رأى النساء يلطمن وجوه الخيل فابتسم إلى أبي بكر  وقال: يا أبا بكر كيف قال حسان؟ فأنشد أبو بكر:
عَدِمْنَا خَيلنا إن لم تروْها
تُثير النَّقعَ مَوْعِدُها كَدَاءُ
يباريْنَ الأَسِنَّة مُصغيات
على أكتَافِها الأسلُ الظّباءُ
تظلُّ جيادُنا متمطِّرات
تلطمهُنَّ بالخُمرِ النساءُ( )
فقال النبي : ادخلوها من حيث قال حسان( )، وقد تمَّت النعمة على الصديق في هذا الجو العظيم بإسلام أبيه أبي قحافة( ) .
ب-في حنين:
أخذ المسلمون يوم حنين درساً قاسياً، إذ لحقتهم هزيمة في أول المعركة جعلتهم يفرون من هول المفاجأة وكانوا كما قال الإمام الطبري: فانشمروا لايلوي أحدٌ على أحد( ) وجعل رسول الله  يقول: أين أيها الناس، هلموا إليَّ، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبدالله .. يامعشر الأنصار، أنا عبدالله ورسوله.. ثم نادى عمه العباس وكان جهوري الصوت فقال له: ياعباس ناد: يامعشر الأنصار، يا أصحاب السمرة( )، كان هذا هو حال المسلمين في أول المعركة، النبي وحده لم يثبت معه أحد إلا قلة، ولم تكن الفئة التي صبرت مع النبي إلا فئة من الصحابة يتقدمهم الصديق  ثم نصرهم الله بعد ذلك نصراً عزيزاً مؤزراً( )، وكانت هناك بعض المواقف للصديق منها:
1-فتوى الصديق بين يدي رسول الله:
قال ابو قتادة: لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله فأسرعت إلى الذي يختله فرفع ليضربني وأضرب يده فقطعتها ثم أخذني فضمني ضمّاً شديداً حتى تخوفت ثم ترك فتحلل ودفعته ثم قتلته وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ماشأن الناس؟ قال أمر الله ثم تراجع الناس إلى رسول الله، فقال رسول الله: من أقام بينة على قتيل قتله، فله سلبه، فقمت لألتمس بينة قتيلي فلم أرَ أحداً يشهد لي، فجلست ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله  فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي، فأرضه منه فقال أبو بكر: كلا لايعطيه( )، أصيبغ من قريش ويدع( ) أسداً من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ، قال: فقام رسول الله  فأدّاه إليّ فاشتريت منه خرافاً( )، فكان أول مال تأشَّلته في الإسلام( ).
إن مبادرة الصديق في الزجر والردع والفتوى واليمين على ذلك في حضرة رسول الله ، ثم يصدقه الرسول فيما قال ويحكم بقوله خصوصية شرف، لم تكن لأحد غيره( ) ونلحظ في الخبر السابق أن أبا قتادة الأنصاري  حرص على سلامة أخيه المسلم وقتل ذلك الكافر بعد جهد عظيم، كما أن موقف الصديق  فيه دلالة على حرصه على إحقاق الحق والدفاع عنه ودليل على رسوخ إيمانه وعمق يقينه وتقديره لرابطة الأخوة الإسلامية وأنها بمنزلة رفيعة بالنسبة له( ).
2-الصديق وشعر عباس بن مرداس:
حين استقل العباس بن مرداس عطاءه من غنائم حنين قال شعراً عاتب فيه رسول الله  حيث قال:
كانت نهابا تلافيتها
بكرِّي على المُهرِ في الأجْرَع
وإيقاظي القوم أن يرقدوا
إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد
بين عيينة والأقرع( )
وقد كنت في الحرب ذا تُدْراء
فلم أُعطَ شيئاً ولم أُمْنَع
إلا أفائل أعطيتها
عديد قوائمها الأربع( )
وما كان حصن ولاحابس
يفوقان شيخي في المجمع
وماكنت دون امرئ منهما
ومن تضع اليوم لايُرْفعِ( )
فقال رسول الله : اذهبوا به، فأقطعوا عني لسانه، فأعطوه حتى رَضي، فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله ( ).
وأتى العباس رسول الله ، فقال له رسول الله : أنت القائل: فأصبح نهبي ونهبُ العبيد بين الأقرع وعيينة؟ فقال ابوبكر الصديق: بين عيينة والأقرع؛ فقال رسول الله : (هما واحد)، فقال أبوبكر: أشهد أنك كما قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ} (سورة يس، الآية 69)( ).
ج- في الطائف:
في حصار الطائف وقعت جراحات في اصحاب النبي  وشهادة، ورفع رسول الله  عن أهل الطائف الحصار ورجع الى المدينة وممن استشهد من المسلمين في هذه الغزوة عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما رمي بسم فتوفي منه بالمدينة بعد وفاة النبي ( ).
وعندما قدم وفد ثقيف للمدينة ليعلنوا إسلامهم فما إن ظهر الوفد قرب المدينة حتى تنافس كل من أبي بكر والمغيرة على أن يكون هو البشير بقدوم الوفد للرسول ، وفاز الصديق بتلك البشارة( )، وبعد أن أعلنوا إسلامهم وكتب لهم رسول الله  كتابهم وأراد أن يؤمّر عليهم أشار أبوبكر بعثمان بن أبي العاص بن أبي العاص -وكان أحدثهم سناً فقال الصديق: يارسول الله إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الاسلام وتعلم القرآن( )، فقد كان عثمان بن أبي العاص كلما نام قومه بالهاجرة، عمد الى رسول الله  فساله في الدين واستقرأه القرآن حتى فقه في الدين وعلم، وكان إذا وجد رسول الله  نائماً عمد الى أبي بكر وكان يكتم ذلك عن أصحابه فأعجب ذلك رسول الله  وعجب منه وأحبه( ).
وعندما علم الصديق بصاحب السهم الذي أصاب أبنه كانت له مقوله تدل على عظمة إيمانه فعن القاسم بن محمد قال: رُمِيَ عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما بسهم يوم الطائف، فانتفضت به بعد وفاة رسول الله  بأربعين ليلة، فمات فقدم عليه وفد ثقيف ولم يزل ذلك السهم عنده، فأخرجه إليهم فقال: هل يعرف هذا السَّهمَ منكم أحد؟ فقال سعيد بن عبيد، أخو بني عجلان: هذا سهم أنا بَرِيْتُهُ ورشته( )، عقبته( )، وأنا رميت به. فقال أبوبكر : فإن هذا السهم الذي قتل عبدالله بن أبي بكر، فالحمدلله الذي أكرمه بيدك، ولم يُهِنك بيده، فإنه أوسع لكما( ).
ثامناً: في غزوة تبوك، وإمارة الحج، وفي حجة الوداع:
أ- في تبوك:
خرج رسول الله  بجيش عظيم في غزوة تبوك بلغ عدده ثلاثين ألفاً وكان يريد قتال الروم بالشام، وعندما تجمع المسلمون عند ثنية الوداع بقيادة رسول الله ، اختار الأمراء والقادة وعقد الألوية والرايات لهم، فأعطى لواءه الأعظم الى أبي بكر الصديق ( )، وفي هذه الغزوة ظهرت بعض المواقف للصديق منها:
1- موقفه من وفاة الصحابي عبدالله ذو البجادين رضي الله عنه:
قال عبدالله بن مسعود : قمت في جوف الليل وأنا مع رسول الله  في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار من ناحية العسكر، قال: فاتبعتها، أنظر إليها فإذا رسول الله  وأبوبكر وعمر، وإذا عبدالله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله في حضرته، وأبوبكر وعمر يدليانه إليه، وهو يقول: أدنيا الى أخاكما، فدلياه إليه، فلما هيأه بشقه قال: اللهم إني أمسيت راضياَ عنه فارض عنه. قال (الراوي عبدالله ابن مسعود): قال عبدالله بن مسعود: ياليتني كنت صاحب الحفرة( ).
وكان الصديق  إذا دخل الميت اللحد قال: بسم الله وعلى ملة رسول الله ، وباليقين وبالبعث بعد الموت( ).
2- طلب الصديق من رسول الله  الدعاء للمسلمين:
قال عمر بن الخطاب: خرجنا الى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستقطع حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل مابقي على كبده، فقال أبوبكر الصديق، يارسول الله إن الله قد عوّدك في الدعاء خيراً، فأدع الله، قال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، فرفع يديه فلم يردهما حتى قالت السماء -أي تهيئت لإنزال مائها- فأظلت -أي أنزلت مطراً خفيفاً- ثم سكبت فملأوا مامعهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر( ).
3- نفقة الصديق في تبوك:
حث رسول الله  الصحابة في غزوة تبوك على الإنفاق بسبب بعدها، وكثرة المشركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، فأنفق كل حسب مقدرته وكان عثمان  صاحب القدح المعلى في الإنفاق في هذه الغزوة( ).
وتصدق عمر بن الخطاب بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبابكر بذلك ونترك الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك حيث قال: أمرنا رسول الله  يوماً أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت اليوم أسبق أبابكر إن سبقته يوماً، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ، ماأبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، قال: وأتى أبوبكر  بكل ماعنده، فقال له رسول الله : ماأبقيت لأهلك؟ قال أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لاأسابقك الى شيء أبداً( ).
كان فعل عمر فيما فعله من المنافسة والغبطة مباحاً ولكن حال الصديق  أفضل منه لانه خال من المنافسة مطلقاً ولا ينظر الى غيره( ).
ب- الصديق أمير الحج سنة 9هـ:
كانت تربية المجتمع وبناء الدولة في عصر النبي  مستمرة على كافة الأصعدة والمجالات العقائدية والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية والعسكرية والتعبدية وكانت فريضة الحج لم تمارس في السنوات الماضية، وحجة عام 8هـ بعد الفتح كُلِّف بها عتّاب بن أسيد، ولم تكن قد تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين( )، فلما حل موسم الحج أراد الحج  ولكنه قال: (إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت، فلا أحب أن أ حج حتى لايكون ذلك) فأرسل النبي  الصديق أميراً على الحج سنة تسعة هجرية، فخرج أبوبكر الصديق بركب الحجيج نزلت سورة براءة فدعا النبي  علياً  وأمره أن يلحق بأبي بكر الصديق، فخرج على ناقة رسول الله : العضباء حتى أدرك الصديق ابابكر بذي حليفة، فلما رآه الصديق قال له: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم سار، فأقام أبوبكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة لا في شهر ذي القعدة كما قيل، وقد خطب الصديق قبل التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم النفر الأول فكان يعرّف الناس مناسكهم: في وقوفهم وإفاضتهم، ونحرهم، ونفرهم، ورميهم للجمرات..الخ وعلي بن أبي طالب يخلفه في كل موقف من هذه المواقف فيقرأ على الناس صدر سورة براءة ثم ينادي في الناس بهذه الأمور الأربعة: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولايطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده الى مدته، ولايحج بعد العام مشرك( ).
وقد أمر الصديق ابا هريرة في رهط آخر من الصحابة لمساعدة علي بن أبي طالب في إنجاز مهمته( ).
وقد كلف النبي  علياً بإعلان نقض العهود على مسامع المشركين في موسم الحج مراعاة لما تعارف عليه العرب فيما بينهم من عقد العهود ونقضها أن لايتولى ذلك إلا سيد القبيلة أو رجل من رهطه، وهذا العرف ليس فيه منافاة للاسلام فلذلك تدارك النبي  الأمر وأرسل علياً بذلك فهذا هو السبب في تكليف علياً  بتبليغ صدر سورة براءة لا مازعمته الرافضة من أن ذلك للإشارة الى أن علياً  أحق بالخلافة من أبي بكر وقد علق على ذلك الدكتور محمد ابو شهبة فقال: ولا أدري كيف غفلوا عن قول الصديق له: أمير أم مأمور( )؟ وكيف يكون المأمور أحق بالخلافة من الأمير( ).
وقد كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى وهي حجة الوداع( )، لقد أعلن في حجة أبي بكر أن عهد الأصنام قد انقضى، وأن مرحلة جديدة قد بدأت، وماعلى الناس إلا أن يستجيبوا لشرع الله تعالى، فبعد هذا الإعلان الذي انتشر بين قبائل العرب في الجزيرة، ايقنت تلك القبائل أن الأمر جد، وأن عهد الوثنية قد انقضى فعلاً فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلامها ودخولها في التوحيد( ).
ج- في حجة الوداع:
روى الامام أحمد  بسنده الى عبدالله بن الزبير عن أبيه أن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله  حجاجاً حتى أدركنا (العرج)( ) نزل رسول الله ، فجلست عائشة جنب النبي ، وزمالة أبي بكر واحدة مع غلام لأبي بكر فجلس أبوبكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع وليس معه بعيره!! فقال: أين بعيرك؟ فقال: أظللته البارحة! فقال أبوبكر: بعير واحد تضله!! فطفق يضربه ورسول الله يبتسم ويقول: انظروا الى هذا المحرم ومايصنع( ).








المبحث الخامس
الصديق في المجتمع المدني وبعض صفاته وشيء من فضائله



كانت حياة الصديق في المجتمع المدني مليئة بالدروس والعبر وتركت لنا نموذجاً حياً لفهم الاسلام وتطبيقه في دنيا الناس وقد تميزت شخصية الصديق بصفات عظيمة ومدحه رسول الله في أحاديث كثيرة وبين فضله وتقدمه على كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمين.
أولاً: من مواقفه في المجتع المدني:
1- موقفه من فنحاص الحبر اليهودي:
ذكر غير واحد من كتّاب السيّر والمفسرين أن أبابكر  دخل بيت المدارس( )، على يهود، فوجد منهم ناساً قد اجتمعوا الى رجل منهم، يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر من أحبارهم، يقال له أشيع( )، فقال أبوبكر لفنحاص: ويحك! اتق الله وأسلم، فوالله إنك تعلم أن محمداً لرسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والانجيل، فقال فنحاص لأبي بكر: ولله ياأبابكر، مابنا الى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، ومانتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء وماهو عنا بغني، ولو كان عنا غنياً ماستقرضنا أموالنا، كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنياً ماأعطانا الربا فغضب أبوبكر، فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت رأسك، أي عدو الله، فذهب فنحاص الى رسول الله ، فقال: يامحمد انظر ماصنع بي صاحبك. فقال رسول الله  لأبي بكر: ماحملك على ماصنعت؟ فقال أبوبكر: يارسول الله، إن عدو الله قال قولاً عظيماً، إنه يزعم أن الله فقير وأنهم أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، وضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص وقال: ماقلت ذلك، فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص رداً عليه، وتصديقاً لأبي بكر: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} (سورة آل عمران، الآية: 181).
ونزل في ابي بكر الصديق ، ومابلغه في ذلك من الغضب( ) قوله تعالى {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (سورة آل عمران، الآية:186).
2- حفظ سر النبي :
قال عمر بن الخطاب: تأيمت حفصة من خنيس بن حذافة، وكان مما شهد بدراً، فلقيت عثمان بن عفان فقلت: إن شئت انكحتك حفصة، فقال: أنظر ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، فلقيت أبابكر فعرضتها عليه فصمت فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله  فأنكحتها إياه، ثم لقيني أبوبكر فقال: لعلك وجدت عليّ حين لم أرجع إليك، فقلت: أجل فقال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أني علمت أن رسول الله  قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله  ولو تركها لنكحتها( ).
3- الصديق وآية صلاة الجمعة:
قال جابر بن عبدالله بينما النبي  يخطب يوم الجمعة، وقدمت عيُر المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله  حتى لم يبق معه  إلا اثنا عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (سورة الجمعة، الآية 11) وقال: في الاثنىعشر الذين ثبتوا مع رسول الله  أبوبكر وعمر( ).
4- رسول الله  ينفي الخيلاء عن أبي بكر:
قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله : (من جر ثوبه خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)، فقال أبوبكر: إن أحد شِقيَّ يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه. فقال رسول الله : (إنك لست تصنع ذلك خُيلاء)( ).
5- الصديق وتحريه للحلال:
عن قيس بن أبي حازم قال: كان لأبي بكر غلام فكان إذا جاء بغلتَّه لم يأكل من غلته حتى يسأل، فإن كان شيئاً مما يحب أكل، وإن كان شيئاً يكره لم يأكل، قال: فنسي ليلة فأكل ولم يسأله، ثم سأله فأخبره أنه من شيء كرهه، فأدخل يده فتقيأ حتى لم يترك شيئاً( ).
فهذا مثال على ورع أبي بكر  حيث كان يتحرى الحلال في مطعمه ومشربه، ويتجنب الشبهات، وهذه الخصلة تدل على بلوغه درجات عُليا في التقوى، ولا يَخفَى أهمية طيب المطعم والمشرب والملبس في الدين، وعلاقة ذلك بإجابة الدعاء( )، كما في حديث الأشعث الأغبر وفيه: (يمد يديه الى السماء: يارب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك)( ).
6- أدخلاني في السلم، كما أدخلتماني في الحرب:
دخل أبوبكر الصديق  على النبي  فسمع صوت ابنته عائشة عالياً فلما اقترب منها تناولها ليلطمها وقال: اراك ترفعين صوتك على رسول الله، فجعل رسول الله بحجزه، وخرج أبوبكر مغضباً فقال النبي  لعائشة حين خرج أبوبكر: أرايت كيف أنقذتك من الرجل؟ فمكث أبوبكر أياماً، ثم أستأذن على رسول الله فوجدهما قد اصطلحا. فقال لهما: (أدخلاني في سلمكما، كما أدخلتماني في حربكما) فقال النبي : (قد فعلنا)( ).
7-أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:
دخل أبوبكر على عائشة رضي الله عنهم في أيام العيد، وعندها جاريتان من الأنصار تغنيان فقال أبوبكر : أبمزمار الشيطان في بيت رسول الله ؟ وكان رسول الله  معرضاً بوجهه عنهما، مقبلاً بوجهه الكريم الى الحائط. فقال: دعهما ياأبابكر، فإن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا أهل الاسلام( )، ففي الحديث بيان : أن هذا لم يكن من عادة النبي  وأصحابه الاجتماع عليه، ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان، والنبي  أقر الجواري عليه معللاً ذلك بأنه يوم عيد، والصغار يرخص لهم في اللعب في الأعياد، كما جاء في الحديث: ليعلم المشركون أن في ديننا فسحة( ). وكان لعائشة لُعَب تلعب بهن ويجئن صواحباتها من صغار النسوة يلعبن معها، وليس في حديث الجاريتين أن النبي  استمع الى ذلك، والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لابمجرد السماع( ). ومن هذا نفهم أنه يرخص لمن يصلح له اللعب أن يلعب في الأعياد، كالجاريتين الصغيرتين من الأنصار اللتين تغنيان في العيد في بيت عائشة( ).
8- أكرامه للضيوف:
قال عبدالرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما: أن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن رسول الله  قال مرة: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، وإن أبابكر جاء بثلاث... وإن أبابكر تعشى عند رسول الله  فجاء بعد أن مضى من الليل ماشاء الله تعالى فقالت له امرأته: ماحبسك عن أضيافك؟ أو قالت عن ضيفك، قال وماعشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، وقد عرضوا عليهم فغلبوهم قال: فذهبت أنا فاختبأت، فقال: ياعنثر( ) - فجدع وسب، وقال: كلوا هنيئاً وقال: والله لاأطعم أبداً، وحلف الضيف أن لايطعمه حتى يطعم أبوبكر، فقال أبوبكر: هذه من الشيطان، قال فدعا بالطعام فأكل، فقال: وأيم الله ماكنا نأخذ لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها، فقال حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها فإذا هي كما هي وأكثر فقال لأمرأته: ياأخت بني فراس ماهذا؟ قالت: لا وقرة عيني هي الآن لأكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات، فأكل أبوبكر وقال: إنما كان ذلك من الشيطان -يعني يمينه- ثم أكل منها لقمة ثم حملها الى رسول الله  فأصبحت عنده، وكان بيننا وبين القوم عقد فمضى الأجل فتفرقنا اثنى عشر رجلاً مع كل واحد منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل منهم فأكلوا منها أجمعين( ).
وفي هذه القصة دروس وعبر منها:
أ- حرص الصديق على تطبيق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على إكرام الضيف مثل قوله تعالى: {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ} (سورة الذاريات، الآية 27).
وقوله : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فيلكرم ضيفه)( ).
ب- وفي هذه القصة كرامة للصديق حيث جعل لايأكل لقمة إلا ربي من أسفلها أكثر منها فشبعوا، وصارت أكثر مما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبوبكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها الى رسول الله ، وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا( ) وهذه الكرامة حصلت ببركة اتباع الصديق لرسول الله  في كافة أحواله وهي تدل على مقام الولاية للصديق فأولياء الله هم المقتدون بمحمد  فيفعلون ماأمر به وينتهون عما عنه زجر، ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه، فيؤيدهم بملائكته وروح منه ويقذف الله في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياؤه المتقين( ).
ج- تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: إن أبابكر لم يحنث في يمين قط حتى أنزل الله كفارة اليمين، فقال: لا أحلف على يمين فرأيت غيرها خير منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني( )، فكان إذا حلف على شيء ورأى غيره خيراً منه كفر وأتى الذي هو خير( )، وفي هذه القصة مايدل على ذلك حيث ترك يمينه الاولى أكراماً لضيوفه وأكل معهم( ).
9- ماهي بأول بركتكم ياآل أبي بكر:
قالت عائشة رضي الله عنها: خرجنا مع رسول الله  في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش- انقطع عقد لي فأقام رسول الله  على التماسه، وأقام الناس معه، وليس على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبابكر فقالوا: ألاترى ماصنعت عائشة؟ أقامت برسول الله  وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء أبوبكر ورسول الله  واضع رأسه على فَخِذِي قد نام فقال: حِبَستٍ رسول الله  والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء قلت: فعاتبين وقال ماشاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله  على فخذي فنام رسول الله  حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم:{....فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (سورة النساء، الآية43). فقال أسيد بن حضير: ماهي بأول بركتكم ياآل أبي بكر فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته)( ).
وفي هذه القصة يظهر حرص الصديق على التأدب مع رسوله، وحساسيته الشديدة على أن يضايقه شيئاً ولا يقبل ذلك ولو كان من أقرب الناس وأحبهم الى رسول الله ، كعائشة رضي الله عنهم، فقد كان  قدوة للدعاة في الأدب الجم مع النبي  ومع نفسه ومع المسلمين( ).
10- انتصار النبي للصديق رضي الله عنه:
لقد ثبت من الأحاديث الصحيحة مايدل على أن النبي  كان ينتصر لأبي بكر وينهى الناس عن معارضته، فعن أبي الدرداء  قال: كنت جالساً مع النبي  إذ أقبل ابوبكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي : (أما صاحبكم فقد غامر)( )، فسلم، وقال: يارسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إلي ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبي علي، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك ياأبابكر ثلاثاً. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل : أثم أبوبكر؟ قالوا: لا. فأتى النبي  فسلم عليه، فجعل وجه رسول الله  يتمعر( )، حتى أشفق أبوبكر( ) فجثى على ركبتيه فقال يارسول الله: والله أنا كنت أظلم مرتين( )، فقال النبي : إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال ابوبكر: صدق، وواساني بنفسه وماله( )، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين. فما أوذي بعدها( ).
وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة منها؛ الطبيعة البشرية للصحابة ومايحدث بينهم من خلاف، وسرعة رجوع المخطئ وطلب المغفرة والصفح من أخيه، تواد الصحابة فيما بينهم، مكانة الصديق الرفيعة عند رسول الله  ثم أصحابه.......الخ.
11- قل: غفر الله لك ياأبابكر:
قال ربيعة الأسلمي : كنت أخدم النبي  ...وذكر حديثاً ثم قال: إن رسول الله  أعطاني بعد ذلك ارضاً وأعطى أبوبكر أرضاً وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة، فقلت أنا: هي في حدِّي، وقال أبوبكر، هي في حدي، فكان بيني وبين أبي بكر كلام، فقال ابوبكر كلمة كرهها وندم فقال لي: ياربيعة رد عليها مثلها حتى تكون قصاصاً، قال: قلت: لا أفعل، فقال أبوبكر: لتقولن أو لاستعدين عليك رسول الله ، فقلت: ماأنا بفاعل، قال: ورفض الأرض( )، وأنطلق أبوبكر  الى النبي ، وانطلقت أتلوه، فجاء ناس من أسلم فقالوا لي: رحم الله أبابكر، في أي شيء يستعدي عليك رسول الله  وهو قد قال لك ماقال، قلت: اتدرون من هذا؟ هذا أبوبكر الصديق، هذا ثاني أثنين، وهذا ذو شيبة المسلمين، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله  فيغضب لغضبه فيغضب الله عز وجل لغضبهما فيهلك ربيعة، قال: ماتأمرنا؟ قال: ارجعوا، قال: فانطلق أبوبكر  الى رسول الله  فتبعته وحدي حتى أتى النبي  فحدثه الحديث كما كان، فرفع إليّ رأسه فقال: ياربيعة مالك وللصديق؟ قلت: يارسول الله كان كذا كان كذا، قال لي كلمة كرهها فقال: قل لي كما قلت حتى يكون قصاصاً فابيت، فقال رسول الله : أجل فلا ترد عليه، ولكن قل: غفر الله لك ياأبابكر، فقلت: غفر الله لك ياأبابكر. قال الحسن (البصري): فولىَّ ابوبكر  وهو يبكي( ).
(لله أي وجدان هذا الوجدان، وأي نفس تلك النفس، بادرة بدرت منها لمسلم فلم ترض إلا قتصاصه منها، وصفحه عنها، تناهيا بالفضيلة، واستمسكا بالأدب وشعوراً تمكن من الجوانح، وأخذ بمجامع القلوب، فكانت عنده زلة اللسان ولو صغيرة ألما يتململ منه الضمير فلا يستريح إلا بالقصاص منه، ورضا ذلك المسلم عنه)( ).
كانت كلمة هينة، ولكنها أصابت من ربيعة مَوجعاً..فإذا أبوبكر يُزَلزلُ من أجلها، ويأبى إلا القصاص عليها، مع أنه يومئذ كان الرجل الثاني في الاسلام بعد رسول الله ، وهي كلمة لايمكن أن تكون من فُحش القول أبداً: لأن أخلاقه لم تسمع بهذا، ولم يؤثر عنه حتى في الجاهلية شيء من هذا( ).
لقد خشي الصديق مغبة تلك الكلمة، ولهذا اشتكى لرسول الله ، وهذا أمر عجيب فإن أبابكر قد نسى أرضه ونسى قضية الخلاف، وشغل باله أمر تلك الكلمة لأن حقوق العباد لابد فيها من عفو صاحب الحق( )، وفي هذا درس للشيوخ والعلماء والحكام والدعاة في كيفية معالجة الأخطاء ومراعاة حقوق الناس وعدم الدوس عليها بالأرجل.
وقد استنكر قوم ربيعة أن يذهب أبوبكر يشتكي الى رسول الله  وهو الذي قال ماقال، ولم يعلموا ماعلمه أبوبكر من لزوم إنهاء قضايا الخصومات، وإزالة ماقد يعلق في القلوب من الوجدة في الدنيا قبل أن يكتب ذلك في الصحف ويترتب عليه الحساب يوم القيامة.
وبالرغم مما ظهر من رضى ربيعة وتوجيه النبي  الى عدم الرد على أبي بكر فإن أبابكر قد بكى من خشية الله تعالى، وهذا دليل على قوة إيمانه، ورسوخ يقينه.
وأخيراً موقف يذكر لربيعة بن كعب الأسلمي ، حيث قام بإجلال أبي بكر ، وأبى أن يرد عليه بالمثل، وهذا من تقدير أهل الفضل والتقدم والمعرفة بحقهم، وهو دليل على قوة الدين ورجاحة العقل( ).
12- مسابقته في الخيرات:
اتصف الصديق  بالأخلاق الحميدة، والصفات الرفيعة ومسابقته في الخيرات حتى صار في الخير قدوة، وفي مكارم الأخلاق أسوة، وكان حريصاً أشد الحرص على الخيرات، فقد أيقن أن مايمكن أن يقوم به المرء اليوم، قد يكون غير ممكن في الغد، فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل ولذلك كان من المسارعين في الخيرات، فعن أبي هريرة  قال رسول الله : من أصبح منكم صائماً؟ قال أبوبكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبوبكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم مسكيناً؟ قال أبوبكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبوبكر: أنا.
فقال رسول الله : مااجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة( ).
13- كظمه للغيظ:
قال ابوهريرة : إن رجلاً شتم أبابكر، ورسول الله  جالس، فجعل النبي  يعجب ويبتسم، فلما أكثر الرجل، رد عليه أبوبكر بعض قوله، فغضب النبي ، وقام فلحقه أبوبكر، وقال: يارسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما أكثر رددت عليه بعض قوله، غضبت وقمت!! فقال عليه الصلاة والسلام: إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان ثم قال: ياأبابكر ثلاث كلهنّ حق: مامن عبد ظلم بمظلمة، فيغضي عنها لله عز وجل إلا أعز الله بها نصره، ومافتح رجل باب عطية، يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، ومافتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة( ).
إن الصديق  اتصف بكظم الغيظ ولكنه رد ماظن أنه به يسكت هذا الرجل، فرغبه النبي  في الحلم والإناة، وأرشده الى ضرورة تحليه بالصبر في مواطن الغيظ فإن الحلم وكظم الغيظ مما يزيد المرء ويحمله في أعين الناس، ويرفع قدره عند الله تعالى.
ويتبين لنا كذلك من هذا الموقف حرص الصديق  على عدم إغضاب النبي  والمسارعة الى إرضائه وفي الحديث ذم الغضب للنفس، والنهي عنه، والتحذير منه، واعتزال الانبياء للمجالس التي يحضرها الشيطان، وبيان الفضل للمظلوم، الصابر، المحتسب للأجر والثواب، وفيه حث على العطايا، وصلة الأرحام، وذم للمسألة وأهلها.
وظل الصديق متمسكاً بالحلم، وكظم الغيظ، حتى عُرف بالحلم والأناة، ولين الجانب، والرفق، وهذا لايعني أن أبابكر لم يكن يغضب، وإنما كان غضبه لله تعالى، فإذا رأى محارم الله قد انتهكت غضب لذلك غضباً شديداً( ).
لقد عاش رسول الله  متأملاً ومتفكراً وعاملاً بقوله تعالى {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (سورة آل عمران، الآيتين 133،134).
14- بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي:
كان أبوبكر  يَعُول مِسْطَحَ ابن أُثَاثَة، فلما قال في عائشة رضي الله عنها ماقال، في حديث الأفك المشهور - أقسم بالله أبوبكر ألا ينفعه أبداً، فلما أنزل الله عز وجل: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (سورة النور، الآية22). قال ابوبكر : والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع الى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً( ). لقد فهم الصديق من الآية بأن على المؤمن التخلق بأخلاق الله، فيعفو عن الهفوات والزلات والمزالق، فإن فعل، فالله يعفو عنه ويستر ذنوبه،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:05 am

وكما تدين تدان، والله سبحانه قال:{ أَلا تُحِبّأُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}(سورة البقرة، آية:40). وقال: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (سورة هود، آية:112). وجعل للعبد الخائف منه أجراً عظيماً فقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (سورة الرحمن، آية:46).
وعن أنس  قال: خطبنا رسول الله  خطبة ماسمعت مثلها قط فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، فغطى أصحاب رسول الله  وجوههم ولهم خنين( ).
وقد كان الصديق  على جانب من الخوف والرجاء عظيم جعله قدوة عملية لكل مسلم سواء حاكماً أو محكوماً قائداً أو جندياً، يريد النجاح والفلاح في الآخرة( )، فعن محمد بن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب لما يعلم بعد النبي  من أبي بكر. وعن قيس قال: رأيت أبا بكر آخذ بطرف لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد( )، وقد قال أبو بكر : ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا( ) وعن ميمون بن مهران قال: أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين فقلبه ثم قال: ماصيد من صيد ولاعضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح( )، وعن الحسن قال: قال أبو بكر: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد( )، وقال أبو بكر: لوددت أني كنت شعرة في جنب عبد مؤمن( )، وكان رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت من الشعر:
لاتزال تنعي حبيباً حتى تكونه
وقد يرجوا الرجا يموت دونه( )
ثانياً: من أهم صفات الصديق وشيء من فضائله:
إن شخصية الصديق  تعتبر شخصية قيادية وقد اتصف  بصفات القائد الرباني، ونجملها في أمور ونركز على بعضها بالتفصيل، فمن أهم هذه الصفات: سلامة المعتقد، والعلم الشرعي، والثقة بالله، والقدوة، والصدق، والكفاءة والشجاعة، والمروءة، والزهد، وحب التضحية، وحسن اختياره لمعاونيه والتواضع وقبول التضحية، والحلم، والصبر، وعلو الهمة والحزم والإرادة القوية، والعدل، والقدرة على حل المشكلات والقدرة على التعليم وإعداد القادة، وغير ذلك من الصفات التي ظهرت للباحث في الفترة المكية في صحبته للنبي  وفي العهد المدني في غزواته مع رسول الله وحياته في المجتمع وظهر البعض الآخر لما تسلم قيادة الدولة وأصبح خليفة رسول الله ، فقد استطاع بتوفيق الله تعالى وبسبب ما أودع الله فيه من صفات القيادة الربانية أن يحافظ على الدولة ويقمع حركة الردة، وينتقل بفضل الله وتوفيقه بالأمة نحو أهدافها المرسومة بخطوات ثابتة، ومن أهم تلك الصفات التي نحاول تسليط الأضواء عليها في هذا المبحث، إيمانه بالله العظيم، وعلمه الراسخ، وكثرة دعاؤه وتضرعه لله تعالى.
1-عظمة إيمانه بالله تعالى:
كان إيمان الصديق بالله عظيماً، فقد فهم حقيقة الإيمان وتغلغلة كلمة التوحيد في نفسه وقلبه وانعكست آثارها على جوارحه وعاش بتلك الآثار في حياته، فتحلى بالأخلاق الرفيعة، وتطهر من الأخلاق الوضيعة وحرص على التمسك بشرع الله والاقتداء بهديه  وكان إيمانه بالله تعالى باعثاً له على الحركة والهمة والنشاط والسعي، والجهد والمجاهدة، والجهاد والتربية، والاستعلاء والعزة، وكان في قلبه من اليقين والإيمان شيء عظيم لايساويه فيه أحد من الصحابة قال أبو بكر بن عياش: ماسبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولاصيام ولكن بشيء وقر في قلبه( )، ولهذا قيل: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح، كما في السنن عن أبي بكرة عن النبي  قال: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فقال رجل أنا رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ثم وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ثم وزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان -فاستاء لها رسول الله  فقال: خلافة نبوة ثم يؤتى الله الملك من يشاء( ).
وعن أبي هريرة  قال: صلى رسول الله صلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال: بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث. فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم؟ فقال: إني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر. وماهما ثم. وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة، فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب: هذا استنقذتها مني، فمن لها يوم السبع، يو لاراعي لها غيري؟ فقال الناس: سبحان الله، ذئب يتكلم؟ قال: فإني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر. وماهما ثم( ). ومن شدة إيمانه والتزامه بشرع الله تعالى وصدقه وإخلاصه للإسلام أحبه النبي ، وأصبحت تلك المحبة مقدمة عند النبي  على غيره من الصحابة، فعن عمرو بن العاص : أن النبي  بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. فقلت من الرجال؟ قال: أبوها. قلت ثم من؟ قال عمر بن الخطاب فعد رجالاً( ). وبسبب هذا الإيمان العظيم والتزامه بشرع الله القويم ولجهوده التي بذلها لنصرة دين رب العالمين استحق بشارة رسول الله بالجنة وأنه يدعى من جميع أبوابها، فعن أبي موسى الأشعري أنه توضأ في بيته ثم خرج فقلت: لألزمن رسول الله ولأكونن معه يومي هذا. قال فجاء المسجد فسأل عن النبي  فقالوا: خرج ووجه هنا، فخرجت على أثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس، فجلست عند الباب وباب من جريد حتى قضى رسول الله حاجته فتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فسلمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت: لأكونن بواب رسول الله اليوم، فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا فقال: أبو بكر. فقلت: على رسلك، ثم ذهبت فقلت: يارسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله يبشرك بالجنة. فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله  معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي  وكشف عن ساقيه...( ) وعن أبي هريرة  أن رسول الله  قال: من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة: ياعبدالله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة. فقال أبو بكر  ماعلى هذا يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر( ).
2-علمه :
كان الصديق من أعلم الناس بالله وأخوفهم له( )، وقد اتفق أهل السنة على أن أبا بكر أعلم الأمة، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد( )، وسبب تقدمه على كل الصحابة في العلم والفضل ملازمته للنبي ، فقد كان أدوم اجتماعاً به ليلاً ونهاراً، وسفراً وحضراً، وكان يسمر عند النبي  بعد العشاء، يتحدث معه في أمور المسلمين، دون غيره من أصحابه، وكان إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو بكر في الشورى، وربما تكلم غيره، وربما لم يتكلم غيره، فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه( )، وقد استعمله النبي  على أول حجة حجت من مدينة النبي  وعلم المناسك أدق مافي العبادات، ولولا سعة علمه لم يستعمله، وكذلك الصلاة استخلفه عليها ولولا علمه لم يستخلفه ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة، وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ماروى فيها( ) وعليه اعتمد الفقهاء وغيرهم في كتابة ماهو متقدم منسوخ، فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة، ولم يحفظ له قول يخالف فيه نصاً، وهذا يدل على غاية البراعة والعلم، وفي الجملة لايعرف لأبي بكر مسألة في الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيرة مسائل كثيرة( )، وكان  يقضي ويفتي بحضرة النبي  ويقره، ولم تكن هذه المرتبة لغيرة وقد بينت ذلك في سلب أبي قتادة بحنين( )، وقد ظهر فضل علمه وتقدمه على غيره بعد وفاة الرسول ، فإن الأمة لم تختلف في ولايته في مسألة إلا فصلها هو بعلم يبينه لهم وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنة، وذلك لكمال علم الصديق وعدله، ومعرفته بالأدلة التي تزيل النزاع، وكان إذا أمرهم أطاعوه. كما بين لهم موت النبي  وتثبيتهم على الإيمان ثم بين لهم موضع دفنه، وبين لهم ميراثه، وبين لهم قتال مانعي الزكاة لما استراب فيه عمر، وبين لهم أن الخلافة في قريش، وتجهيز جيش أسامة، وبين لهم أن عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة هو رسول الله ( ) وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه بإذن الله تعالى.
ولقد رأى رسول الله  له رؤيا تدل على علمه، فعن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله : رأيت كأني أعطيت عُسّاً مملوءاً لبناً، فشربت منه حتى تملأت، فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد واللحم، ففضلت منها فضلة، فأعطيتها أبا بكر. قالوا: يارسول الله، هذا علم أعطاكه الله حتى إذا تملأت منه، فضلت فضلة، فأعطيتها أبا بكر، فقال : قد أصبتم( ).
وكان الصديق  يرى أن الرؤيا حق، وكان يجيد تأويلها وكان يقول إذا أصبح(من رأى رؤيا صالحة فليحدِّثنا بها وكان يقول لأن يرى رجل مسلم مسبغ الوضوء رؤيا صالحة أحب إلى من كذا وكذا( )، ومما عبره  من الرؤى مايلي: عن ابن عباس  أن رجلاً أتى رسول الله فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلَّة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر والمستقِلُّ، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وُصِلَ، فقال أبو بكر: يارسول الله، بأبي أنت، والله لتدَعنِّي فأعبُرَها. فقال النبي : اعْبُرْ. قال: أما الظُّلَّة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن، حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن، والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيُعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ رجل آخر فيعلو به، فأخبرني يارسول الله، بأبي أنت، أصبت أم أخطأت؟ قال النبي : أصبت بعضا وأخطأت بعضا قال: فوالله لتحَدَثَنِّي بالذي أخطأت. قال: لاتُقسم( ) وعن عائشة رضي الله عنها أنها رأت كأنه وقع في بيتها ثلاثة أقمار، فقصتها على أبي بكر- وكان من أعبر الناس فقال: إن صدقت رؤياك ليُدْفَنَنَّ في بيتك من خير أهل الأرض ثلاثة. فلما قبض النبي  قال ياعائشة هذا خيرُ أقمارك( )، فقد كان الصديق  أعبر هذه الأمة بعد نبيها( ).
ومع كونه  من أعلم الصحابة إلا أنه من أبعد الناس عن التكلف، فعن ابراهيم النخعي قال: قرأ أبو بكر الصديق {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} (سورة عبس: آية31) فقيل ماالأب: فقيل كذا وكذا فقال أبو بكر: إن هذا لهو التكلف، أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله مالا أعلم( ).
3-دعاؤه وشدة تضرعه  :
إن الدعاء باب عظيم، فإذا فتح للعبد تتابعت عليه الخيرات وانهالت عليه البركات، ولذلك حرص الصديق على حسن الصلة بالله وكثرة الدعاء، كما أن الدعاء من أعظم وأقوى عوامل النصر على الأعداء قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (سورة غافر، آية:60) . وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (سورة البقرة، آية:186).
ولقد لازم الصديق رسول الله  ورأى كيف كان رسول الله يستغيث بالله ويستنصره ويطلب المدد منه وقد حرص الصديق على أن يتعلم هذه العبادة من رسول الله، وأن يكون دعاؤه وتسبيحه على الصيغة التي يأمر بها رسول الله  ويرتضيها، إذ ليس للمسلم أن يفضل على الصيغة المأثورة في الدعاء والتسبيح والصلاة على النبي صيغاً أخرى، مهما كانت في ظاهرها حسنة اللفظ، جيدة المعنى، لأن رسول الله  هو معلم الخير، والهادي إلى الصراط المستقيم، وهو أعرف بالأفضل والأكمل( )، وقد جاء في الصحيحين: أن أبا بكر الصديق  قال: يارسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولايغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم( ).
ففي هذا الدعاء وصف العبد لنفسه المقتضى حاجته إلى المغفرة، وفيه وصف ربه الذي يوجب، أنه لايقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان المقتضى للإجابة، وهو وصف الرب بالمغفرة، والرحمة، فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب( ) وجاء في السنن عن أبي بكر  قال: يارسول الله، علمني دعاء أدعو به إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال: قل: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن اقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم. قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك( ).
فقد تعلم الصديق من رسول الله  أنه ليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والإستغفار من الذنوب، بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائماً قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولالِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (سورة الأحزاب، آية:72-73) فالإنسان ظالم جاهل وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة، وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته لهم. وثبت في الصحيحين عن النبي  أنه قالSadلن يدخل الجنة أحد بعلمه) قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)( ) وهذا لاينافي قوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} (سورة الحاقة، آية:24) فإن الرسول نفيى باء المقابلة والمعادلة والقرآن أثبت باء السبب، وقول من قال: إذا أحب الله عبداً لم تضره الذنوب، معناه: أنه إذا أحب عبداً ألهمه التوبة والاستغفار فلم يصر على الذنوب، ومن ظن أن الذنوب لاتضر من أصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة، وإجماع السلف والأئمة، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره( ).
كان أبو بكر دائم الذكر لله تعالى شديد التضرع كثير التوجه لله، لاينفك عن الدعاء في كل أحيانه وقد نقل إلينا بعض أدعيته وتضرعاته ومنها:
أ-أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى، وبعد الرضى، والخيرة في جميع ماتكون إليه الخَيَرةُ، بجميع ميسور الأمور كلها، لابمعسورها ياكريم( ).
ب- وكان يقول في دعائه: اللهم إني أسألك الذي هو خير لي في عاقبة الخير،اللهم اجعل آخر ماتعطيني من الخير رضوانك والدرجات العلا من جنات النعيم( ) .
جـ-وكان يقول في دعائه: اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك( ).
د-وكان إذا سمع أحداً يمدحه من الناس يقولSadاللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم أجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي مالايعلمون، ولاتؤاخذني بما يقولون)( ).
هذه بعض أهم صفاته وشيء من فضائله مررنا عليها بالإيجاز وسوف نرى أثر التربية النبوية على الصديق بعد وفاته، وكيف قام مقاماً لم يقمه غيره بفضل الله وتوفيقه ثم تربيته العميقة وإيمانه العظيم وعلمه الراسخ وتتلمذه على يدي رسول الله  فقد أحسن الجندية وقطع مراحلها وأشواطها برفقة قائده العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام، فلما أصبح خليفة للأمة استطاع أن يقود سفينة الإسلام إلى شاطئ الأمان، رغم العواصف الشديدة، والأمواج المتلاطمة، والفتن المظلمة.








الفصل الثاني
وفاة الرسول، وسقيفة بني ساعدة، وجيش أسامة


المبحث الأول
وفاة الرسول وسقيفة بني ساعدة


أولاً: وفاة الرسول:
إن الأرواح الشفافة الصافية لتدرك بعض مايكون مخبوءاً وراء حجب الغيب بقدرة الله تعالى، والقلوب الطاهرة المطمئنة لتحدِّث صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يستقبل من الزمان، والعقول الذكية المستنيرة بنور الإيمان لتدرك ماوراء الألفاظ والأحداث من إشارات وتلميحات ولنبينا محمد  من هذه الصفات الحظ الأوفر، وهو منها بالمحل الأرفع الذي لايسامى ولا يطاول( ) ولقد جاءت بعض الآيات القرآنية مؤكدة على حقيقة بشرية النبي ، وأنه كغيره من البشر سوف يذوق الموت ويعاني سكراته كما ذاقه من قبل إخوانه من الأنبياء ولقد فهم  من بعض الآيات اقتراب أجله، وقد أشار  في طائفة من الأحاديث الصحيحة إلى اقتراب وفاته، منها ماهو صريح الدلالة على الوفاة ومنها ماليس كذلك، حيث لم يشعر ذلك منها إلا الآحاد من كبار الصحابة الأجلاء كأبي بكر والعباس ومعاذ رضي الله عنهم( ).
1-مرض رسول الله وبدء الشكوى:
رجع رسول الله  من حجة الوداع في ذي الحجة، فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفراً، من العام العاشر فبدأ بتجهيز جيش أسامة وأمرّ عليهم أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يتوجه نحو البلقاء وفلسطين، فتجهز الناس وفيهم المهاجرون والأنصار وكان أسامة بن زيد ابن ثماني عشرة سنة، وتكلم البعض في تأميره وهو مولى وصغير السن على كبار المهاجرين والأنصار فلم يقبل الرسول  طعنهم في إمارة أسامة( )، فقال : إن يطعنوا في إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان من أحبَّ الناس إليَّ وإن ابنه هذا لمن أحب الناس إلي بعده( )، وبينما الناس يستعدون للجهاد في جيش أسامة ابتدئ رسول الله  شكواه الذي قبضه فيه، وقد حدثت حوادث مابين مرضه ووفاته منها: زيارته قتلى أحد وصلاته عليهم( )، واستئذانه أن يمرض في بيت عائشة وشدة المرض الذي نزل به( )، وأوصى  بإخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفد( )، ونهى عن اتخاذ قبره مسجداً( )، وأوصى بإحسان الظن بالله( )، وأوصى بالصلاة وماملكت أيمانكم( )، وبين بأنه لم يبقى من مبشرات النبوة إلا الرؤيا( )، وأوصى بالأنصار خيراً( )، وخطب  في أيام مرضه فقال: إن الله خيّر عبداً بين الدنيا وبين ماعند الله فاختار ذلك العبد ماعند الله. فبكى أبو بكر فقال أبو سعيد الخدري : فعجبنا لبكائه أن يخبر الرسول  عن عبد خير، فكان رسول الله  هو المخيَّر وكان أبو بكر أعلمنا فقال رسول الله : إن أمَنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته، لايبقين في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب أبي بكر( ).
قال الحافظ ابن حجر: وكأن أبا بكر  فهم الرمز الذي أشار به النبي  من قرينة ذكره ذلك في مرض موته فاستشعر منه أنه أراد نفسه فلذلك بكى( ) ولما اشتد المرض بالنبي  وحضرته الصلاة فأذن بلال قال النبي  مروا أبا بكر فليصلّ، فقيل: إن أبا بكر رجل أسيف( )، إذا قام مقامك لم يستطيع أن يصلي بالناس، وأعاد فأعادوا له، فأعاد الثالثة فقال: أنكن صواحب يوسف( )، مروا أبا بكر فليصل بالناس، فخرج أبو بكر فوجد النبي  في نفسه خفَّة فخرج يهادي بين رجلين، كأني أنظر إلى رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي  أن مكانك ثم أتى به حتى جلس إلى جنبه. قيل للأعمش: فكان النبي  يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر! فقال برأسه: نعم( ). واستمر أبو بكر يصلي بالمسلمين، حتى إذا كان يوم الإثنين، وهم صفوف في صلاة الفجر، كشف النبي  ستر الحجرة، ينظر إلى المسلمين، وهم وقوف أمام ربهم، ورأى كيف أثمر غرس دعوته وجهاده، وكيف نشأت أمة تحافظ على الصلاة، وتواظب عليها بحضرة نبيها وغيبته، وقد قرت عينه بهذا المنظر البهيج، وبهذا النجاح الذي لم يقدر لنبي أو داع قبله، واطمأن أن صلة هذه الأمة بهذا الدين وعبادة الله تعالى، صلة دائمة، لاتقطعها وفاة نبيها، فملئ من السرور ماالله به عليم واستنار وجهه وهو منير( )، يقول الصحابة رضي الله عنهم: كشف النبي  ستر حجرة عائشة ينظر إلينا وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح، وظننا أن النبي  خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا أن أتموا صلاتكم، ودخل الحجرة، وأرخى الستر( )، وانصرف بعض الصحابة إلى أعمالهم، ودخل أبو بكر على ابنته عائشة وقال: ما أرى رسول الله إلا قد أقلع عنه الوجع، وهذا يوم بنت خارجة- أحدى زوجتيه - وكانت تسكن بالسُّنح( )، فركب على فرسه وذهب إلى منزله( ).
واشتدت سكرات الموت بالنبي ، ودخل عليه أسامة بن زيد وقد صمت فلا يقدر على الكلام، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة، فعرف أنه يدعو له، وأخذت السيدة عائشة رسول الله وأوسدته إلى صدرها بين سحرها( )، ونحرها، فدخل عبدالرحمن بن أبي بكر وبيده سواك، فجعل رسول الله ينظر إليه، فقالت عائشة: آخذه لك، فأشار برأسه نعم، فأخذته من أخيها ثم مضغته ولينته وناولته إياه فاستاك به كأحسن مايكون الاستياك وكل ذلك وهو لاينفك عن قوله: في الرفيق الأعلى( )، وكان  بجانبه ركوة ماء أو علبة فيها ماء، فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله .. إن للموت سكرات ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى .. حتى قبض ومالت يده( )، وفي لفظ أن النبي  كان يقول: اللهم أعني على سكرات الموت( ).
وفي رواية: أن عائشة سمعت النبي  وأصغت إليه قبل أن يموت وهو مسند الظهر يقول: اللهم اغفر لي، وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى( ).
وقد ورد أن فاطمة رضي الله عنها قالت: واكرب أباه. فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما مات قالت: يا أبتاه .. أجاب الله دعاه، يا أبتاه .. جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه .. إلى جبريل ننعاه فلما دفن  قالت لأنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب( ).
فارق رسول الله الدنيا وهو يحكم جزيرة العرب ويرهبه ملوك الدنيا، ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولادهم وأموالهم، وماترك عند موته ديناراً ولادرهماً، ولاعبداً، ولا أمة، ولاشيئاً، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضا جعلها صدقة( ) وتوفي  ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير( )، وكان ذلك يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ للهجرة بعد الزوال( )، وله ثلاث وستون سنة( )، وكان أشد الأيام سواداً ووحشة ومصاباً على المسلمين، ومحنة كبرى للبشرية، كما كان يوم ولدته أسعد يوم طلعت فيه الشمس( )، يقول أنس : كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله  المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان الذي مات فيه أظلم منها كل شيء( ) وبكت أم أيمن فقيل لها مايبكيك على النبي قالت: إني قد علمت أن رسول الله  سيموت ولكن إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا( ).
ثانياً: هول الفاجعة وموقف أبي بكر منها:
قال ابن رجب: ولما توفي رسول الله  اضطرب المسلمون، فمنهم من دُهش فخولط ومنهم من أقعد فلم يُطق القيام، ومنهم من أعتُقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية( ).
قال القرطبي مبيناً عظم هذه المصيبة وماترتب عليها من أمور: من أعظم المصائب المصيبة في الدين .. قال رسول الله : إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها أعظم المصائب( )، وصدق رسول الله ، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه( ).
وقال ابن اسحاق: ولما توفي رسول الله  عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة فيما بلغني تقول: لما توفي النبي  ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية، والنصرانية ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم( ).
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ... واضطربت الحال .. فكان موت النبي  قاصمة الظهر، ومصيبة العمر، فأما علي فاستخفى في بيت فاطمة، وأما عثمان فسكت، وأما عمر فأهجر وقال: مامات رسول الله وإنما واعده ربه كما واعد موسى، وليرجعن رسول الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم( ) ولما سمع أبو بكر الخبر أقبل على فرس من مسكنه بالسُّنح، حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلّم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمّم رسول الله  وهو مُغشّى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لايجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي عليك فقد متها( )، وخرج أبو بكر وعمر يتكلم فقال: اجلس ياعمر، وهو ماضي في كلامه، وفي ثورة غضبه، فقام أبو بكر في الناس خطيباً بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
أما بعد: فإن من كان يعبد محمد فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لايموت، ثم تلا هذه الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (سورة آل عمران، آية:144). فنشج الناس يبكون( ).
قال عمر: فوالله ما إن سمعت أبا بكر تلاها فهويت إلى الأرض ماتحملني قدماي، وعلمت أن رسول الله قد مات( ) قال القرطبي: هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته، فإن الشجاعة والجرأة حدُّهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولامصيبة أعظم من موت النبي  فظهرت شجاعته وعلمه، قال الناس: لم يمت رسول الله  منهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى علي، واضطرب الأمر، فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسُّنح( ).
وبهذه الكلمات القلائل، واستشهاد الصديق بالقرآن الكريم خرج الناس من ذهولهم وحيرتهم ورجعوا إلى الفهم الصحيح رجوعاً جميلاً، فالله هو الحي وحده الذي لايموت، وأنه وحده الذي يستحق العبادة، وأن الإسلام باق بعد موت محمد ( )، كما جاء في رواية من قول الصديق: إن دين الله قائم، وإن كلمة الله تامة وإن الله ناصر من نصره، ومعز دينه، وإن كتاب الله بين اظهرنا، وهو النور والشفاء وبه هدا الله محمد  وفيه حلال الله وحرامه، والله لانبالي من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله لمسلولة ماوضعناها بعد، ولنجاهدنَّ من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله فلا يبغين أحد إلا على نفسه( ).
كان موت محمد  مصيبة عظيمة، ابتلاءاً شديداً، ومن خلاها وبعدها ظهرت شخصية الصديق كقائد للأمة فذ لانظير له ولامثيل( )، فقد أشرق اليقين في قلبه وتجلى ذلك في رسوخ الحقائق فيه فعرف حقيقة العبودية، والنبوة، والموت، وفي ذلك الموقف العصيب ظهرت حكمته ، فانحاز بالناس إلى التوحيد (من كان يعبد الله فإن الله حي لايموت) ومازال التوحيد في قلوبهم غضاً طرياً، فما أن سمعوا تذكير الصديق لهم حتى رجعوا إلى الحق( ) تقول عائشة رضي الله عنها فوالله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر  فتلقاها منه الناس، فما يسمع بشر إلا يتلوها( ).
ثالثاً: سقيفة بني ساعدة:
لما علم الصحابة رضي الله عنهم بوفاة رسول الله  اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسه وهو يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشر للهجرة، وتداولوا الأمر بينهم في اختيار من يلي الخلافة من بعده( ).
والتف الأنصار حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة  ولما بلغ خبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين وهم مجتمعون مع أبي بكر الصديق  لترشيح من يتولى الخلافة( )، قال المهاجرون لبعضهم: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، فإن لهم في هذا الحق نصيباً( )، قال عمر : فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكر ماتمالأ عليه القوم. فقالا: أين تريدون يامعشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لاعليكم أن لاتقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينَّهم( )، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمِّلُ بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ماله؟ قالوا: يُوعَك. فلما جلسنا قليلاً تشهَّد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم -معشر المهاجرين- رهط، وقد دفت دافة من قومكم( )، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر( )، فلما سكت أردت أن أتكلم- وكنت قد زوَّرتُ مقالة أعجبتني أريد أن أقدّمها بين يدي أبي بكر- وكنت أداري منه بعض الحدِّ، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك. فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت. فقال: ماذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يُعرف هذا الأمر إلا لهذا الحيِّ من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم -فأخذ بيدي ويد أبي عُبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا- فلم أكره مما قال غيرها، والله أن أقدّم فتضرب عنقي لايُقرِّبني ذلك من إثم أحب إليَّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تُسَوِّل إليَّ نفسي عند الموت شيئاً لاأجده الآن.
فقال قائل من الأنصار: أنا جُذيلها المحكَّك، وعُذيقُها المرجَّب( )، منا أمير ومنكم أمير يامعشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار( ).
وفي رواية أحمد:... فتكلم أبو بكر  فلم يترك شيئاً أنزل في الأنصار ولاذكره رسول الله  من شأنهم إلا وذكره، وقال: ولقد علمتم أن رسول الله  قال: لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً سلكت وادي الأنصار، ولقد علمت ياسعد( ) أن رسول الله  قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر فَبَرُّ الناس تبع لبّرِّهم، وفاجر الناس تبع لفاجرهم، قال فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء( ).
رابعاً: أهم الدروس والعبر والفوائد في هذه الحادثة:
1-الصديق وتعامله مع النفوس وقدرته على الإقناع:
من رواية الإمام أحمد يتضح لنا كيف استطاع الصديق أبو بكر  أن يدخل إلى نفوس الأنصار فيقنعهم بما رآه هو الحق من غير أن يُعرِّض المسلمين للفتنة، فأثنى على الأنصار ببيان ماجاء في فضلهم من الكتاب والسنة، والثناء على المخالف منهج إسلامي يقصد منه إنصاف المخالف وامتصاص غضبه وانتزاع بواعث الأثرة والأنانية في نفسه ليكون مهيّأ لقبول الحق إذا تبين له، وقد كان في هدي النبي  الكثير من الأمثلة التي تدل على ذلك ثم توصل أبو بكر من ذلك إلى أن فضلهم وإن كان كبيراً لايعني أحقيتهم في الخلافة لأن النبي  قد نص على أن المهاجرين من قريش هم المقدِّمون في هذا الأمر( )، وقد ذكر ابن العربي المالكي أن أبا بكر استدل على أن أمر الخلافة في قريش بوصية رسول الله  بالأنصار خيراً، وأن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزا عن مسيئهم، احتج به أبو بكر على الأنصار قوله: إن الله سمانا (الصادقين) وسمّاكم (المفلحين) إشارة إلى قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَوَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (سورة الحشر، آية:8-9). وقد أمركم أن تكونوا معنا حيثما كنا فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (سورة التوبة، آية:119). إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة والأدلة القوية. فتذكرت الأنصار ذلك وانقادت إليه( )، وبين الصديق في خطابه أن من مؤهلات القوم الذين يرشحون للخلافة أن يكونوا ممن يدين لهم العرب بالسيادة وتستقر بهم الأمور، حتى لاتحدث الفتن فيما إذا تولى غيرهم، وأبان أن العرب لايعترفون بالسيادة إلا للمسلمين من قريش لكون النبي  منهم ولما استقر في اذهان العرب من تعظيمهم واحترامهم.
وبهذه الكلمات النيرة التي قالها الصديق اقتنع الأنصار بأن يكونوا وزراء مُعينين وجنوداً مخلصين كما كانوا في عهد النبي  وبذلك توحد صف المسلمين( ).
2-زهد عمر وأبي بكر رضي الله عنهما في الخلافة وحرص الجميع على وحدة الأمة:
بعد أن تمّ أبو بكر حديثه في السقيفة قدّم عمر وأبا عبيدة للخلافة، ولكن عمر كره ذلك وقال فيما بعد: فلم أكره مما قال غيرها. كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لايقرِّبني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر( ).
وبهذه القناعة من عمر بأحقية أبي بكر بالخلافة قال له: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، قال: فبايعته وبايعه المهاجرون والأنصار وجاء في رواية قال عمر: .. يامعشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله قد أمر أبا بكر أن يؤمَّ الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر  فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر( ).
وهذا ملحظ مهم وُفِّق إليه عمر ، وقد اهتم بذلك النبي  في مرض موته فأصرّ على إمامة أبي بكر، وهو من باب الإثارة بأنه أحق من غيره بالخلافة وكلام عمر في غاية الأدب والتواضع والتجرد من حظ النفس، ولقد ظهر زهد أبي بكر في الإمارة في خطبته التي اعتذر فيها من قبول الخلافة حيث قال: والله ماكنت حريصاً على الإمارة يوما ولاليلة قط ولاكنت فيها راغباً ولاسألتها الله عزوجل في سرّ وعلانية، ولكني أشفقت من الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة ولكن قلدت أمراً عظيماً مالي به من طاقة ولايد إلا بتقوية الله عزوجل، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني( ).
وقد ثبت أنه قال: وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين، أبي عبيدة أو عمر فكان أمير المؤمنين وكنت وزيراً( )، وقد تكررت خطب أبي بكر في الاعتذار عن تولي الخلافة وطلبه بالتنحي عنها. فقد قال: ... أيها الناس هذا أمركم إليكم تولوا من أحببتم على ذلك وأكون كأحدكم فأجابه الناس رضينا بك قسماً وحظاً وأنت ثاني اثنين مع رسول الله ( )، وقد قام باستبراء نفوس المسلمين من أي معارضة لخلافته واستحلفهم على ذلك فقال: أيها الناس أذكر الله أيما رجل ندم على بيعتي لما قام على رجليه، فقال علي بن أبي طالب، ومعه السيف، فدنا منه حتى وضع رِجلاً على عتبة المنبر والأخرى على الحصى وقال: والله لانقيلك ولانستقيلك قدّمك رسول الله فمن ذا يؤخرك( )، ولم يكن أبو بكر وحده الزاهد في أمر الخلافة والمسؤولية بل إنها روح العصر. ومن هذه النصوص التي تمّ ذكرها يمكن القول: إن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة لايخرج عن هذا الاتجاه، بل يؤكد حرص الأنصار على مستقبل الدعوة الإسلامية واستعدادهم المستمر للتضحية في سبيلها، فما اطمأنوا على ذلك حتى استجابوا سراعاً لبيعة أبي بكر الذي قبل البيعة لهذه الأسباب، وإلا فإن نظرة الصحابة مخالفة لرؤية الكثير مما جاء بعدهم ممن خالفوا المنهج العلمي، والدراسة الموضوعية، بل كانت دراستهم متناقضة مع روح ذلك العصر، وآمال وتطلعات أصحاب رسول الله من الأنصار وغيرهم، وإذا كان اجتماع السقيفة أدى إلى انشقاق بين المهاجرين والأنصار كما زعمه بعضهم( )، فكيف قبل الأنصار بتلك النتيجة وهم أهل الديار وأهل العدد والعدة؟ وكيف انقادوا لخلافة أبي بكر ونفروا في جيوش الخلافة شرقاً وغرباً مجاهدين لتثبيت أركانها؟ لو لم يكونوا متحمسين لنصرتها( ).
فالصواب اتضح من حرص الأنصار على تنفيذ سياسة الخلافة والاندفاع لمواجهة المرتدين، وأنه لم يتخلف أحد من الأنصار عن بيعة أبي بكر فضلاً عن غيرهم من المسلمين وأن أخوة المهاجرين والأنصار أكبر من تخيلات الذين سطروا الخلاف بينهم في رواياتهم( ) المغرضة.
3-سعد بن عبادة  وموقفه من خلافة الصديق:
إن سعد بن عبادة  قد بايع أبا بكر  بالخلافة في أعقاب النقاش الذي دار في سقيفة بني ساعدة إذ أنه نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالخلافة، وكان ابن عمه بشير بن سعد الأنصاري أول من بايع الصديق رضي الله عنهم في اجتماع السقيفة ولم يثبت النقل الصحيح أية أزمات، لابسيطة ولاخطيرة ولم يثبت أي انقسام أو فرق لكل منها مرشح يطمع في الخلافة كما زعم بعض كتاب التاريخ، ولكن الأخوة الإسلامية ظلت كما هي، بل ازدادت توثقاً كما يثبت ذلك النقل الصحيح، ولم يثبت النقل الصحيح تآمراً حدث بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة لاحتكار الحكم بعد وفاة رسول الله ( ). فهم كانوا أخشى لله وأتقى من أن يفعلوا ذلك.
وقد حاول بعض الكتّاب من المؤرخين أصحاب الأهواء أن يجعلوا من سعد بن عبادة  منافساً للمهاجرين يسعى للخلافة بشره، ويدبر لها المؤامرات، ويستعمل في الوصول إليها كل أساليب التفرقة بين المسلمين. هذا الرجل- إذا راجعنا تاريخه وتتبعنا مسلكه، وجدنا مواقفه مع الرسول  تجعله من الصفوة الأخيار، الذين لم تكن الدنيا أكبر همهم، ولامبلغ علمهم، فهو النقيب في بيعة العقبة الثانية حتى لجأت قريش إلى تعقبه قرب مكة وربطوا يديه إلى عنقه وأدخلوه مكة أسير حتى أنقذه منهم جبير بن مطعم بن عدي حيث كان يجيرهم في المدينة وهو من الذين شهدوا بدراً( ) وحظى بمقام أهل بدر ومنزلتهم عند الله، وكان من بيت جود وكرم وشهد له ذلك رسول الله  وكان رسول الله  يعتمد عليه -بعد الله- وعلى سعد بن معاذ كما في غزوة الخندق عندما استشارهم في إعطاء ثلث ثمار المدينة لعيينة بن حصن الفزاري، فكان رد السعدين يدل على عمق الإيمان وكمال التضحية( )، فمواقف سعد مشهورة ومعلومة، فهذا الصحابي الجليل صاحب الماضي المجيد في خدمة الإسلام والصحبة الصادقة لرسول الله لايعقل ولم يثبت أنه كان يريد أن يحي العصبية الجاهلية في مؤتمر السقيفة لكي يحصل في غمار هذه الفرقة على منصب الخلافة، كما أنه لم يثبت ولم يصح ماورد في بعض المراجع من أنه -بعد بيعة أبي بكر- كان لايصلي بصلاتهم ولايفيض في الحج بإفاضتهم( ) كأنما انفصل سعد بن عبادة  عن جماعة المسلمين( )، فهذا باطل ومحض افتراء، فقد ثبت من خلال الروايات الصحيحة أن سعداً بايع أبا بكر، فعندما تكلم أبو بكر يوم السقيفة، فذكر فضل الأنصار وقال: ولقد علمتم أن رسول الله قال: لو سلك الناس وادياً، وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار( ) ثم ذكرّ سعد بن عبادة بقول فصل وحجة لاترد فقال: ولقد علمت ياسعد أن رسول الله  قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم قال سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء( )، فتتابع القوم على البيعة وبايع سعد( )، وبهذا تثبت بيعة سعد بن عبادة، وبها يتحقق إجماع الأنصار على بيعة الخليفة أبي بكر، ولايعود أي معنى للترويج لرواية باطلة، بل سيكون ذلك مناقضاً للواقع واتهاماً خطيراً، أن ينسب لسيد الأنصار العمل على شق عصا المسلمين، والتنكر لكل ماقدمه من نصرة وجهاد وإيثار للمهاجرين، والطعن بإسلامه من خلال ماينسب إليه من قول: لا أبايعكم حتى أرميكم بما في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي، فكان لايصلي بصلاتهم ولايجمع بجماعتهم ولايقضي بفضائهم ولايفيض بإفاضتهم( ) أي في الحج.
إن هذه الرواية التي استغلت للطعن بوحدة المهاجرين والأنصار وصدق أخوتهم ماهي إلا رواية باطلة للأسباب التالية:
أن الراوي صاحب هوى وهو (إخباري تالف لايوثق به)( ) ولاسيما في المسائل الخلافية.
قال الذهبي عن هذه الرواية واسنادها كما ترى( )، أي في غاية الضعف أما متنها فهو يناقض سيرة سعد بن عبادة: ومافي عنقه من بيعة على السمع والطاعة، ولما روي عنه من فضائل( ).
4-مايروى من خلاف بين عمر والحباب بن المنذر:
أما مايروى عن تنازع في السقيفة بين عمر وبين الحباب بن المنذر السلمي الأنصاري، فالراجح أنه غير صحيح، وأن عمر لم يُغضب الحباب بن المنذر منذ عهد رسول الله ، فقد روى عن عمر قال: فلما كان الحباب بن المنذر هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام، لأنه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله فنهاني عنه فحلفت أن لاأكلمه كلمة تسؤوه أبداً( ).
كما أن مايروى عن الحباب في هذه المنازعة مخالف لما عُهد عنه من حكمة، ومن حسن تأتيه للأمور، إذ كان يلقب (بذي الرأي)( ) في عهد رسول الله وذلك لقبول مشورته في بدر وخيبر( )، وأما قول الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، فقد سوغ ذلك وأوضح أنه لايقصد بذلك الوصول إلى الإمارة، فقال: فإنا والله ماننفس عليكم هذا الأمر ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوانهم( )، فقبل المهاجرون قوله وأقروا عذره ولاسيما أنهم شركاء في دماء من قتل من المشركين( ).
5-حديث الأئمة من قريش وموقف الأنصار منه:
ورد حديث الأئمة من قريش في الصحيحين، وكتب الحديث الأخرى، بألفاظ متعددة، ففي صحيح البخاري عن معاوية قال: قال رسول الله : إن هذا الأمر في قريش لايعاديهم أحد إلا أكبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين( ) وفي صحيح مسلم لايزال الإسلام عزيزاً بخلفاء كلهم من قريش( ) وعن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله : لايزال هذا الأمر في قريش مابقي منهم اثنان( )، وقال رسول الله : الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم( ) وعن بكير بن وهب الجزري قال: قال لي أنس بن مالك الأنصاري: أحدثك حديثاً ما أحدثه كل أحد، كنا في بيت من الأنصار فجاء النبي  حتى وقف فأخذ بعضادتي الباب( )، فقال: الأئمة من قريش إن لهم عليكم حقاً، ولكم عليهم حقا مثل ذلك، ما إن استرحموا فرحموا وإن عاهدوا أوفوا وإن حكموا عدلوا( ) وفي فتح الباري أورد ابن حجر أحاديث كثيرة تحت باب الأمراء من قريش أسندها إلى كتب السنن والمسانيد والمصنفات( )، فالأحاديث في هذا الباب كثيرة لايكاد يخلوا منها كتاب من كتب الحديث، وقد رويت بألفاظ متعددة، إلا أنها متقاربة تؤكد جميعها أن الإمرة المشروعة في قريش، ويقصد بالإمرة الخلافة فقط أما ماسوى ذلك فتساوى فيه جميع المسلمين( )، وبمثل ما أوضحت الأحاديث النبوية الشريفة أن أمر الخلافة في قريش فإنها حذرت من الإنقياد الأعمى لهم، وأن هذا الأمر فيهم ما أقاموا الدين كما سلف في حديث معاوية وكما جاء في حديث أنس: إن استرحموا فرحموا، وإن عاهدوا أوفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين( )، وبهذا حذرت الأحاديث من اتباع قريش إن زاغوا عن الحكم بما أنزل الله فإن لم يمتثلوا ويطبقوا مثل هذه الشروط، فإنهم سيصبحون خطراً على الأمة وحذرت الأحاديث الشريفة من اتباعهم على غير ما أنزل الله ودعت إلى اجتنابهم والبعد عنهم واعتزالهم، لما سيترتب على مؤازرتهم آنذاك من مخاطر على مصير الأمة قال : إن هلاك أمتي أو فساد أمتي رؤوس أغيلمة سفهاء من قريش( )، وعندما سئل : فما تأمرنا قال : لو أن الناس اعتزلوهم( ).
ومن هذه النصوص تتضح الصورة لمسألة الأئمة من قريش، وأن الأنصار انقادوا لقريش ضمن هذه الضوابط وعلى هذه الأسس، وهذا ما أكدوه في بيعاتهم لرسول الله على السمع والطاعة، والصبر على الأثرة، وأن لاينازعوا الأمر أهله، إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان( )، فقد كان للأنصار تصور تام عن مسألة الخلافة، وأنها لم تكن مجهولة عندهم، وأن حديث الأئمة من قريش كان يرويه كثير منهم، وأن الذين لايعلمونه سكتوا عندما رواه لهم أبو بكر الصديق ولهذا لم يراجعه أحد من الأنصار عندما استشهد به، فأمر الخلافة تم بالتشاور والاحتكام إلى النصوص الشرعية والعقلية التي أثبتت أحقية قريش بها، ولم يسمع عن أحد من الأنصار بعد بيعة السقيفة أنه دعا نفسه بالخلافة، مما يؤكد اقتناع الأنصار وتصديقهم لما تمّ التوصل إليه من نتائج( )، وبهذا يتهافت ويسقط قول من قال أن حديث الأئمة من قريش شعار رفعته قريش لاستلاب الخلافة من الأنصار أو أنه: رأي لأبي بكر وليس حديثاً رواه عن الرسول، وإنما كان فكراً سياسياً قرشياً، كان شائعاً في ذلك العصر يعكس ثقل قريش في المجتمع العربي في ذلك الحين، وعلى هذا فإن نسبة هذه الأحاديث إلى أبي بكر وأنها شعار لقريش، ماهي إلا صورة من صورة التشويه التي يتعرض لها تاريخ العصر الراشدي وصدر الإسلام الذي قام أساساً على جهود المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان، وعلى روابط الأخوة المتينة بين المهاجرين والأنصار حتى قال فيهم أبو بكر نحن والأنصار كما قال القائل:
أبو أن يملونا ولو أن أمنا
تلاقي الذين يلقون منا لملت( )
6-الآيات القرآنية التي فيها إشارة إلى خلافة الصديق:
وردت آيات في كتاب الله عزوجل فيها الإشارة إلى أن أبا بكر الصديق  أحق الناس في هذه الأمة بخلافة سيد الأولين والآخرين وتلك الآيات هي:
أ-قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَصِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} (سورة الفاتحة، آية:6-7). ووجه الدلالة أن أبا بكر  فيمن أمر الله -جلاوعلا- عباده أن يسألوه أن يهديهم طريقهم وأن يسلك بهم سبيلهم وهم الذين أنعم الله عليهم وذكر م
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:06 am

الخليفة لايكون أبداً إلا ثانياً وسمعت شيخنا أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق أن يقال ثاني اثنين لقيامه بعد النبي  بالأمر كقيام النبي  به أولاً، وذلك أن النبي  لما مات ارتدت العرب كلها ولم يبقى الإسلام إلا بالمدينة وجواثا( )، فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبي  فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ثاني اثنين( ).
ح- قال تعالى : {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (سورة التوبة، آية:100) الآية ووجه دلالة الآية على أحقية الصديق بالإمامة بعد النبي  أن الهجرة فعل شاق على النفس ومخالف للطبع فمن أقدم عليه أولاً صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره وكذلك السبق في النصرة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة فلاشك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة فازوا بمنصب عظيم وإذا ثبت هذا فإن أسبق الناس إلى الهجرة أبو بكر الصديق فإنه كان في خدمة المصطفى عليه الصلاة والسلام وكان مصاحباً له في كل مسكن وموضع فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره وإذا ثبت هذا صار محكوماً عليه بأنه رضي الله عنه ورضي هو عن الله وذلك في أعلى الدرجات من الفضل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماماً حقاً بعد رسول الله  فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعلى صحة إمامتهما( ).
خ- قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (سورة النور، آية:55).
هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق  وعلى خلافة الثلاثة بعده فلما وجدت هذه الصفة من الاستخلاف والتمكين في أمر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي دل ذلك على أن خلافتهم حق( )، وقال الحافظ بن كثير: وقال بعض السلف خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حق في كتاب الله ثم تلا هذه الآية( ).
د-قال تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (سورة الفتح، آية:16) قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالىSadوقد دل على إمامة أبي بكر في سورة براءة فقال للقاعدين عن نصرة نبيه عليه السلام والمتخلفين عن الخروج معه : {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} (سورة التوبة، آية:83). وقال في سورة أخرى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} يعني الى قوله: {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا} ثم قال الله تعالى {كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا} وقال تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا} -يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم الى قتالكم- كما {تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (سورة الفتح، آيتان:
15-16). والداعي لهم إلى ذلك غير النبي  قال الله -عزوجل- له {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} وقال في سورة الفتح: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} فمنعهم عن الخروج مع نبيه عليه السلام وجعل خروجهم معه تبديلاً لكلامه فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه ( )، وقد قال مجاهد في قوله: {أُولِي بَأْسٍ شَدِيد}. هم فارس والروم وبه قال الحسن البصري. قال عطاء: هم فارس وهو أحد قولي ابن عباس ، وفي رواية أخرى عنه أنهم بنو حنيفة يوم اليمامة فإن كانوا أهل اليمامة فقد قوتلوا في أيام أبي بكر: وهو الداعي إلى قتال مسيلمة وبني حنيفة من أهل اليمامة، وإن كانوا أهل فارس والروم( )، فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر كما وجبت إمامة عمر لأنه العاقد له الإمامة فقد دل القرآن على إمامة الصديق والفاروق رضي الله عنهما، وإذا وجبت إمامة أبي بكر بعد رسول الله  وجب أنه أفضل المسلمين ( ).
هـ- قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (سورة الحشر، الآية: Cool.
وجه دلالة هذه الآية على خلافته  أن الله عز وجل سماهم (صادقين) ومن شهد له الرب - جل وعلا- بالصدق فإنه لايقع في الكذب ولا يتخذه خلقاً بحال وقد أطبق هؤلاء الموصوفون بالصدق على تسمية الصديق  (خليفة رسول الله)( )  ومن هنا كانت الآية دالة على ثبوت خلافته ( ).
7- الأحاديث التي أشارت الى خلافة أبي بكر :
وأما الأحاديث النبوية التي جاء التنبيه فيها على خلافة أبي بكر  فكثيرة شهيرة متواترة ظاهرة الدلالة إما على وجه التصريح أو الإشارة ولاشتهارها وتواترها صارت معلومة من الدين بالضرورة بحيث لايسع أهل البدعة إنكارها( ) ومن تلك الأحاديث.
أ- عن جبير بن مطعم قال: أتت امرأة النبي  فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت- قال  إن لم تجديني فأتي أبابكر( ).
قال ابن حجر: وفي الحديث أن مواعيد النبي  كانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس( ).
ب- عن حذيفة قال: كنا عند النبي  جلوساً فقال: إني لا أدري ماقدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار الى أبي بكر وعمر (وتمسكوا بعهد عمار وماحدثكم ابن مسعود فصدقوه)( ).
فقوله : (اقتدوا باللذين من بعدي) أي: بالخيلفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبوبكر وعمر وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما، وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة( ).
ت- عن أبي هريرة  عن رسول الله قال: بينما أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس فجاءني أبوبكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني فنزع الدلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر له فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر( ).
قال الشافعي رحمه الله: رؤيا الأنبياء وحي وقوله: وفي نزعه ضعف قصر مدته وعجلة موته وشعله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته( ).
ث- قالت عائشة: قال لي رسول الله  في مرضه: (ادعي لي أبابكر، وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبابكر)( ).
دل هذا الحديث دلالة واضحة على فضل الصديق  حيث أخبر النبي  بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق الأعلى وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره  وفي الحديث إشارة أنه سيحصل نزاع ووقع كل ذلك كما أخبر عليه الصلاة والسلام ثم اجتمعوا على أبي بكر ( ).
ج- عن عبيد الله بن عبدالله قال: دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحديثيني عن مرض رسول الله  قالت: بلى ثقل النبي  فقال: أصلى بالناس. قلنا: لا وهم ينتظرونك يارسول الله. قال: ضعوا لي ماء في المخضب( ). ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء( )، فأغمى عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس. قلنا: لا وهم ينتظرونك يارسول الله فقال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس. قلنا: لا وهم ينتظرونك يارسول الله؟ قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله  لصلاة العشاء الآخرة قالت: فأرسل رسول الله  الى أبي بكر أن يصلي بالناس فأتان الرسول فقال: إن رسول الله  يأمرك أن تصلي بالناس فقال: أبوبكر، وكان رجلاً رقيقاً: ياعمر صلِ بالناس قال: فقال: عمر أنت أحق بذلك قالت: فصلى بهم أبوبكر تلك الأيام ثم إن رسول الله  وجد في نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبوبكر يصلي بالناس فلما رآه أبوبكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي  أن لا يتأخر وقال لهما: أجلساني الى جنبه. فأجلساه الى جنب أبي بكر وكان أبوبكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي  والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي  قاعد. قال عبيدالله: فدخلت على عبدالله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ماحدثتني عائشة عن مرض رسول الله  قال: هات فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئاً غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت: لا قال: هو علي( ).
هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة منها: فضيلة أبي بكر الصديق  وترجيحه على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله  من غيره ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم، ومنها فضيلة عمر بعد أبي بكر  لأن أبابكر  لم يعدل الى غيره( ).
د- قال عبدالله بن مسعود : لما قبض رسول الله  قالت الأنصار:منا أمير ومنكم أمير قال: فأتاهم عمر  فقال: يامعشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله  قد أمر أبابكر يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبابكر  فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبابكر( ).
هـ- روى ابن سعد بإسناده الى الحسن قال: قال علي: لما قبض النبي  نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي  قد قدم أبابكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله  لديننا فقدمنا أبابكر( ).
وقد علق أبو الحسن الأشعري على تقديم رسول الله  لأبي بكر في الصلاة فقال: وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الاسلام قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء: أن رسول الله  قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواء فأكبرهم سناً، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلاماً) - قال ابن كثير- وهذا من كلام الأشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق  وأرضاه( ).
هذا ولأهل السنّة قولان في إمامة أبي بكر  من حيث الإشارة إليها بالنص الخفي أو الجلي، فمنهم من قال: إن إمامة أبي بكر  ثابتة بالنص الخفي والإشارة وهذا القول ينسب الى الحسن البصري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل الحديث( )، وهو رواية عن الامام أحمد بن حنبل( )، رحمة الله عليه واستدل أصحاب هذا القول بتقديم النبي  له في الصلاة وبأمره  بسد الأبواب إلا باب أبي بكر، ومنهم من قال: إن خلافة أبي بكر  ثابتة بالنص الجلي وهذا قول طائفة من أهل الحديث( )، وبه قال أبومحمد بن حزم الظاهري( )، واستدل هذا الفريق بحديث المرأة التي قال لها: إن لم تجديني فأتي أبابكر( )، وبقوله لعائشة رضي الله عنها: ادعي لي أبابكر وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبابكر( )، وحديث رؤياه : أنه على حوض يسقى الناس فجاء أبوبكر فنزع الدلو من يده ليروحه)( ).
والذي أميل إليه ويظهر لي من خلال البحث: أن المصطفى  يأمر المسلمين بأن يكون الخليفة عليهم من بعده أبابكر  وإنما دلهم عليها لإعلام الله سبحانه وتعالى له بان المسلمين سيختارونه لما له من الفضائل العالية التي ورد بها القرآن والسنّة وفاق بها غيره من جميع الأمة المحمدية  وأرضاه( ).
قال ابن تيمية رحمه الله: والتحقيق أن النبي  دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقوله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار رضي بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهداً ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك... فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله  بياناً قاطعاً للعذر ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبابكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصورد ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر...) الى أن قال: (فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله  له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختياراً استندوا فيه الى ماعملوه من تفضيل الله ورسوله فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعاً لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد، وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضا الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلاً على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ماعلم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة فإن ذلك لايحتاج فيه الى عهد خاص( ).
8- انعقاد الإجماع على خلافة الصديق :
أجمع أهل السنّة والجماعة سلفاً وخلفاً على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي  أبوبكر الصديق  لفضله وسابقته ولتقديم النبي  إياه في الصلوات على جميع الصحابة وقد فهم أصحاب النبي  مراد المصطفى عليه الصلاة والسلام من تقديمه في الصلاة فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد ولم يكن الرب جل وعلا ليجمعهم على ضلالة فبايعوه طائعين وكان لأوامره ممتثلين ولم يعارض أحد في تقديمه( )، فعندما سئل سعيد بن زيد متى بويع أبوبكر؟ قال: يوم مات رسول الله : كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة( )، وقد نقل جماعة من أهل العلم المعتبرين إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنّة والجماعة على أن أبابكر  أولى بالخلافة من كل أحد( ) وهذه بعض أقوال أهل العلم:
أ- قال الخطيب البغدادي -رحمه الله- أجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر قالوا له: ياخليفة رسول الله ولم يسم أحد بعده خليفة، وقيل: إنه قبض النبي  عن ثلاثين ألف مسلم كل قال لأبي بكر: ياخليفة رسول الله ورضوا به من بعده رضي الله عنهم( ).
ب- وقال ابو الحسن الأشعري: أثنى الله -عز وجل- على المهاجرين والأنصار والسابقين الى الاسلام، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال عز وجل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} (سورة الفتح، الآية 18). قد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق  وسموه خليفة رسول الله وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة الأمة وغير ذلك( ).
جـ-وقال عبدالملك الجويني: أما إمامة أبي بكر  فقد ثبتت بإجماع الصحابة فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والإنقياد لحكمه ... وماتخرص به الروافض من إبداء علي شراساً( )، وشماساً( ) في عقد البيعة له كذب صريح، نعم لم يكن  في السقيفة وكان مستخلياً بنفسه قد استفزه الحزن على رسول الله  ثم دخل فيما دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد( ).
د-وقال أبو بكر الباقلاني في معرض ذكره للإجماع على خلافة الصديق : وكان  مفروض الطاعة لإجماع المسلمين على طاعته وإمامته وانقيادهم له حتى قال أمير المؤمنين علي عليه السلام مجيبا لقوله  لما قال: أقيلوني فلست بخيركم، فقال: لانقيلك ولانستلقيلك قدمك رسول الله  لديننا ألا نرضاك لدنيانا يعني بذلك حين قدمه للإمامة في الصلاة مع حضوره وإستنابته في إمارة الحج فأمرك علينا وكان  أفضل الأمة وأرجحهم إيماناً وأكملهم فهماً وأوفرهم علماً( ).
9-منصب الخلافة والخليفة:
الخلافة الإسلامية هي المنهج الذي اختارته الأمة الإسلامية وأجمعت عليه طريقةً وأسلوباً للحكم تنظم من خلاله أمورها وترعى مصالحها، وقد ارتبطت نشأة الخلافة بحاجة الأمة لها واقتناعها بها، ومن ثم كان إسراع المسلمين في اختيار خليفة لرسول الله ، يقول الإمام أبو الحسن الماوردي: إن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيماً خلف به النبوة وحاط به الملة، وفوض إليه السياسة ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع، فكانت الإمامة أصلاً عليه استقرت قواعد الملة وانتظمت به مصالح العامة حتى استثبتت به الأمور العامة، وصدرت عنه الولايات الخاصة( ).
لقد كان على الأمة الإسلامية أن تواجه الموقف الصعب الذي نشأ عن انتقال الرسول  إلى الرفيق الأعلى، وأن تحسم أمورها بسرعة وحكمة وألا تدع مجالاً لانقسام قد يتسرب منه الشك إلى نفوس أفرادها أو للضعف أن يتسلل إلى أركان البناء الذي شيده رسول الله ( ).
ولما كانت الخلافة هي نظام حكم المسلمين فقد استمدت أصولها من دستور المسلمين، من القرآن الكريم ومن سنّة النبي ( )، وقد تحدث الفقهاء عن أسس الخلافة الاسلامية فقالوا بالشورى والبيعة وهما أصلاً قد أشير إليهما في القرآن الكريم( )، ومنصب الخلافة أحياناً يطلق عليه لفظ الامامة أو الإمارة وقد أجمع المسلمون على وجوب الخلافة، وأن تعيين الخليفة فرض على المسلمين يرعى شؤون الأمة ويقيم الحدود ويعمل على نشر الدعوة الاسلامية وعلى حماية الدين والأمة بالجهاد وعلى تطبيق الشريعة وحماية حقوق الناس ورفع المظالم وتوفير الحاجات الضرورية لكل فرد. وهذا ثابت بالقرآن والسنّة والإجماع( ).
وقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (سورة النساء، الآية: 59).
وقال تعالى: {يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (سورة ص، الآية: 26).
وقال : من خلع يداً من طاعة لقى الله يوم القيامة لاحجة له( ) ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية( ).
وأما الاجماع فالصحابة رضوان الله عليهم لم ينتظروا حتى يتم دفن الرسول  وتوافدوا للاتفاق على إمام أو خليفة وعلل أبوبكر قبول هذه الأمانة وهو خوفه أن تكون فتنة أي من عدم تعيين خليفة للمسلمين( ) قال الشهرستاني في ذلك: (مادار في قلبه ولا في قلب أحد أنه يجوز خلو الأرض من إمام) فدل ذلك كله على أن الصحابة وهم الصدر الأول كانوا على بكرة أبيهم متفقين على أنه لابد من إمام، فذلك الإجماع على هذا الوجه دليل قاطع على وجوب الامام( ).
هذا وليس صحيحاً مايروجه الحاقدون أن الطمع في الرئاسة سبب الانشغال بالخلافة عن دفن النبي ( ).
هذا وقد عرّف ابن خلدون الخلافة: (هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع الى اعتبارها بمصالح الآخرة فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة هذا الدين وسياسة الدنيا به)( ).
وقد تحدث العلامة ابوالحسن الندوي عن شروط خلافة النبي ومتطلباتها، وقد أثبت بالأدلة والحجج من خلال سيرة الصديق بأن أبابكر كانت شروط خلافة النبي متحققة فيه ونذكر هذه الشروط بإيجاز وبدون ذكر الشواهد التي ذكرها الندوي وقد بينتها في هذا الكتاب متناثرة، فأهم هذه الشروط:
أ- يمتاز بأنه ظل طول حياته بعد الاسلام متمتعاً بثقة رسول الله  به وشهادته له، واستخلافه إياه في القيام ببعض أركان الدين الأساسية، وفي مهمات الأمور، والصحبة في مناسبات خطرة دقيقة لايستصحب فيها الإنسان إلا من يثق به كل الثقة، ويعتمد عليه كل الاعتماد.
ب- يمتاز هذا الفرد بالتماسك والصمود في وجه الاعاصير والعواصف التي تكاد تعصف بجوهر الدين ولبه، وتحبط مساعي صاحب رسالته، وتنخلع لها قلوب كثير ممن قوى إيمانهم وطالت صحبتهم، ولكن يثبت هذا لفرد في وجهها ثبوت الجبال الراسيات، ويمثل دور خلفاء الأنبياء الصادقين الراسخين، ويكشف الغطاء عن العيون، وينفض الغبار عن جوهرة الدين وعقيدته الصحيحة.
ج- يمتاز هذا الفرد في فهمه الدقيق الاسلام، ومعايشته له في حياة النبي  على اختلاف أطواره وألوانه من سلم وحرب، وخوف وأمن، ووحدة وإجتماع، وشدة ورخاء.
د- يمتاز بشدة غيرته على أصالة هذا الدين وبقائه على ماكان عليه في عهد نبيِّه، غيرة أشد من غيرة الرجال على الأعراض والكرامات، والأزواج والأمهات، والبنين والبنات، لايحوله عن ذلك خوف أو طمع أو تأويل أو عدم موافقة من أقرب الناس وأحبهم إليه.
س- يكون دقيقاً كل الدقة وحريصاً أشد الحرص في تنفيذ رغبات الرسول الذي يخلفه في أمته بعد وفاته، لايحيد عن ذلك قيد شعرة، ولا يساوم فيه أحداً، ولايخاف لومة لائم.
و- يمتاز بالزهد في متاع الدنيا والتمتُّع به، زهداً لا يُتصُّور فوقه إلا عند إمامه وهاديه سيد الانبياء عليه الصلاة والسلام، وأن لايخطر بباله تأسيس الملك والدولة وتوسيعهما لصالح عشيرته وورَثَته، كما اعتادت ذلك الأسر الملوكية الحاكمة في أقرب الدول والحكومات من جزيرة العرب، كالروم والفرس( ).
وقد اجتمعت هذه الصفات والشروط كلها في سيدنا أبي بكر ، كما تمثلت في حياته وسيرته في حياة الرسول  قبل الخلافة وبعد الخلافة الى أن توفاه الله تعالى، بحيث لايسع منكراً أن ينكره أو مشكِّكا يشكك في صحته، فقد تحقق بطريق البداهة والتواتر( ).
هذا وقد قام أهل الحل والعقد في سقيفة بني ساعدة ببيعة الصديق بيعة، خاصة ثم رشحوه للناس في اليوم الثاني وبايعته الأمة في المسجد البيعة العامة( ).
وقد افرز مادار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبادئ منها: أن قيادة الأمة لاتقام إلا بالاختيار، وأن البيعة هي أصل من أصول الاختيار وشرعية القيادة، وأن الخلافة لا يتولاها إلا الأصلب ديناً والأكفأ إدارة، فاختيار الخليفة يكون وفق مقومات إسلامية، وشخصية، وأخلاقية، وأن الخلافة لاتدخل ضمن مبدأ الوراثة النسبية أو القبلية، وإن إثارة (قريش) في سقيفة بني ساعدة باعتباره واقع يجب أخذه في الحسبان، ويجب اعتبار أي شيء مشابه مالم يكن متعارضاً مع أصول الاسلام، وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين حيث لاهرج ولا مرج، ولا تكذيب ولا مؤامرات ولا نقض للاتفاق، ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار الى النصوص الشرعية( ).
وقد استدل الدكتور توفيق الشاوي على بعض الأمثلة التي صدرت بالشورى الجماعية في عهد الراشدين من حادثة السقيفة حيث قال:
• أول ماقرره اجتماع يوم السقيفة هو أن (نظام الحكم ودستور الدولة) يقرر بالشورى الحرة، تطبيقاً لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن، ولذلك كان هذا المبدأ محل إجماع، وسند هذا الإجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى، أي أن هذا الاجماع كشف وأكد أول أصل شرعي لنظام الحكم في الاسلام وهو الشورى الملزمة، وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالإجماع بعد وفاة رسولنا  ، ثم إن هذا الاجماع لم يكن إلا تأييداً وتطبيقاً لنصوص الكتاب والسنّة التي أوجبت الشورى .
• تقرر يوم السقيفة أيضاً أن اختيار رئيس الدولة أو الحكومة الاسلامية وتحديد سلطاته يجب أن يتم بالشورى، أي البيعة الحرة التي تمنحه تفويضاً ليتولى الولاية بالشروط والقيود التي يتضمنها عقد البيعة الاختيارية الحرة - الدستور في النظم المعاصرة-، وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الإجماع، وكان قراراً إجماعياً كالقرار السابق.
• تطبيقاً للمبدأين السابقين، قرر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر ليكون الخليفة الأول للدولة الاسلامية( ).
ثم إن هذا الترشيح لم يصح نهائياً إلا بعد أن تمت له البيعة العامة، أي موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول ، ثم قبوله لها بالشروط التي ذكرها في خطابه الذي ألقاه( )، وسنأتي على ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى.











المبحث الثاني
البيعة العامة، وإدارة الشؤون الداخلية



أولاً: البيعة العامة:
بعد أن تمت بيعة أبي بكر  البيعة الخاصة في سقيفة بني ساعدة، كان لعمر  في اليوم التالي موقف في تأييد أبي بكر وذلك في اليوم التالي حينما اجتمع المسلمون للبيعة( ) العامة قال أنس بن مالك: لما بويع أبي بكر في السقيفة وكان الغد جلس ابوبكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمدالله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ماكانت مما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهداً عهده الى رسول الله  ولكني قد كنت أرى أن رسول الله  سيدبر أمرنا -يقول يكون آخرنا- وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله ورسوله ، فإن عصيتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله  ثاني أثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبابكر بعد بيعة السقيفة فتكلم أبوبكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لايدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قومٍ إلا عمّهم الله بالبلاء، أطيعوني ماأطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا الى صلاتكم يرحمكم الله( ).
وقال عمر لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة( ).
وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب الاسلامية على إيجازها وقد قرر الصديق فيها قواعد العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم وركز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الانهيار والفساد( )، من خلال الخطبة والأحداث التي تمت بعد وفاة الرسول يمكن للباحث أن يستنبط بعض ملامح نظام الحكم في بداية عهد الخلافة الراشدة والتي من أهمها:
1- مفهوم البيعة:
عرّف العلماء البيعة بتعاريف عدة منها تعريف ابن خلدون: العهد على الطاعة لولي الأمر( )، وعرفها بعضهم بقوله: البيعة على التعاقد على الاسلام( )، وعرفت كذلك بأنها أخذ العهد والميثاق والمعاقدة على إحياء ماأحياه الكتاب والسنّة، وإقامة ماأقامه( )، وكان المسلمون إذا بايعوا الأمير جعلوا أيديهم في يده، تأكيداً للعهد والولاء، فاشبه ذلك الفعل البائع والمشتري، فسمى هذا الفعل بيعة( ).
ونتعلم من مبايعة الأمة للصديق بأن الحاكم في الدولة الاسلامية إذا وصل الى الحكم عن طريق أهل الحل والعقد وبايعته الأمة بعد أن توفرت فيه الشروط المعتبرة، فيجب على المسلمين جميعاً مبايعته والاجتماع عليه، ونصرته على من يخرج عليه، حفظاً على وحدة الأمة وتماسك بنيانها أمام الأعداء في داخل الدولة الاسلامية وخارجها( ).
قال : (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)( )، فهذا الحديث فيه حث على وجوب إعطاء البيعة والتوعد على تركها، فمن مات ولم يبايع عاش على الضلال ومات على الضلال( ).
وقال رسول الله : (ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فيطعه مااستطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)( ).
فالشارع الحكيم قد رتب القتل وأمر به، نتيجة الخروج على الامام مما يدل على حرمة هذا الفعل، لأنه بطلب بيعة أخرى بالبيعة الاولى التي هي فرض على المسلمين( ).
والذي يأخذ البيعة في حاضرة الدولة هو الخليفة. وأما في الأقاليم فقد يأخذها الإمام، وقد يأخذها نواب الإمام، كما حدث في بيعة الصديق ، فأهل مكة والطائف أخذها نواب الخليفة.
والذي تجب بيعتهم للإمام هم أهل الحل والعقد، وأهل الاختيار من علماء الأمة وقادتها، وأهل الشورى وأمراء الأمصار وأما سائر الناس وعامتهم فيكفيهم دخولهم تحت بيعة هؤلاء، ولا يمنع العامة من البيعة بعد بيعة أهل الحل والعقد( )، وهناك من العلماء من قال لابد من البيعة العامة لأن الصديق لم يباشر مهامه كخليفة للمسلمين إلا بعد البيعة العامة له من المسلمين( ).
والبيعة بهذا المعنى الخاص الذي تمّ للصديق لا تعطي إلا للإمام الأعظم في الدولة الاسلامية ولاتعطى لغيره من الأشخاص سوءا في ظل الدولة الإسلامية أو عند فقدها، لما يترتب على هذه البيعة من أحكام( )، وخلاصة القول أن البيعة بمعناها الخاص هي إعطاء الولاء والسمع والطاعة للخليفة مقابل الحكم بما أنزل الله تعالى، وأنها في جوهرها وأصلها عقد وميثاق بين طرفين؛ الإمام من جهة وهو الطرف الأول، والأمة من جهة ثانية وهي الطرف الثاني، فالإمام يبايع على الحكم بالكتاب والسنّة والخضوع التام للشريعة الاسلامية عقيدة وشريعة ونظام حياة، والأمة تبايع على الخضوع والسمع والطاعة للإمام في حدود الشريعة.
فالبيعة خصصية من خصائص نظام الحكم في الاسلام تفرد به عن غيره من النظم الاخرى في القديم والحديث. ومفهومه أن الحاكم والأمة كليهما مقيد بما جاء به الاسلام من الأحكام الشرعية، ولا يحق لأحدهما سواء كان الحاكم أو الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد، الخروج على أحكام الشريعة أو تشريع الأحكام التي تصادم الكتاب والسنّة، أو القواعد العامة في الشريعة ويعد فعل مثل ذلك خروجاً على الاسلام، بل إعلان الحرب على النظام العام للدولة الاسلامية بل أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم نفى عنهم صفة الايمان( )، قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (سورة النساء، الآية:65).
فهذا مفهوم البيعة من خلال عصر أبي بكر الصديق .
2- مصدر التشريع في دولة الصديق:
قال أبوبكر : أطيعوني ماأطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم( )، فمصدر التشريع عند الصديق :
أ- القرآن الكريم:
قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} (سورة النساء، الآية:105).
فهو المصدر الاول الذي يشتمل على جميع الأحكام الشرعية التي تتعلق بشؤون الحياة، كما يتضمن مبادئ أساسية وأحكاماً قاطعة لإصلاح كل شعبة من شعب الحياة، كما بين القرآن الكريم للمسلمين كل مايحتاجون إليه من أسس تقوم عليها دولتهم.
ب- السنّة المطهرة:
هي المصدر الثاني الذي يستمد منه الدستور الاسلامي أصوله ومن خلالها يمكن معرفة الصيغ التنفيذية والتطبيقية لأحكام القرآن( ).
إن دولة الصديق خضعت للشريعة وأصبحت سيادة الشريعة الاسلامية فيها فوق كل تشريع وفوق كل قانون وأعطت لنا صورة مضيئة مشرقة على أن الدولة الاسلامية دولة شريعة، خاضعة بكل أجهزتها لأحكام هذه الشريعة، والحاكم فيها مقيد بأحكامها لايتقدم ولايتأخر عنها( ).
ففي دولة الصديق وفي مجتمع الصحابة، الشريعة فوق الجميع، يخضع لها الحاكم والمحكوم ولهذا قيد الصديق طاعته التي طلبها من الأمة بطاعة الله ورسوله، لئن رسول الله  قال: (لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف)( ).
3- حق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته:
قال ابوبكر : فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني( ).
فهذا الصديق يقرّ بحق الأمة وأفرادها في الرقابة على أعماله ومحسبته عليها، بل وفي مقاومته لمنع كل منكر يرتكبه وإلزامه بما يعتبرونه الطريق الصحيح والسلوك الشرعي( )، وقد أقرّ الصديق في بداية خطابه للأمة أن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة، وأنه لايستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره؛ لأن عهد الرسالات والرسل المعصومين قد انتهى، وان آخر رسول كان يتلقى الوحى انتقل الى جوار ربه، وقد كانت له سلطة دينية مستمدة من عصمته كنبي ومن صفته كرسول يتلقى التوجيه من السماء، ولكن هذه العصمة قد انتهت بوفاته  وبعد وفاته  أصبح الحكم والسلطة مستمدة من عقد البيعة وتفويض الأمة له( ).
إن الأمة في فقه أبي بكر لها إدارة حية واعية لها القدرة على المناصرة والمناصحة والمتابعة والتقويم، فالواجب على الرعية نُصرة الإمام الحاكم بما أنزل الله ومعاضدته ومناصرته في أمور الدين والجهاد، ومن نصرة الامام ألا يهان، ومن معاضدته أن يحترم، وأن يكرّم فقوامته على الأمة وقيادته لها لإعلاء كلمة الله، تستوجب تبجيله وإجلاله وإكرامه وتبجيله، إجلالاً وإكراماً لشرع الله الذي ينافع عنه ويدافع عنه. قال رسول الله  : (إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير المغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط)( )، والأمة واجب عليها أن تُناصح ولاة أمرها قال : (الدين النصحية
-ثلاثاً-) قال الصحابة: لمن يارسول الله؟ قال: (لله -عز وجل- ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)( )، ولقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء الأمة على الاستقامة رهن باستقامة ولاتها ولذلك كان من واجبات الرعية تجاه حكامهم نصحهم وتقويمهم ولقد أخذت الدولة الحديثة تلك السياسة الرائدة للصديق  وترجمت ذلك الى لجان متخصصة ومجالس شورية، تمد الحاكم بالخطط، وتزوده بالمعلومات، وتشير عليه بما يحسن أن يقرره، والشيء المحزن أن كثيراً من الدول الاسلامية تعرض عن هذا النظام الحكيم، فعظم مصيبتها في تسلط الحكام وجبروتهم، والتخلق الذي يعم معظم ديار المسلمين ماهو إلا نتيجة لتسلط بغيض، (ودكتاتورية) لعين، أماتت في الأمة روح التناصح والشجاعة، وبذرت فيها، وزرعت بها الجبن والفزع إلا من رحم ربي، وأما الأمة التي تقوم بدورها في مراقبة الحاكم ومناصحته تأخذ بأسباب القوة والتمكين في الأرض، فتنطلق الى آفاق الدنيا تبلغ دعوة الله( ).
4- إقرار مبدأ العدل والمساواة بين الناس:
قال أبو بكر : الضعيف فيكم قوي عندى حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله( ).
إن من أهداف الحكم الإسلامي الحرص على إقامة قواعد النظام الإسلامي التي تساهم في إقامة المجتمع المسلم ومن أهم هذه القواعد، الشورى والعدل، والمساواة والحريات، ففي خطاب الصديق للأمة أقرّ هذه المبادئ، فالشورى تظهر في طريقة اختياره وبيعته وفي خطبته في المسجد الجامع، بمحضر من جمهور المسلمين وأما عدالته فتظهر في نص خطابه ولاشك أن العدل في فكر أبي بكر هو عدل الإسلام الذي هو الدعامة الرئيسية في إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي فلاوجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولايعرف العدل.
إن إقامة العدل بين الناس أفراداً وجماعات ودولاً، ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه، بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل( ) قال الفخر الرازي -رحمه الله- أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل( ).
وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة النبوية. إن من أهداف دولة الإسلام إقامة المجتمع الإسلامي الذي تسود فيه قيم العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته، بكافة أشكاله وأنواعه، وعليها أن تفسح المجال وتيسر السبل أمام كل إنسان يطلب حقه أن يصل إليه بأيسر السبل وأسرعها دون أن يكلفه ذلك جهد أو مال وعليها أن تمنع أي وسيلة من الوسائل من شأنها أن تعيق صاحب الحق من الوصول إلى حقه.
لقد أوجب الإسلام على الحكام أن يقيموا العدل بين الناس دون النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم أو أحوالهم الإجتماعية فهو يعدل بين المتخاصمين ويحكم بالحق، ولايهمه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء أو أعداء، أغنياء أو فقراء عمالاً أو أصحاب عمل( )، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (سورة المائدة، آية:Cool.
لقد كان الصديق  قدوة في عدله يأسر القلوب ويبهر الألباب، فالعدل في نظره دعوة عملية للإسلام فيه تفتح قلوب الناس للإيمان، لقد عدل بين الناس في العطاء، وطلب منهم أن يكونوا عوناً له في هذا العدل، وعرض القصاص من نفسه في واقعة تدل على العدل والخوف من الله سبحانه( )، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص : أن أبا بكر الصديق  قام يوم جمعة فقال: إذا كنا بالغداة فأحضروا صدقات الإبل نقسمها، ولايدخل علينا أحد إلا بإذن، فقالت امرأة لزوجها خذ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملاً، فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد دخلا إلى الإبل فدخل معهما، فالتفت أبو بكر فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسم الإبل دعا الرجل فأعطاه الخطام وقال: استقد .. فقال عمر: والله لايستقد ولاتجعلها سنة، قال أبو بكر فمن لي من الله يوم القيامة؟ قال عمر: أرضه، فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلة ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها( ).
وأما مبدأ المساواة الذي أقره الصديق في بيانه الذي ألقاه على الأمة، فيعد أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر، ومما ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (سورة الحجرات، آية:13).
إن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، الرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس واللون أو النسب أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء( )، وجاءت ممارسة الصديق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك حيث يقول: وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه( ).
وكان  ينفق من بيت مال المسلمين فيعطي كل مافيه سواسية بين الناس، فقد روى ابن سعد وغيره أن أبا بكر ، كان له بيت مال بالسُّنح معروف، ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل على بيت المال من يحرسه؟ فقال: لايخاف عليه، قيل له: ولم؟ قال: عليه قفل! وكان يعطي مافيه حتى لايبقى فيه شيئاً، فلما تحوّل إلى المدينة حوّله معه فجعله في الدار التي كان فيها، وقدم عليه مال من معدن من معادن جُهينة، فكان كثيراً، وانفتح معدن بني سليم في خلافته، فقدم عليه منه بصدقة فكان يضع ذلك في بيت المال، فيقسمه بين الناس سوّياً، بين الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير على السواء. قالت عائشة رضي الله عنها: فأعطى أول عام الحرّ عشرة والمملوك عشرة، وأعطى المرأة عشرة، وأمتها عشرة، ثم قسم في العام الثاني، فأعطاهم عشرين عشرين، فجاء ناس من المسلمين فقالوا: ياخليفة رسول الله: إنك قسمت هذا المال فسوّيت بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم، فلو فضلت أهل السوابق والقدم والفضل. فقال: أما ماذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك وإنما ذلك شئ ثوابه على الله جلّ ثناؤه، وهذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأثرة( ) فقد كان توزيع العطاء في خلافته على التسوية بين الناس، وقد ناظر الفاروق عمر  أبا بكر في ذلك فقال: أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ للراكب.
ورغم أن عمر  غيّر في طريقة التوزيع فجعل التفضيل بالسابقة إلى الإسلام والجهاد إلا أنه في نهاية خلافته قال: لو استقبلت من أمري مااستدبرت لرجعت إلى طريقة أبي بكر فسويت بين الناس( ).
وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح، فيحمل في سبيل الله، واشترى عاماً قطائف (القطيفة كساء مخمل) أتى بها من البادية، ففرقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء وقد بلغ المال الذي ورد على أبي بكر في خلافته مائتي ألف وزعت في أبواب الخير( ).
لقد اتبع ابو بكر  المنهج الرباني في إقرار العدل، وتحقيق المساواة بين الناس وراعى حقوق الضعفاء فرأى أن يضع نفسه في كفة هؤلاء الواهنة أصواتهم فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد وإرادة واعية لاتستذلها عوامل القوة الأرضية فتملي كلمتها .. إنه الإسلام في فقه رجل دولته النابه الذي قام يضع القهر تحت أقدام قومه، ويرفع بالعدل رؤوسهم فيؤمن به كيان دولته ويحفظ لها دورها في حراسة الملة والأمة( ).
لقد قام الصديق منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصديق سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردد قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (سورة النحل، آية:90).
أكان أبو بكر يريد أن يطمئن المسلمون إلى دينهم، وحرية الدعوة إليه، وإنما تتم الطمأنينة للمسلمين ماقام الحاكم فيهم على أساس من العدل المجرد عن الهوى.
والحكم على هذا الأساس يقتضي الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات، والتجرد لله تجرداً مطلقاً جعله يشعر بضعف الضعيف، وحاجة المجتمع ويسمو بعدله على كل هوى، وينسى في سبيل ذلك نفسه وأبناءه، وأهله، ثم يتتبع أمور الدولة جليلها، ورقيقها بكل ما أتاه الله من يقظة وحذر( ).
وبناء على ماسبق يرفع العدل لواءه بين الناس، فالضعيف آمن على حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لايمنع حقه ولايضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة لذي سطوة أو مكانة، وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض( ).
وما أجمل ماقاله ابن تيمية رحمه الله: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولاينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة،... بالعدل تستصلح الرجال، وتستغزر الأموال( ).
5-الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم:
قال أبو بكر : الصدق أمانة والكذب خيانة( ) أعلن الصديق  مبدأ أساسياً تقوم عليه خطته في قيادة الأمة وهو: أن الصدق بين الحاكم والأمة هو أساس التعامل، وهذا المبدأ السياسي الحكيم له الأثر الهام في قوة الأمة حيث ترسيخ جسور الثقة بينها وبين حاكمها إنه خلق سياسي منطلق من دعوة الإسلام إلى الصدق قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (سورة التوبة، آية:119) ومن التحذير منه كقول رسول الله : ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة ولايزكيهم ولاينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر( ).
فهذه الكلمات (الصدق أمانة) اكتست بالمعاني، فكأن لها روحاً تروح بها وتغدو بين الناس، تلهب الحماس، وتصنع الأمل، (والكذب خيانة) وهكذا يأبى أبو بكر إلا أن يمس المعاني، فيسمي الأشياء بأسمائها، فالحاكم الكذاب هو ذلك الوكيل الخائن الذي يأكل خبز الأمة ثم يخدعها، فما أتعس حاكم يتعاطى الكذب فيسميه بغير اسمه، لقد نعته الصديق بالخيانة، وأنه عدو أمته الأول .. وهل بعد الخيانة من عداوة؟ حقا لازال الصديق يطل على الدنيا من موقفه هذا فيرفع أقواماً ويسقط آخرين! .. وتظل صناعة الرجال أرقى فنون الحكم! إذ هم عدة الأمة ورصيدها الذي تدافع به عن نفسها ملمات الأيام، ولاشك أن من تأمل كلمات أبي بكر تلك أصدقته الخبر بأن الرجل كان رائداً في هذا الفن الرفيع، فقد ك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:06 am

رسول الله بسنة فقال: قام فينا رسول الله  مقامي هذا عام أول، ثم بكى أبو بكر ثم قال: وفي رواية، ثم ذرفت عيناه، فلم يستطيع من العبرة أن يتكلم، ثم قال: أيها الناس: اسألوا الله العافية، فإنه لم يعط أحد خير من العافية بعد اليقين، وعليكم بالصدق فإنه مع البر، وهما في الجنة، وإياكم والكذب، فإنه مع الفجور، وهما في النار ولاتقاطعوا ولاتدابروا، ولاتباغضوا، ولاتحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً( )، وقال الزبير بن العوام : إن أبا بكر قال وهو يخطب الناس: يامعشر المسلمين: استحيوا من الله عزوجل، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب الغائط في الفضاء متقنعاً بثوبي استحياء من ربي عزوجل( ) وعن عبدالله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر  فقال: أما بعد:
فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاح بالمسألة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}، ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، فاشترى القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لاتفنى عجائبه، ولايطفأ نوره، فصدقوا قوله، وانتصحوا كتابه، واستوضئوا منه ليوم الظلمة، فإنما خلقكم للعبادة، ووكل بكم الكرام الكاتبين يعلمون ماتفعلون ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيّب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم وأنتم في عمل لله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فيردكم إلى أسوأ أعمالكم، فإن أقواماً جعلوا آجالهم لغيرهم، ونسوا أنفسهم، فأنهاكم أن تكونوا مثلهم. فالوحا الوحا( )، ثم النجا النجا، فإن وراءكم طلباً حثيثاً مَرُّهُ( ) سريع وفي رواية أخرى: أين من تعرفون من إخوانكم؟! ومن أصحابكم؟! قد وردوا على ماقدموا، قدموا ماقدموا في أيام سلفهم، وحلوا فيه بالشقوة والسعادة. أين الجبارون الذين بنوا المدائن، وحففوها بالحوائط، قد صاروا تحت الصخر والآبار. أين الوضاءة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك وأين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا في ظلمات القبور. لاخير في قول لايراد به وجه الله، ولاخير في مال لاينفق في سبيل الله، ولاخير فيمن يغلب جهله حلمه، ولاخير فيمن يخاف في الله لومة لائم.
إن الله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيراً، ولايصرفه عن سوءاً، إلا بطاعته واتباع أمره، وإنه لاخير بخير بعده النار، ولاشر بشر بعده الجنة، واعلموا أنكم ما أخلفتم لله عزوجل فربكم أطعتم، وحقكم حفظتم، وأوصيكم بالله لفقركم وفاقتكم أن تتقوه، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تستغفروه إنه كان غفاراً، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم( ).
وهكذا كان الصديق يهتم بالمجتمع فيوعظ المسلمين، ويحثهم على الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فهذا غيظ من فيظ، وقليل من كثير.
2-القضاء في عهد الصديق:
يعتبر عهد الصديق بداية العهد الراشدي الذي تتجلى أهميته بصلته بالعهد النبوي وقربه منه، فكان العهد الراشدي عامة، والجانب القضائي خاصة، امتداداً للقضاء في العهد النبوي، مع المحافظة الكاملة والتامة على جميع ماثبت في العهد النبوي، وتطبيقه بحذافيره وتنفيذه بنصه ومعناه، وتظهر أهمية العهد الراشدي في القضاء بأمرين أساسيين:
• المحافظة على نصوص العهد النبوي في القضاء، والتقيد بما جاء فيه، والسير في ركابه، والاستمرار في الالتزام به.
• وضع التنظيمات القضائية الجديدة لترسيخ دعائم الدولة الإسلامية الواسعة ومواجهة المستجدات المتنوعة( ).
كان أبو بكر  يقضي بنفسه إذا عرض له قضاء، ولم تفصل ولاية القضاء عن الولاية العامة في عهده، ولم يكن للقضاء ولاية خاصة مستقلة كما كان الأمر في عهد رسول الله ، إذ كان الناس على مقربة من النبوة، يأخذون أنفسهم بهدي الإسلام، وتقوم حياتهم على شريعته، وقلما توجد بينهم خصومة تذكر، ففي المدينة عهد أبو بكر إلى عمر بالقضاء، ليستعين به في بعض الأقضية ولكن هذا لم يعطي لعمر صفة الاستقلال بالقضاء( )، وأقر أبو بكر  معظم القضاة والولاة الذين عينهم رسول الله واستمروا على ممارسة القضاء والولاية أو أحديهما في عهده( ) وسوف نأتي على ذكر الولاة وأعمالهم بإذن الله تعالى.
وأما مصادر القضاء في عهد الصديق  هي:
1-القرآن الكريم.
2-السنة النبوية ويندرج فيها قضاء رسول الله .
3-الإجماع، باستشارة أهل العلم والفتوى.
4-الاجتهاد والرأي، وذلك عند عدم وجود مايحكم به من كتاب أو سنة أو إجماع( ).
فكان ابو بكر  إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه مايقضي به قضى، فإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله ، فإن وجد فيها مايقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس، هل علمتم أن رسول الله  قضى فيه بقضاء، فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا أو بكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله، يقول عندئذ: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا وإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به( )، ويظهر أن الصديق يرأى الشورى ملزمة إذا اجتمع رأي أهل الشورى على أمر، إذ لايجوز للإمام مخالفتهم وهذا ماحكى عنه في القضاء فإنه كان إذا اجتمع رأي المستشارين على الأمر قضى به وهذا ماأمر به عمرو بن العاص عندما أرسل إليه خالد بن الوليد مدداً حيث قال له: شاورهم ولاتخالفهم( )، وكان  يتثبت في قبول الأخبار، فعن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال: ما أجد لك في كتاب الله تعالى شيئاً، وماعلمت أن رسول الله  ذكر لك شيئاً، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله  يعطيها السدس فقال أبو بكر: هل معك أحد؟ فشهد ابن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر ( )، وكان يرأى أن القاضي لايحكم بعلمه الشخصي، إلا إذا كان معه شاهد آخر يعزز هذا العلم، فقد روي عن أبي بكر  أنه قال: لو رأيت رجلاً على حد، لم أعاقبه حتى تقوم البينة عليه، أو يكون معي شاهد آخر( )، وهذه بعض الأقضية التي صدرت في عهد أبي بكر :
أ-قضيه قصاص:
قال علي بن ماجدة السهمي: قاتلت رجلاً، فقطعت بعض أذنه، فقدم أبو بكر حاجا، فرفع شأننا إليه، فقال لعمر: انظر هل بلغ أن يقتص منه، قال: نعم، عليَّ بالحجّام، فلما ذكر الحجام قال أبو بكر: سمعت رسول الله  يقول: إني وهبت لخالتي غُلاما، أرجو أن يبارك لها فيه، وإني نهيتها أن تجعله حجاماً، أو قصّاباً، أو صانعاً( ).
2-نفقة الوالد على الولد:
عن قيس بن حازم قال: حضرت أبا بكر الصديق ، فقال له رجل: ياخليفة رسول الله: هذا يريد أن يأخذ مالي كله ويجتاحه، فقال أبو بكر : إنما لك من ماله مايكفيك، فقال: ياخليفة رسول الله ، أليس قال رسول الله : أنت ومالك لأبيك؟ فقال أبو بكر : ارض بما رضي الله به، ورواه غيره عن المنذر بن زياد، وقال فيه: إنما يعني بذلك النفقة( ).
3-الدفاع المشروع:
عن أبي مليكة عن جده أن رجلاً عضَّ يد رجل فأنذَرَ ثنيته (قلع سنه) فأهدرها أبو بكر( ).
4-الحكم بالجلد:
روى الإمام مالك عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته: أن أبا بكر الصديق أتى برجل قد وقع على جارية بكر فأحبلها، ثم اعترف على نفسه بالزنا، ولم يكن أحصن، فأمر به أبو بكر فجلد الحدَّ، ثم نُفي إلى فدك( )، وفي رواية بأنه لم يجلد الجارية ولم ينفها لأنها استكرهت، ثم زوجها إياه أبو بكر وأدخله عليها( )، وعندما سئل الصديق عن رجل زنى بامرأة، ثم يريد أن يتزوجها قال: مامن توبة أفضل من أن يتزوجها، خرجا من سفاح إلى نكاح( ).
5-الحضانة للأم مالم تتزوج:
طلق عمر بن الخطاب امرأته الأنصارية-أم ابنه عاصم- فلقيها تحمله بمُحَسِّر( )، ولقيه قد فُطم ومشى، فأخذ بيديه لينتزعه منها، ونازعها إياه حتى أوجع الغلام وبكى، وقال: أنا أحق بإبني منك. فاختصمها إلى أبي بكر، فقضى لها به، وقال: ريحها، وحِجْرُها وفرشها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه( ) وفي رواية: هي أعطف وألطف وأرحم وأحْنا وأرأف، وهي أحق بولدها مالم تتزوج( ).
هذه بعض الأقضية والأحكام التي حدثت في عهد الصديق  هذا وقد تميز القضاء في عهد الصديق بعدة أمور منها:
أ-كان القضاء في عهد الصديق امتداداً لصورة القضاء في العهد النبوي، بالالتزام به، والتأسي بمنهجه، وانتشار التربية الدينية، والإرتباط بالإيمان والعقيدة والاعتماد على الوازع الديني، والبساطة في سير الدعوى، واختصار الإجراءات القضائية، وقلة الدعاوى والخصومات.
ب- اصبحت الأحكام القضائية في عصر الصديق موئل الباحثين، ومحط الأنظار للفقهاء، وصارت الأحكام القضائية، مصدراً للأحكام الشرعية، والاجتهادات القضائية، والآراء الفقهية في مختلف العصور.
جـ-مارس الصديق وبعض ولاته النظر في المنازعات، وتولي القضاء بجانب الولاية.
د-ساهمت فترة الصديق في ظهور مصادر جديدة للقضاء في العهد الراشدي، وصارت مصادر الأحكام القضائية هي: القرآن الكريم، والسنة الشريفة، الإجماع، القياس، السوابق القضائية، الرأي الاجتهادي مع المشورة( ).
هـ-كانت آداب القضاء مرعية في حماية الضعيف، ونصرة المظلوم، والمساواة بين الخصوم وإقامة الحق والشرع على جميع الناس، ولو كان الحكم على الخليفة أو الأمير أو الوالي، وكان القاضي في الغالب يتولى تنفيذ الأحكام، إن لم ينفذها الأطراف طوعاً واختياراً، وكان التنفيذ عقب صدور الحكم فوراً( ).
3-الولاية على البلدان:
كان أبو بكر يستعمل الولاة في البلدان المختلفة ويعهد إليهم بالولاية العامة في الإدارة والحكم والإمامة، وجباية الصدقات، وسائر أنواع الولايات، وكان ينظر إلى حسن اختيار الرسول للأمراء والولاة على البلدان فيقتدي به في هذا العمل، ولهذا نجده قد أقر جميع عمال الرسول الذين توفي الرسول وهم على ولايتهم، ولم يعزل أحداً منهم إلا ليعينه في مكان آخر أكثر أهمية من موقعه الأول ويرضاه كما حدث لعمرو بن العاص( ) وكانت مسؤوليات الولاة في عهد أبي بكر الصديق  بالدرجة الأولى امتداداً لصلاحياتهم في عصر الرسول  خصوصاً الولاة الذين سبق تعيينهم أيام الرسول ويمكن تلخيص أهم مسئوليات الولاة في عصر أبي بكر وهي:
أ-إقامة الصلاة وإمامة الناس وهي المهمة الرئيسية لدى الولاة نظراً لما تحمله من معان دينية ودنيوية سياسية واجتماعية حيث الولاة يؤمون الناس وعلى وجه الخصوص في صلاة الجمعة، والأمراء دائماً كانت توكل إليهم الصلاة سواء كانوا أمراء على البلدان أم أمراء على الأجناد.
ب-الجهاد كان يقوم به أمراء الأجناد في بلاد الفتح، فكانوا يتولون أموره ومافيه من مهام مختلفة بأنفسهم أو ينيبون غيرهم في بعض المهام كتقسيم الغنائم أو المحافظة على الأسرى، أو غير ذلك، وكذلك مايتبع هذا الجهاد من مهام أخرى كمفاوضة الأعداء وعقود المصالحة معهم وغيرها، ويتساوى في المهمات الجهادية أمراء الأجناد في الشام والعراق وكذلك الأمراء في البلاد التي حدثت فيها الردة كاليمن والبحرين وعمان ونجد، نظراً لوجود تشابه في العمليات الجهادية مع اختلاف الأسباب الموجهة لهذه العمليات.
ت-إدارة شؤون البلاد المفتوحة وتعيين القضاة والعمال عليها من قبل الأمراء أنفسهم، وبإقرار من الخليفة أبي بكر، أو تعيين من أبي بكر ، عن طريق هؤلاء العمال( ).
جـ-أخذ البيعة للخليفة، فقد قام الولاة في اليمن وفي مكة والطائف وغيرها بأخذ البيعة لأبي بكر  من أهل البلاد التي كانوا يتولون عليها.
ح-كانت هناك أمور مالية توكل إلى الولاة إو إلى من يساعدهم ممن يعينهم الخليفة أو الوالي لأخذ الزكاة من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء أو أخذ الجزية من غير المسلمين وصرفها في محلها الشرعي وهي امتداد لما قام به ولاة الرسول في هذا الخصوص.
خ-تجديد العهود القائمة من أيام الرسول  حيث قام والي نجران بتجديد العهد الذي كان بين أهلها وبين الرسول  بناء على طلب نصارى نجران( ).
د-كانت من أهم مسؤوليات الولاة إقامة الحدود وتأمين البلاد وهم يجتهدون رأيهم فيما لم يكن فيه نص شرعي، كما فعل المهاجر بن أبي أمية بالمرأتين اللتين تغنتا بذم الرسول وفرحتا بوفاته وسيأتي بيان ذلك بإذن الله تعالى في جهاد الصديق لأهل الردة.
س-كان للولاة دور رئيسي في تعليم الناس أمور دينهم وفي نشر الإسلام في البلاد التي يتولون عليها وكان الكثير من هؤلاء الولاة يجلسون في المساجد يعلمون الناس القرآن والأحكام وذلك عملاً بسنة الرسول  وتعتبر هذه المهمة من أعظم المهام وأجلها في نظر الرسول وخليفته أبي بكر، وقد اشتهر عن ولاة أبي بكر ذلك حيث يتحدث أحد المؤرخين عن عمل زياد والي أبي بكر على حضرموت فيقول: فلما أصبح زياد غداً يقرئ الناس كما كان يفعل قبل ذلك( ).
وبهذا التعليم كان للولاة دور كبير في نشر الإسلام في ربوع البلاد التي يتولونها، وبهذا التعليم تثبت أقدام الإسلام سواء في البلاد المفتوحة الحديثة عهد بالإسلام أو في البلاد التي كانت مسلمة وارتدت، وهي حديثة عهد بالردة جاهلة بأحكام دينها، إضافة إلى أن البلاد المستقرة كمكة والطائف والمدينة، كان بها من يقرئ الناس بأمر من الولاة أو الخليفة نفسه، أو من يعينه الخليفة على التعليم في هذه البلدان( ).
وقد كان الوالي هو المسؤل مسئولية مباشرة عن إدارة الأقليم الذي يتولاه وفي حالة سفر هذا الوالي فإنه يتعين عليه أن يستخلف أو ينيب عنه من يقوم بعمله حتى يعود هذا الوالي إلى عمله، ومن ذلك أن المهاجر بن أبي أمية عينه الرسول على كندة ثم أقره أبو بكر بعد وفاة الرسول ولم يصل المهاجر إلى اليمن مباشرة وتأخر نظراً لمرضه فأرسل إلى (زياد بن لبيد) ليقوم عنه بعمله حتى شفائه وقدومه، وقد أقرأ أبو بكر ذلك( )، كذلك كان خالد أثناء ولايته للعراق ينيب عنه في الحيرة من يقوم بعمله حتى عودته.
وكان أبو بكر  يشاور الكثير من الصحابة قبل إختيار أحد من الأمراء سواء على الجند أو على البلدان، ونجد في مقدمة مستشاري أبي بكر في هذا الأمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما( )، كما كان أبو بكر  يشاور الشخص الذي يريد توليته قبل أن يعينه وعلى وجه الخصوص إذا أراد أن ينقل الشخص من ولاية إلى أخرى كما حدث حينما أراد أن ينقل عمرو بن العاص من ولايته التي ولاه عليها الرسول إلى ولاية جند فلسطين، فلم يصدر أبو بكر قراره إلا بعد أن استشاره وأخذ منه موافقة على ذلك( )، كذلك الحال بالنسبة للمهاجر بن أمية الذي خيّره أبو بكر بين اليمن أو حضرموت فاختار المهاجر اليمن فعينه أبو بكر عليها( ).
ومن الأمور التي سار عليها أبو بكر  أنه كان يعمل بسنة النبي  في تولية بعض الناس على قومهم إذا وجد فيهم صلحاء، كالطائف وبعض القبائل وكان أبو بكر  عندما يريد أن يعين شخصاً على ولاية يكتب للشخص المعين عهداً له على المنطقة التي ولاه عليها، كما أنه في كثير من الأحيان قد يحدد له طريقه إلى ولايته ومايمر عليه من أماكن خصوصاً إذا كان التعيين مختصاً بمنطقة لم تفتح بعد ولم تدخل ضمن سلطات الدولة ويتضح ذلك في حروب الردة، وفتوح الشام والعراق وقام الصديق أحياناً بضم بعض الولايات إلى بعض، خصوصاً بعد الانتهاء من قتال المرتدين فقد ضم أبو بكر كندة إلى زياد بن لبيد البياضي، وكان والياً على حضرموت واستمر بعد ذلك والياً لحضرموت وكندة( ).
وكانت معاملة أبي بكر للولاة تتسم بالاحترام المتبادل الذي لم تشبه شائبة، وأما عن الاتصالات بين الولاة وبين الخليفة أبي بكر  فقد كانت تجري بصفة دائمة وكانت هذه الاتصالات تختص بمصالح الولاية ومهام العمل، فقد كان الولاة كثيراً مايكتبون لأبي بكر في مختلف شئونهم يستشيرونه، وكان أبو بكر يكتب لهم الاجابة على استفساراتهم، أو يوجه لهم أوامره وكانت الرسل تأتي بالأخبار من الولاة سواء أخبار الجهاد أو قبل ذلك على جبهات حروب المرتدين كذلك كان الولاة يبعثون بأخبار ولاياتهم من تلقاء أنفسهم( )، وكان الولاة يتصل بعضهم ببعض عن طريق الرسل أو عن طريق الاتصال المباشر واللقاءات، وتتمثل هذه اللقاءات والاتصالات بالدرجة الأولى بين ولاة اليمن وحضرموت بعضهم مع بعض، وكذلك الحال بالنسبة لولاة الشام، الذين كانوا كثيراً مايجتمعون لتدارس أمورهم العسكرية بالدرجة الأولى، وكانت كثير من مراسلات أبي بكر  تختص بحث الولاة على الزهد في الدنيا وطلب الآخرة، وكانت بعض هذه النصائح تصدر على شكل كتب عامة رسمية من الخليفة نفسه إلى مختلف الولاة وأمراء الأجناد( ) هذا وقد قسمت الدولة الإسلامية في عهد أبي بكر إلى عدة ولايات وهذه أسماء الولايات والولاة:
أ-المدينة: عاصمة الدولة وبها الخليفة أبو بكر .
ب-مكة: وأميرها عتاب بن أسيد وهو الذي ولاّه الرسول  واستمر مدة حكم أبي بكر.
ت-الطائف: وأميرها عثمان بن أبي العاص، ولاّه رسول الله  وأقره أبو بكر عليها.
ث-صنعاء: وأميرها المهاجر بن أبي أمية، وهو الذي فتحها ووليها بعد انتهاء أمر الردة.
جـ-حضرموت: ووليها زياد بن لبيد.
حـ-زبيد ورقع: ووليها أبو موسى الأشعري.
خـ-خولان: ووليها يعلى بن أبي أمية.
ذ-الجند: وأميرها معاذ بن جبل.
س-نجران: ووليها جرير بن عبدالله.
ش-جرش: ووليها عبدالله بن نور.
ك-البحرين: ووليها العلاء بن الحضرمي.
ل-العراق والشام كان أمراء الجند هم ولاة الأمر فيها.
و-عمان: ووليها حذيفة بن محصن.
هـ-اليمامة: ووليها سليط بن قيس( ).
4-موقف علي والزبير رضي الله عنهما من خلافة الصديق:
وردت أخبار كثيرة في شأن تأخر علي عن مبايعة الصديق رضي الله عنهما وكذا تأخر الزبير بن العوام وجُلّ هذه الأخبار ليس بصحيح إلا مارواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن عليا والزبير، ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ( )، فقد كان انشغال جماعة من المهاجرين وعلى رأسهم علي بن أبي طالب بأمر جهاز رسول الله  من تغسيل، وتكفين، ويبدو ذلك واضحاً فيما رواه الصحابي سالم بن عبيد  من أن أبا بكر قال لأهل بيت النبي، وعلى رأسهم علي: عندكم صاحبكم، فأمرهم يغسلونه( ).
وقد بايع الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما أبا بكر في اليوم التالي لوفاة الرسول، وهو يوم الثلاثاء، قال أبو سعيد الخدري: لما صعد أبو بكر المنبر، نظر في وجوه القوم، فلم ير الزبير بن العوام فدعا بالزبير فجاء، فقال له أبو بكر: يابن عمة رسول الله ، وحوارّيه، أتريد أن تشقَّ عصا المسلمين؟ فقال الزبير: لاتثريب عليك ياخليفة رسول الله، فقام الزبير، فبايع أبا بكر!، ثم نظر أبو بكر في وجوه القوم، فلم ير علي بن أبي طالب فدعا بعلي، فجاء. فقال له أبو بكر: يا ابن عمّ رسول الله ، وختنه على ابنته، أتريد أن تشق عصا المسلمين؟
فقال علي: لاتثريب عليك ياخليفة رسول الله ، فقام علي، فبايع أبا بكر( )!
ومما يدل على أهمية حديث أبي سعيد الخدري الصحيح أن الإمام (مسلم بن الحجاج) صاحب الجامع الصحيح الذي هو أصح الكتب الحديثية بعد صحيح البخاري- ذهب إلى شيخه الإمام الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة – صاحب صحيح ابن خزيمة – فسأله عن هذا الحديث، فكتب له ابن الخزيمة الحديث، وقرأه عليه، فقال مسلم لشيخه ابن خزيمة: هذا الحديث يساوي بدنة، فقال ابن خزيمة: هذا الحديث لايساوي بَدَنَة( ) فقط، إنه يساوي بدرة( ) مال، وعلق على هذا الحديث ابن كثير –رحمه الله- فقال: هذا إسناد صحيح محفوظ، وفيه فائدة جليلة، وهي مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة، وهذا حق، فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه( )، وفي رواية حبيب بن أبي ثابت، حيث قال: كان علي بن أبي طالب في بيته، فأتاه رجل، فقال له: قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج عليُّ إلى المسجد في قميص له، ماعليه إزار ولارداء، وهو متعجِّل، كراهة أن يبطئ عن البيعة. فبايع أبا بكر، ثم جلس، وبعث إلى ردائه، فجاؤوه به، فلبسه فوق قميصه( ) وقد سأل عمرو بن حريث سعيد بن زيد ، فقال له: أشهِدْتَ وفاة رسول الله ؟
قال: نعم.
قال له: متى بويع أبو بكر؟
قال سعيد: يوم مات رسول الله ، كره المسلمون أن يبقوا بعض يوم، وليسوا في جماعة.
قال: هل خالف أحد أبا بكر؟
قال سعيد: لا. لم يخالفه إلا مرتد، أو كاد أن يرتد، وقد أنقذ الله الأنصار، فجمعهم عليه وبايعوه.
قال: هل قعد أحد من المهاجرين عن بيعته؟
قال سعيد: لا. لقد تتابع المهاجرون على بيعته( )!!.
وأما علي  فلم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع عنه في جماعة من الجماعات، وكان يشاركه في المشورة، وفي تدبير أمور المسلمين( ).
ويرى ابن كثير وكثير من أهل العلم أن علياً جدّد بيعته بعد ستة أشهر من البيعة الأولى أي بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها، وجاءت في هذه البيعة روايات صحيحة( ).
وكان علي في خلافة أبي بكر عيبة نصح له، مرجِّحاً لما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين على أي شيء آخر، ومن الدلائل الساطعة على إخلاصه لأبي بكر ونصحه للإسلام والمسلمين وحرصه على الاحتفاظ ببقاء الخلافة واجتماع شمل المسلمين ماجاء من موقفه من توجه أبي بكر  بنفسه إلى ذي القصة( )، وعزمه على محاربة المرتدين، وقيادته للتحركات العسكرية ضدهم بنفسه، وماكان في ذلك من مخاطرة وخطر على الوجود الإسلامي( )، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما برز أبو بكر إلى ذي القصة، واستوى على راحلته أخذ علي بن أبي طالب بزمامها، وقال: إلى أين ياخليفة رسول الله ؟ أقول لك ماقال رسول الله  يوم أحد: لمَّ سيفك ولاتفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لايكون للإسلام نظام أبداً فرجع( ).
فلو كان علي  -أعاذه الله من ذلك- لم ينشرح صدره لأبي بكر وقد بايعه على رغم من نفسه، فقد كانت هذه فرصة ذهبية ينتهزها علي، فيترك أبا بكر وشأنه، لعله يحدث به حدث فيستريح منه ويصفو الجو له، وإذا كان فوق ذلك
-حاشاه عنه- من كراهته له وحرصه على التخلُّص منه، أغرى به أحداً يغتاله، كما يفعله الرجال السياسيون بمنافسيهم وأعدائهم( ).
5-(إنا معشر الأنبياء لانُرَثُ ماتركنا صدقة)( ):
قالت عائشة رضي الله عنها: أن فاطمة والعباس رضي الله عنهم: أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله  وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله  يقول: لانورث، ماتركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال( )، وفي رواية قال أبو بكر : … لست تاركاً شيئاً كان رسول الله  يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ( ).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن أزواج النبي ، حين توفى رسول الله ، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان  إلى أبي بكر، يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قال رسول الله : لانورث ماتركنا صدقة( )، وعن أبي هريرة  قال رسول الله : لايقتسم ورثتي ديناراً، ماتركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة( ).
وهذا مافعله أبو بكر الصديق  مع فاطمة رضي الله عنها إمتثالاً لقوله  لذلك قال الصديق: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله يعمل به إلا عملت به( )، وقال: والله لاأدع أمراً رأيت رسول الله  يصنعه فيه إلا صنعته( ).
وقد تركت فاطمة رضي الله عنها منازعته بعد احتجاجه بالحديث وبيانه لها وفيه دليل على قبولها الحق واذعانها لقوله : قال ابن قتيبة( )، وأما منازعة فاطمة أبا بكر رضي الله عنهما في ميراث النبي  فليس بمنكر، لأنها لم تعلم ماقاله رسول الله  وظنت أنها ترثه كما يرث الأولاد آباءهم فلما أخبرها بقوله كفت( ).
وقال القاضي عياض: وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر بعد احتجاجه عليها بالحديث التسليم للإجماع على قضية، وأنها لما بلغها الحديث وبين لها التأويل تركت رأيها ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك طلب ميراث ثم ولي علي الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهم( ).
وقال حماد بن إسحاق: والذي جاءت به الروايات الصحيحة فيما طلبه العباس وفاطمة وعلي لها وأزواج النبي  من أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً إنما هو الميراث حتى أخبرهم أبو بكر والأكابر من أصحاب رسول الله  أنه قال: (لانورث ماتركنا صدقة) فقبلوا بذلك وعلموا أنه الحق ولو لم يقل رسول الله  ذلك كان لأبي بكر وعمر فيه الحظ الوافر بميراث عائشة وحفصة رضي الله عنهما فآثروا أمر الله وأمر رسوله، ومنعوا عائشة وحفصة، ومن سواهما ذلك، ولو كان رسول، يورث، لكان لأبي بكر وعمر أعظم الفخر به أن تكون ابنتاهما وارثتي محمد ( ).
وأما ماذكره من الرواة في كون فاطمة رضي الله عنها غضبت وهجرت الصديق حتى ماتت فبعيد جداً لعدة أدلة منها:
أ-مارواه البيهقي من طريق الشعبي: أن أبا بكر عاد فاطمة، فقال لها علي: هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت: أتحب أن آذن له قال: نعم فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت( )، وبهذا يزول الإشكال الوارد في تمادي فاطمة رضي الله عنها لهجر أبي بكر الصديق ، كيف وهو القائل: والله لقرابة رسول الله ، أحب إليّ أن أصل من قرابتي( )، ومافعل  إلا امتثالاً وإتباعاً لأمر رسول الله ( ).
ب-لقد انشغلت عن كل شيء بحزنها لفقدها أكرم الخلق، وهي مصيبة تزري بكل المصائب، كما أنها انشغلت بمرضها الذي ألزمها الفراش عن أي مشاركة في أي شأن من الشؤون، فضلاً عن لقاء خليفة المسلمين المشغول -لكل لحظة من لحظاته- بشؤون الأمة، وحروب الردة وغيرها، كما أنها كانت تعلم بقرب لحوقها بأبيها، فقد أخبرها رسول الله  بأنها أول من يلحق به من أهله -ومن كان في مثل علمها لايخطر بباله أمور الدنيا، وما أحسن قول المهلب الذي نقله العيني: ولم يرو أحد، أنهما ألتقيا وامتنعا عن التسليم، وإنما لازمت بيتها، فعبر الراوي عن ذلك بالهجران( ).
هذا ومن الثابت تاريخياً أن أبابكر دام أيام خلافته يعطي أهل البيت حقهم في فيء رسول الله  في المدينة، ومن أموال فدك وخمس خيبر، إلا أنه لم ينفذ فيها أحكام الميراث، عملاً بما سمعه من رسول الله  وقد روي عن محمد بن علي بن الحسين المشهور بمحمد الباقر، وعن زيد بن علي أنهما قالا: إنه لم يكن من أبي بكر -فيما يختص بآبائهم- شيء من الجور أو الشطط، أو مايشكونه من الحيف أو الظلم( ).
ولما توفيت فاطمة رضي الله عنها بعد رسول الله  بستة أشهر على الأشهر، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقاً به، وقال لها مع ذلك: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة( )، وذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة، عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين، قال: ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء، فحضرها أبوبكر وعمر وعثمان والزبير وعبدالرحمن بن عوف، فلما وُضِعت ليُصلى عليها، قال علي: تقدم ياأبابكر، قال أبوبكر: وأنت شاهد ياأبا الحسن؟ قال: نعم تقدم، فوالله لا يصلي عليها غيرك؛ فصلى عليها أبوبكر ودفنت ليلاً، وجاء في رواية: صلى أبوبكر الصديق على فاطمة بنت رسول الله  فكبر عليها أربعاً( ) وفي رواية مسلم صلى عليها علي بن أبي طالب( ).
هذا وقد كانت صلة سيدنا أبي بكر الصديق خليفة رسول الله  بأعضاء أهل البيت، صلة ودية تقديرية تليق به وبهم، وقد كانت هذه المودة والثقة متبادلتين بين أبي بكر وعلي، فقد سمَّى علي أحد أولاده بأبي بكر( )، وقد احتضن علي ابن أبي بكر محمداً بعد وفاة الصديق وكفله بالرعاية ورشحه للولاية في خلافته حتى حسب عليه، وانطلقت الألسنة بانتقاده من أجله( ).
هذا بعض القضايا الداخلية التي عالجها الصديق  والتزم فيها بمتابعة الرسول  بكل دقة وحرص ر وعن جميع الصحابة الكرام الطيبين الأبرار.





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:07 am

الفصل الثالث
جيش أسامة وجهاد الصديق لأهل الردة


المبحث الأول
جيش أسـامة


أولاً: إنفاذ أبي بكر الصديق جيش أسامة رضي الله عنهما:
كانت الدولة الرومانية إحدى الدولتين المجاورتين للجزيرة العربية في عهد النبي ، وكانت تحتل أجزاء كبيرة من شمال الجزيرة، وكان أمراء تلك المناطق يُعيَّنون من قبل الدولة الرومانية وينصاعون لأوامرها.
بعث النبي الكريم  الدعاة والبعوث إلى تلك المناطق، وأرسل دحية الكلبي  بكتاب إلى هرقل ملك الروم، يدعوه فيه إلى الإسلام( )، ولكنه عاند وأخذته العزة بالإثم وكانت خطة الرسول  واضحة المعالم لهز هيبة الروم في نفوس العرب ومن ثم تنطلق جيوش المسلمين لفتح تلك الأراضي، فأرسل  في العام السابع للهجرة جيشاً واشتبك مع نصارى العرب والروم في معركة مؤتة واستشهد قادة الجيش على التوالي، زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبدالله بن رواحة رضي الله عنهم، وتولى قيادة الجيش بعدهم سيف الله خالد بن الوليد ، فعاد بالجيش إلى المدينة النبوية( )، وفي العام التاسع للهجرة خرج رسول الله  بجيش عظيم إلى الشام ووصل إلى تبوك( )، ولم يشتبك جيش المسلمين بالروم ولا القبائل العربية، وآثر حكّام المدن الصلح على الجزية، وعاد الجيش إلى المدينة بعدما مكثوا عشرين ليلة بتبوك( ) وفي العام الحادي عشر ندب النبي  الناس لغزو الروم بالبلقاء وفلسطين، وفيهم كبار المهاجرين والأنصار، وأمر عليهم أسامة رضي الله عنهم( ) قال الحافظ بن حجر: جاء أنه كان تجهيز جيش أسامة  يوم السبت قبل موت النبي  بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي ، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر، ودعا أسامة  فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش( )، وطعن بعض الناس في إمارة أسامة ، فردّ عليهم رسول الله  فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله! إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإنّ هذا لمن أحبّ الناس إليَّ بعده( ). ومرض النبي  بعد البدء بتجهيز هذا الجيش بيومين، واشتدّ وجعه عليه الصلاة والسلام، فلم يخرج هذا الجيش وظل معسكراً بالجرف( )، ورجع إلى المدينة بعد وفاة النبي الكريم ( )، وتغيرت الأحوال مع انتقال الرسول الكريم  إلى رحمة ربه، وصارت كما تصف أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها بقولها: لما قبض رسول الله  ارتدت العرب قاطبة، واشرأبت( ) النفاق والله! قد نزل بي( )، مالو نزل بالجبال الراسيات لهاضها( ) وصار أصحاب محمد  كأنهم معزى( )، مطيرة في حش( ) في ليلة مطيرة بأرض مسبعة( )( ) ولما تولى الخلافة الصديق أمر  رجلاً في اليوم الثالث من مُتَوَّفى رسول الله  أن ينادي في الناس: ليُتمَّ بعث أسامة ، ألا لا يبيتنَّ في المدينة أحد من جند أسامة  إلا خرج إلى عسكره بالجرف( ) ثم قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس: إنما أنا مثلكم، وإني لاأدري لعلكم ستكلفونني ماكان رسول الله  يطيق، إن الله اصطفى محمداً على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع ولست مبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني، وإن رسول الله  قبض وليس لأحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة -ضربة سوط فما دونها- ألا وإن لي شيطاناً يعتريني، فإذا أتاني فاجتنبوني لاأؤثر في أشعاركم وأبشاركم، وأنتم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإنه ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في جهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فإن قوماً نسوا آجالهم، وجعلوا أعمالهم لغيرهم، فإياكم أن تكونوا مثلهم، الجد الجد، والوحا الوحاء، والنجا النجاء، فإن وراءكم طالبا حثيثا- مره سريع - احذروا الموت، واعتبروا بالآباء والأبناء والأخوان، ولاتغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات( ) وقام أيضاً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله لايقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه، فأريدوا الله بأعمالكم، فإنما أخلصتم لحين فقركم وحاجتكم، اعتبروا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم، أين كانوا أمس، وأين هم اليوم، أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب، قد تضعضع بهم الدهر، وصاروا رميماً، قد تولت عليهم العالات ... وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟ قد بعدوا ونسي ذكرهم، وصاروا كلاشئ، إلا أن الله عزوجل قد أبقى عليهم التبعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوا والأعمال أعمالهم، والدنيا دنيا غيرهم، وبعثنا خلفا بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا، وإن انحدرنا كنا مثلهم، أين الوضاءة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابا، وصار مافرطوا فيه حسرة عليهم، أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} (سورة مريم، آية:98)؟ أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم، قد انتهت بهم آجالهم فردوا على ماقدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقاوة أو السعادة بعد الموت، ألا إن الله لاشريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيراً، ولايصرف به عنه سوءاً، إلا بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيد مدينون، وأن ماعنده لايدرك إلا بطاعته أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النارولاتبعد عنه الجنة( )، وفي هذه الخطبة دروس وعبر منها:
أ-بيان طبيعة خليفة رسول الله ، وأنه ليس خليفة عن الله بل عن رسوله  وأنه بشر غير معصوم لايطيق مقام رسول الله  بنبوته ورسالته، ولذلك فهو في سياسته متبع وليس بمبتدع أي أنه على نهج النبي  في الحكم بالعدل والإحسان( ).
ب-بيان واجب الأمة في مراقبة الحاكم لتعينه في إحسانه وصلاحه وتقومه وتنصحه في غير ذلك، ليظل على الطريق متبعاً غير مبتدع.
جـ-بيان أن النبي  عدل بين الأمة فلم يظلم أحداً، ولذلك ليس لأحد عند النبي  مظلمة صغيرة أو كبيرة ومعنى هذا أنه سوف يسير على نفس النهج، ينشر العدل ويبتعد عن الظلم، ومن ثم على الأمة أن تعينه على ذلك، وإذا رآه أحد غاضباً فعليه أن يجتنبه حتى لايؤذي أحدا، فيخالف مارآه في سياسة الاتباع( ) للنبي ، والشيطان الذي يعتري الصديق يعتري جميع بني آدم، فإنه مامن أحد إلا وقد وكَّل الله به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن( )، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فقد قال رسول الله : مامن أحد إلا وقد وكّل به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن، قيل: وأنت يارسول الله؟ قال: وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير( )، وقد جاء في الحديث أيضاً: لما مرّ به بعض الأنصار وهو يتحدث مع صفية ليلاً، فقال: على رسلكما، إنها صفية بنت حيي. ثم قال: إني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شيئاً، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم( ) ومقصود الصديق بذلك: إني لست معصوماً كالرسول  وهذا حق( ).
د-حرص الصديق على وعظ المسلمين وتذكيرهم بالموت وحال الملوك الذين مضوا، وحثهم على العمل الصالح ليستعدوا للقاء الله عزوجل ويستقيموا في حياتهم على منهج الله تعالى( )، وهنا نلحظ توظيف الصديق لقوة البيان في خطبه وفي حديثه للأمة وقد كان  أفصح خطباء النبي  يقول عنه الاستاذ العقاد: أما كلامه فهو من أرجح ماقيل في موازين الخلق والحكمة، وله من مواقع الكلم أمثلة نادرة تدل الواحدة منها على ملكة صاحبها فيغني القليل منها عن الكثير، كما تغني السنبلة الواحدة عن الجرين الحافل، فحسبك أن تعلم معدن القول من نفسه وفكره حين تسمع كلمة كقوله (احرص على الموت تهب لك الحياة) أو قوله: أصدق الصدق الأمانة وأكذب الكذب الخيانة. الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله، فهي كلمات تتسم بالقصد والسداد، كما تتسم بالبلاغة وحسن التعبير، وتنبئ عن المعدن الذي نجمت منه، فتغني عن علامات التثقيف التي يستكثر منها المستكثرون لأن هذا الفهم الأصيل هو اللباب المقصود من التثقيف وكانت له  لباقة في الخطاب إلى جانب البلاغة في الكلام( ).
ثانياً: ماتمّ بين الصديق والصحابة في أمر إنفاذ الجيش:
اقترح بعض الصحابة على الصديق  بأن يبقى الجيش فقالوا: إن هؤلاء جل المسلمين، والعرب كما ترى -قد انتفضت بك فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين( ) وأرسل أسامة من معسكره من الجرف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما إلى أبي بكر يستأذنه أن يرجع بالناس، وقال: إنّ معي وجوه المسلمين وجلتهم، ولاآمن على خليفة رسول الله ، وحرم رسول الله ، والمسلمين أن يتخطفهم المشركون( ).
ولكن أبا بكر خالف ذلك وأصرّ على أن تستمر الحملة العسكرية في تحركها إلى الشام مهما كانت الظروف والأحوال والنتائج، ولم يرتاح أسامة وهيئة أركان حربه لإصرار الخليفة على رأيه وقد بذلوا لدى الخليفة عدة محاولات كي يقنعوه بصواب فكرتهم، وعندما كثر الإلحاح على أبي بكر، دعا عامة المهاجرين والأنصار إلى اجتماع في المجلس لمناقشة هذا الأمر معهم، وفي هذا الاجتماع دار نقاش طويل متشعب وكان أشد المعارضين لاستمرار حملة الشام عمر بن الخطاب، مبدياً تخوفه الشديد على الخليفة وحرم رسول الله وكل المدينة وأهلها من أن تقع في قبضة الأعراب المرتدين المشركين، وعندما أكثر وجوه الصحابة بهذا الصدد على الخليفة وخوفوه مما ستتعرض له المدينة من أخطار جسام إن هو أصرّ على تحريك جيش أسامة لغزو الروم أمر بفض الاجتماع الأول( )، بعد أن سمع الصديق لرأيهم واستوضح منهم إن كان لأحدهم مايقول وذلك حتى يعطي إخوانه وأهل الرأي كامل الفرصة لبيان رأيهم( ) أمر بفض الاجتماع الاول ثم دعاهم إلى اجتماع عام آخر في المسجد، وفي هذا الاجتماع طلب من الصحابة أن ينسوا فكرة إلغاء مشروع وضعه رسول الله  بنفسه وأبلغهم أنه سينفذ هذا المشروع حتى لو تسبب تنفيذه في احتلال المدينة من قبل الأعراب المرتدين، فقد وقف خطيباً وخاطب الصحابة( ) قائلاً: والذي نفس أبي بكر بيده! لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله . ولو لم يبقى في القرى غيري لأنفذته( ).
نعم لقد كان أبو بكر مصيباً فيما عزم عليه من بعث أسامة مخالفاً بذلك رأي جميع المسلمين، لأن في ذلك أمراً من رسول الله، وقد أثبتت الأيام والأحداث سلامة رأيه وصواب قراره الذي اعتزم تنفيذه( ).
وطلبت الأنصار رجلاً أقدم سناً من أسامة يتولى أمر الجيش وأرسلوا عمر بن الخطاب ليحدث الصديق في ذلك، فقال عمر : فإن الأنصار تطلب رجلاً أقدم سناً من أسامة  فوثب أبو بكر  وكان جالساً وأخذ بلحية عمر  وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله  وتأمرني أن أعزله( )، فخرج عمر  إلى الناس فقالوا: ماصنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم! مالقيت في سببكم من خليفة رسول الله ( ).
ثم خرج أبو بكر الصديق  حتى أتاهم، فأشخصهم، وشيعهم، وهو ماش راكب، وعبدالرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر رضي الله عنهم، فقال له أسامة : ياخليفة رسول الله : والله لتركبن أو لأنزلن. فقال: والله لاتنزل، ووالله لاأركب. وماعلي أن أغبر قدميَّ في سبيل الله( ).
ثم قال الصديق  لأسامة : إن رأيت تعينني بعمر  فافعل، فأذن له( ). ثم توجه الصديق  إلى الجيش فقال: يا أيها الناس! قفوا أوصيكم بعشر، فاحفظوها عني:
لاتخونوا ولاتغلوا، ولاتغدروا ولاتمثلوا( )، ولاتقطعوا شجرة مثمرة، ولاتذبحوا شاة ولابقرة ولابعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم ومافرّغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم منه شيئاً بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها. وتلقون أقواماً قد فحصوا( ) أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فأخفقوهم( ) بالسيف خفقاً. اندفعوا باسم الله( ) وأوصى الصديق أسامة رضي الله عنهما أن يفعل ما أمر به النبي الكريم  قائلاً: اصنع ماأمرك به نبي الله ، ابدأ ببلاد قضاعة، ثم إيت آبل( )، ولاتقصرن في شيء من أمر رسول الله  ولاتعجلنَّ لما خلَّفت عن عهده( )، ومضى أسامة  بجيشه، وانتهى إلى ما أمر به النبي  من بث الخيول في قبائل قضاعة، والغارة على آبل، فسَلِم وغنم( )، وكان مسيره ذاهباً وقافلاً أربعين يوماً( ).
وقدم بنعي رسول الله على هِرَقل وإغارة أسامة في ناحية أرضه خبراً واحداً، فقالت الروم: مابال هؤلاء يموت صاحبهم ثم أغاروا على أرضنا( )، وقال العرب: لو لم يكن لهم قوة لما أرسلوا هذا الجيش( )، فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه( ).
ثالثاً: أهم الدروس والعبر والفوائد من انفاذ الصديق جيش أسامة:
1-الأحوال تتغير وتتبدل والشدائد لاتشغل أهل الإيمان عن أمر الدين:
ماأشد التحول وأخطره! وماأسرعه كذلك! سبحان الله الذي يقلّب الأحوال كيفما يشاء {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} (سورة البروج، آية:16)، {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (سورة الأنبياء، آية:23). تأتي وفود العرب مذعنة منقادة، مطيعة، وبهذه الكثرة حتى سمّي العام التاسع عام الوفود، ثم تتقلب الأحوال فيخشى من أن تأتي القبائل العربية للإغارة على المدينة المنورة عاصمة الإسلام( )، بل قد جاءت للإغارة للقضاء -على حسب زعمها الباطل - على الإسلام والمسلمين( )، ولاغرابة في هذا، فإن من سنن الله الثابتة في الأمم أن أيامها لاتبقى ثابتة على حالة، بل تتغير وتتبدل، وقد أخبر بذلك الذي يقلب الايام ويصرِّفها عزوجل بقوله: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (سورة آل عمران، آية:140).
قال الرازي في تفسيره: والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس، لايدوم مسارها ولامضارها. فيوم يحصل فيه سرور له، والغم لعدوه، ويوم آخر بالعكس من ذلك، ولايبقى شيء من أحوالها، ولايستقر أثر من آثارها( ).
وجاءت صيغة المضارع {نُدَاوِلُهَا} للدلالة على تجدّد سنة مداولة الأيام من الأمم واستمرارها. وفي هذا قال القاضي أبو السعود: وصيغة المضارع الدالة على التجدّد والاستمرار للإيذان بأن تلك المداولة سنة مسلوكة بين الأمم قاطبة سابقتها ولاحقتها( ) وقد قيل: الأيام دول والحرب سجال( ).
وقال الشاعر:
فيوم لنا ويوم علينا
ويوم نُساء ويوم نُسّرّ( )
فالصديق يعلّم الأمة إذا نزلت بها الشدة وألمت بها المصيبة أن تصبر، فالنصر مع الصبر، وأن لاتيأس ولاتقنط من رحمة الله {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (سورة الأعراف، آية:56). وليتذكر المسلم دائماً أن الشدة مهما عظمت، والمصيبة مهما اشتدت وكبرت فإن من سنن الله الثابتة، {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًاإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (سورة الانشراح، آية:5-6) وإن المسلم لأمره عجيب في هذه الدنيا فقد بين رسول الله  ذلك في قوله: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)( ).
ومن الدروس المستفادة من بعث جيش أسامة: أن الشدائد والمصائب مهما عظمت وكبرت لاتشغل أهل الإيمان عن أمر الدين. إن وفاة الرسول الكريم  لم تشغل الصديق عن أمر الدين وأمر ببعث أسامة في ظروف كالحة مظلمة بالنسبة للمسلمين ولكن ماتعلمه الصديق من رسول الله من الاهتمام بأمر الدين مقدم على كل شيء وبقى هذا الأمر حتى ارتحل من هذه الدنيا( ).
2-المسيرة الدعوية لاترتبط بأحد، ووجوب اتباع النبي:
وفي قصة إنفاذ أبي بكر الصديق جيش أسامة رضي الله عنهما نجد أن الصديق  بين بقوله وعمله أن مسيرة الدعوة لم ولن تتوقف، حتى بموت سيد الخلق، وإمام الأنبياء وقائد المرسلين  وأثبت مواصلة العمل الدعوي بالمبادرة إلى تنفيذ هذا الجيش حيث نادى مناديه في اليوم الثالث من وفاة رسول الله بخروج جند أسامة  إلى عسكره بالجرف. وقد كان الصديق  قبل ذلك قد بين في خطبته التي ألقاها إثر بيعته عن عزمه على مواصلة بذل الجهود لخدمة هذا الدين( )، وقد جاء في رواية قوله: فاتقوا الله أيها الناس! واعتصموا بدينكم وتوكلوا على ربكم فإن دين الله قائم، وإنَّ كلمة الله تامة، وإن الله ناصر من نصره، ومعز دينه. والله! لانبالي من أجلب علينا من خلق الله. إن سيوف الله لمسلولة، ماوضعناها بعد، ولنجاهدنّ من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله ، فلايبغينّ أحد إلا على نفسه( ).
ومن الدروس المستفادة من قصة إنفاذ الصديق جيش أسامة رضي الله عنهما أنه يجب على المسلمين اتباع أمر النبي  في السراء والضراء، فقد بين الصديق من فعله أنه عاض على أوامر النبي  بالنواجذ ومنفِّذها مهما كثرت المخاوف وشدّت المخاطر، وقد تجلّى هذا أثناء هذه القصة عدة مرات منها:
أ-لما طلب المسلمون إيقاف جيش أسامة  نظراً لتغير الأحوال وتدهورها أجاب  بمقولته الخالدة: والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ، ولو لم يبقى في القرى غيري لانفذته( ).
ب-ولما استأذنه أسامة رضي الله عنهما في الرجوع بجيشه من الجرف إلى المدينة خوفاً على الصديق وأهل المدينة، لم يأذن له، بل أبدى عزمه وتصميمه على تنفيذ قضاء النبي الكريم  بقوله: لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أردّ قضاء قضى به رسول الله ( )، وقدّم  بموقفه هذا صورة تطبيقية لقول الله عزوجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا} (سورة الأحزاب، آية:36).
جـ-وعندما طلب منه تعيين رجل أقدم سناً من أسامة  أبدى غضبه الشديد على الفاروق  بسبب جرأته على نقل مثل هذا الاقتراح( )، وقال له: ثكلتك أمك وعدمتك يابن الخطاب! استعمله رسول الله  وتأمرني أن أنزعه( ).
د-وتجلّى اهتمام أبي بكر الصديق  باتباع النبي الكريم  كذلك في خروجه لتشييع الجيش، ومشيه مع أسامة  الذي كان راكباً( ).ولقد كان الصديق  في عمله هذا مقتدياً بما فعله سيد الأولين والآخرين رسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه مع معاذ بن جبل  قال: لما بعثه رسول الله  الى اليمن( )، فقد روى الامام أحمد عن معاذ بن جبل  قال: لما بعثه رسول الله  الى اليمن، خرج معه رسول الله  يوصيه، ومعاذ  -راكب، ورسول الله  يمشي تحت راحلته( ). قال الشيخ أحمد البنا تعليقاً على هذا الحديث: وقد فعل ذلك أبوبكر  بأسامة بن زيد رضي الله عنهما مع صغر سنة، فقد عقد له النبي  قبل وفاته لواء على جيش، ولم يسافر إلا بعد وفاة النبي ، فشيعه أبوبكر  ماشياً، وأسامة  راكباً، اقتداءً بما فعله النبي بمعاذ ( ).
س- وظهرت عناية أبي بكر الصديق  بالاقتداء بالرسول الكريم  أيضاً في قيامه بتوصيه الجيش عند توديعهم حيث كان رسول الله  يوصي الجيوش عند توديعهم، ولم يقتصر الصديق على هذا؛ بل إن معظم ماجاء في وصيته لجيش أسامة كان مقتبساً من وصايا النبي  للجيوش( ).
ولم يقف أبوبكر الصديق  في الاقتداء بالرسول الكريم  فيما قاله وفعله فحسب؛ بل أمر أمير الجيش أسامة  بتنفيذ أمره ، ونهاه عن التقصير فيه( ) فقد قال له رضي الله عنهما: اضع ماأمرك به نبي الله . ابدأ ببلاد قضاعة، ثم ايت آبل، ولا تقصرنَّ شيئاً من أمر رسول الله ( ) وفي رواية أخرى أنه قال : امض ياأسامة للوجه الذي أمرت به ثم اغز حيث أمرك رسول الله  من ناحية فلسطين، وعلى أهل مؤتة فإن الله سيكفي ماتركت( )، وفي رواية عند ابن الأثير: وأوصى أسامة  أن يفعل به ماأمر به رسول الله ( ).
لقد انقاد الصحابة رضي الله عنهم لرأي الصديق وشرح الله صدورهم لذلك، وتمسكوا بأمر الرسول الكريم، وبذلوا المستطاع لتحقيقه فنصرهم الله تعالى، ورزقهم الغنائم، وألقى في قلوب الناس هيبتهم، وكفّ عنهم كيد الأعداء وشرهم( ).
وقد تحدث توماس آرنولد عن بعث جيش أسامة فقال: بعد وفاة محمد  أرسل أبوبكر  الجيش الذي كان النبي  قد عزم على إرساله الى مشارف الشام، على الرغم من معارضة بعض المسلمين، بسبب الحالة المضطربة في بلاد العرب، إذ ذاك، فأسكت احتجاجهم بقوله: أر قضاءً قضى به رسول الله، ولو ظنتت أن السباع تخطفني لأنفذت جيش أسامة  كما أمر النبي ( ).... ثم قال: وكانت هذه هي أولى تلك السلسلة الرائعة من الحملات التي اجتاح العرب فيها سورية وفارس وإفريقية الشمالية، فقوضوا دولة فارس القديمة ، وجردوا الامبراطورية الرومانية من أجمل ولاياتها( ).
وهكذا نرى أن الله تعالى قد ربط نصر الأمة وعزها باتباع النبي الكريم ، فمن أطاعه فله النصر والتمكين، ومن عصاه فله الذل والهوان، فسر حياة الأمة في طاعتها لربها واقتدائها بسنّة نبيها ( ).
3- حدوث الخلاف بين المؤمنين ورده الى الكتاب والسنّة:
ومما نستفيد من هذه القصة أنه قد يحدث الخلاف بين المؤمنين الصادقين حول بعض الأمور، فقد اختلفت الآراء حول تنفيذ جيش أسامة  في تلك الظروف الصعبة، وقد تعددت الأقوال حول إمارته ولم يجرهم الخلاف في الرأي الى التباغض والتشاجر، والتدابر، والتقاطع، والتقاتل، ولم يصر أحد على رأي بعد وضوح فساده وبطلانه( )، وعندما ردّ الصديق الخلاف الى ماثبت من أمر النبي  ببعث أسامة وبين  أنه ماكان ليفرّط فيما أمر به رسول  مهما تغيرت الأحوال وتبدلت واستجاب بقية الصحابة لحكم النبي  بعد ماوضحه لهم الصديق، كما أنه لاعبرة لرأي الأغلبية إذا كان مخالفاً للنص، فقد رأى عامة الصحابة حبس جيش أسامة وقالوا للصديق: إن العرب قد انتقصت عليك وإنك لاتضع بتفريق الناس شيئاً( )، فأولئك الناس لم يكونوا كعامة الناس بل كانوا من الصحابة الذين هم خير البشر وجدوا على الأرض بعد الأنبياء والرسل عليه السلام، لكن الصديق  لم يستجب لهم مبيناً أن أمر رسول الله  أجل وأكرم، وأوجب وألزم من رأيهم كلهم( )، وقد تجلت هذه الحقيقة في حادثة وفاة النبي  حيث رأى عامة الصحابة رضي الله عنهم وفيهم عمر  أن النبي  لم يمت ورأى عدد قليل من الصحابة رضي الله عنهم أنه  قد مات منهم أبوبكر ، وقد رأينا أن أبابكر تمسك بالنص وبين خطأ من قال أن رسول الله لم يمت( ).
قال الحافظ بن حجر: تعليقاً على رأي الأكثير حول وفاته : فيؤخذ منه أن الأقل عدداً في الاجتهاد قد يصيب ويخطئ الأكثرية، فلا يتعين الترجيح بالأكثر( )، فخلاصة الكلام أن مما نستفيده من قصة تنفيذ الصديق جيش أسامة رضي الله عنهما أن تأييد الكثرة لرأي ليس دليلاً على إصابته( )، ومما يستفاد من هذه القصة انقياد المؤمنين وخضوعهم للحق إذا اتضح لهم، فعندما ذكرهم الصديق أن النبي  قد أمر بتنفيذ جيش امامة وهو الذي عين أسامة أميراً على الجيش، انقاد أولئك الأبرار للأمر النبوي الكريم( ).
4- جعل الدعوة مقرونة بالعمل، ومكانة الشباب في خدمة الاسلام:
لما أصر أبوبكر  على إبقاء أسامة بن زيد  أميراً للجيش حرصاً منه على التمسك بما قرره رسول الله  لم يقتصر على الإصرار على إمارته فحسب بل قدم اعترافاً عملياً بإمارته وقد تجلى ذلك في أمرين:
أ- مشى أبوبكر  مع أسامة ، وهو راكب وقد كان ابن عشرين سنة أو ثماني عشرة سنة، وكان الصديق  قد تجاوز ستين سنة من عمره وأصر على المشي مع أسامة ، كما أصر على بقاء أسامة  راكباً لما طلب منه أسامة  إما أن يركب هو، أو يأذن له بالنزول؛ فلم يوافق  لا على هذا ولا على ذاك، وبهذا قدّم  باستمراره في مشيه ذلك دعوة لجيش أسامة  الى الاعتراف بإمارة أسامة ، ورفع الحرج عنها من صدورهم، وكأن الصديق  بمشيه ذلك يخاطب الجيش فيقول: انظروا أيها المسلمون أنا أبوبكر رغم كوني خليفة رسول الله  أمشي مع أسامة وهو راكب إقراراً وتقديراً لإمارته حيث أمره رسولنا الكريم إمامنا الأعظم وقائدنا الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه، فكيف تجرّأتم أنتم على الانتقاد على إمارته( ).
ب- كان أبوبكر الصديق يرغب في بقاء عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بالمدينة نظراً لحاجته إليه. لكنه لم يأمره بذلك، بل استأذن من أسامة  في تركه إياه بالمدينة إن رأى هو ذلك مناسباً وبهذا قدّم الصديق  صورة تطبيقية اخرى لاعترافه واحترامه لإمارة أسامة ، وفيها بلا شك دعوة قوية للجيش الى الإقرار والانقياد لإمارته.
وهذا الذي اهتم به الصديق  من جعل دعوته مقرونة بالعمل هو الذي أمر به الاسلام، ووبّخ الرب عز وجل أولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم( )، قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (سورة البقرة، الآية:44).
ومما يتجلى في هذه القصة كذلك منزلة الشباب العظيمة في خدمة الاسلام، فقد عين رسول الله  الشاب أسامة بن زيد رضي الله عنهما أميراً على الجيش المعدّ لقتال الروم - القوة العظمة في زعم الناس في ذلك الوقت- وكان عمره آنذاك عشرين سنة، أو ثماني عشرة سنة، وأقره أبوبكر الصديق  على منصبه رغم انتقاد الناس، وعاد الأمير الشاب بفضل الله تعالى من مهمته التي أسندت إليه غانماً ظافراً وفي هذا توجيه للشباب في معرفة مكانتهم في خدمة الاسلام، ولو نعيد النظر في تاريخ الدعوة الاسلامية في المرحلتي المكية والمدنية لوجدنا شواهد كثيرة تدل على ماقام به شباب الاسلام في خدمة القرآن والسنّة، وإدارة أمور الدولة، والمشاركة في الجهاد في سبيل الله والدعوة الى الله تعالى( ).
5- صورة مشرقة من آداب الجهاد في الاسلام:
ومن فوائد قصة بعث أبي بكر  لجيش أسامة أنها تقدم لنا صورة مشرقة للجهاد الاسلامي، وقد تجلت تلك الصورة في وصية أبي بكر الصديق لجيش أسامة عند توديعه إياهم، ولم يكن أبي بكر الصديق  في وصاياه للجيوش إلا مستناً بسنّة المصطفى  حيث كان عليه الصلاة والسلام يوصي الأمراء والجيوش عند توديعهم( ) ومن خلال فقرات الوصية التي جاءت في البحث تظهر الغاية من حروب المسلمين فهي دعوة الى الاسلام، فإذا مارأت الشعوب جيشاً يلتزم بهذه الوصايا لا تملك إلا الدخول في دين الله طواعية واختياراً:
أ- إنها ترى جيشاً لايخون، بل يصون الامانة، ويفي بالعهد، ولا يسرق مال الناس أو يستولي عليه دون حق.
ب- جيشاً لايمثل بالآدميين بل هو يحسن القتل كما يحسن العفو يحترم الطفل ويرحمه، ويبر الشيخ الكبير ويكرمه، ويصون المرأة ويحفظها.
ج- جيشاً لايبدد ثروة البلاد المفتوحة، بل تراه يحفظ النخيل ولا يحرقه ولايقطع شجرة مثمرة، ولا يدمر المزروعات أو يخرب الحقول.
د- وإذا ماحافظ على الثروة الآدمية فلم يغدر، ولم يخن، ولم يغل، ولم يمثل بقتيل، ولم يقتل طفلاً، ولا شيخاً كبيراً، ولا أمرأة، وحافظ على الثروة الزراعية، فلم يعقر نخلاً، أو يقطع شجرة مثمرة، فهو يحافظ في نفس الوقت على الثروة الحيوانية فلا يذبح شاة أو بقرة أو بعيراً إلا للأكل فقط، فهل تحافظ الجيوش على واحد من هذه الأشياء؟ أم أنها تحول البلاد التي تحاربها الى خراب ودمار؟ والمثال قائم في العدوان الشيوعي الملحد على أفغانستان( )، وفي البوسنة من قبل الصرب وكذلك كوسوفا وفي كشمير من قبل الهند على المسلمين، وفي الشيشان، وفي فلسطين من قبل اليهود، ألا ماأعظم الفرق بين هداية الله، وضلال الملحدين.
هـ- وهو جيش يحترم العقائد والأديان السابقة عليه، فيحافظ على العباد في صوامعهم، ولا يتعرض لهم بأذى.. وتلك دعوة عملية تدل على سماحة الاسلام وعدالته، أما من يعبثون فيهم في الأرض فساداً، ويحاربون الحق فجزاؤهم القتل ليكونوا عبرة لغيرهم( ).
وماجاء في وصية الصديق  لم يكن كلمات قبلت بل طبقها المسلمون في عصره وبعده( ) وسنرى ذلك بإذن الله في فتوحاته .
6- أثر جيش أسامة على هيبة الدولة الاسلامية:
عاد جيش أسامة ظافراً غانماً بعد ماأرهب الروم حتى قال لهم هرقل وهو بحمص بعدما جمع بطارقته: هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن تقبلوا مني!! قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر فتغير عليكم، ثم تخرج من ساعتها ولم تكلم. قال أخوه (يناف) فابعث رباط (جندا مرابطين) تكون بالبلقاء، فبعث رباطاً واستعمل عليهم رجلاً من أصحابه فلم يزل مقيماً حتى تقدمت البعوث الى الشام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما( ). ثم تعجب الروم بأجمعهم وقالوا: مابال هؤلاء يموت صاحبهم ثم أغاروا على أرضنا؟ ( )، وأصاب القبائل العربية في الشمال الرعب والفزع من سطوة الدولة( )، وعندما بلغ جيش أسامة الظافر الى المدينة، تلقاه أبوبكر، وكان قد خرج في جماعة من كبار المهاجرين والأنصار للقائه وكلهم خرج وتهلل، وتلقاه أهل المدينة بالإعجاب والسرور والتقدير، ودخل أسامة المدينة وقصد مسجد رسول الله  وصلى لله شكراً على ماأنعم به عليه وعلى المسلمين وكان لهذه الغزوة أثر في حياة المسلمين وفي حياة العرب الذين فكروا في الثورة عليهم، وفي حياة الروم الذين تمتد بلادهم على حدودهم( )، فقد فعل هذا الجيش بسمعته مالم يفعله بقوته وعدده، فأحجم من المرتدين من أقدم، وتفرق من اجتمع، وهادن المسلمين من أوشك أن ينقلب عليهم، وصنعت الهيبة صنيعها قبل أن يصنع الرجال، وقبل أن يضع السلاح( ).
حقاً لقد كان إرسال هذا الجيش نعمة على المسلمين، إذ أمست جبهة الردة في الشمال أضعف الجبهات، ولعل من آثار هذا أن هذه الجبهة في وقت الفتوحات كان كسرها أهون على المسلمين من كسر جبهة العدو في العراق، كل ذلك يؤكد أن أبابكر  كان في الأزمات، من بين جميع الباحثين عن الحل، أثقبهم نظراً، وأعمقهم فهماً( ).
















المبحث الثاني
جهاد الصديق لأهل الردة



أولاً: الردة إصطلاحاً وبعض الآيات التي حذرت من الردة:
1- الردة إصطلاحاً:
عرف النووي الردة بأنها : قطع الاسلام بنية أو قول كفر أو فعل، سواء قاله استهزاءً أو عناداً أو اعتقاداً، فمن نفى الصانع أو الرسل أو كذب رسولاً أو حلل محرماً بالإجماع كالزنا وعكسه، أو نفى وجوب مجمع عليه أو عكسه، أو عزم على الكفر أو تردد فيه، كفر( )، وعرفها عليش المالكي: بأنها كفر المسلم بقول صريح أو لفظ يقتضيه أو بفعل يتضمنه( )، وعرفه ابن حزم الظاهري (المرتد) بأنه: كل من صح عنه أنه كان مسلماً متبرئاً من كل دين حاش دين الاسلام، ثم ثبت عنه أنه ارتد عن الاسلام وخرج الى دين كتابيّ أو غير كتابّي أو الى غير دين( )، وعرفه عثمان الحنبلي: بأنه لغة الراجع. قال تعالى: {وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ}، وشرعاً من أتى بما يوجب الكفر بعد إسلامه( ).
ومعنى هذا أن المرتد هو كل من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة كالصلاة والزكاة والنبوة وموالاة المؤمنين، أو أتى بقول أو فعل لا يحتمل تأويلاً غير الكفر( ).
2- بعض الآيات التي أشارت الى المرتدين:
أطلق الله سبحانه وتعالى على المرتدين عن دينه عبارات تشير الى هذا المرتكس الوبئ الذي تحولوا إليه. منها الردة على الأعقاب أو على الأدبار، والانقلاب بالخسران، وطمس الوجوه، وردّ الأيدي في الأفواه، والارتياب والتردد، واسوداد الوجوه( )، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} (سورة آل عمران، الآية: 149). وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا} (سورة النساء، الآية: 47) وجاء في تفسير ابن كثير: وطمسها أن تعمى، وقوله: فنردها على أدبارها أي نجعل لأحدهم عينين من قفاه، وهذا أبلغ من العقوبة والنكال وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم الى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء الى سبيل الضلالة يهرعون ويمشون القهقري على أدبارهم( ).
وقال تعالى:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} (سورة آل عمران، الآية:106).
نقل القرطبي فيها جملة آراء منها رأي قتادة أنها في المرتدين كما نقل حديثاً لأبي هريرة، وقال عنه قد يستشهد به بأن الآية في الردة وهو (يرد على الحوض يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول: يارب أصحابي، فيقول: إنك لاعلم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري( )، وفي رواية أخرى لهذا الحديث عن ابن عباس قال: قال رسول الله : يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات اليمين، فأقول: أصحابي فيقال: إنك لاتدري ماأحدثوا بعدك، فأقول، كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيداً مادمت فيهم، فلما توفيتني ، كنت أنت الرقيب عليهم. فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم( ).
ثانياً: أسباب الردة وأصنافها:
إن الردة التي قامت بها القبائل العربية بعد وفاة رسول الله  لها أسباب منها، هو الصدمة بموت رسول الله ، رقة الدين والسقم في فهم نصوصه، الحنين الى الجاهلية ومقارفة موبقاتها، التفلت من النظام والخروج على السلطة الشرعية، العصبية القبلية، الطمع في الملك، التكسب بالدين والشح بالمال، التحاسد، المؤثرات الأجنبية( ) كدور اليهود والنصارى، والمجوس وسنتحدث عن كل سبب في البحث بإذن الله تعالى.
وأما أصنافها، فمنهم من ترك الاسلام جملة وتفصيلاً وعاد الى الوثنية، وعبادة الأصنام، ومنهم من أدعى النبوة، ومنهم من دعا الى ترك الصلاة، ومنهم من بقي يعترف بالإسلام ويقيم الصلاة، ولكنه امتنع عن أداء زكاتة، ومنهم من شمت بموت الرسول وعاد أدراجه يمارس عاداته الجاهلية، ومنهم من تحير وتردد وانتظر على من تكون الدبرة، وكل ذلك وضحه علماء الفقه والسير( ).
قال الخطابي: إن أهل الردة كانوا صنفين: صنفاً ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا الى الكفر. وهذه الفرقة طائفتان: إحداهما أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة وأصحاب الأسود العنسي ومن كان من مستجيبيه من أهل اليمن وغيرهم وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة سيدنا محمد  مدعية النبوة لغيره، والطائفة الاخرى ارتدو عن الدين وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين وعادوا الى ماكانوا عليه في الجاهلية، والصنف الآخر هم الذين فرّقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها الى الإمام( )،... وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح (بها) ولا يمنعها، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك وقبضوا أيديهم على ذلك( )، وقريب من هذا التقسيم لأصناف المرتدين تقسيم القاضي عياض، غير أنهم عنده ثلاثة: صنف عادوا الى عبادة الأوثان، وصنف تبعوا مسيلمة والأسود العنسي. وكل منهما ادعى النبوة، وصنف ثالث استمروا على الاسلام ولكنهم جحدوا الزكاة وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبي ( ).
وقسّم الدكتور عبدالرحمن بن صالح المحمود المرتدين الى أربعة أصناف: صنف عادوا الى عبادة الأوثان والأصنام، وصنف اتبعوا المتنبئين بالكذبة، الأسود العنسي ومسيلمة وسجاح، وصنف أنكروا وجوب الزكاة وجحدوها، وصنف لم ينكروا وجوبها ولكنهم أبوا أن يدفعوها الى أبي بكر( ).
ثالثاً: الردة أواخر عصر النبوة:
بدأت هذه الردة منذ العام التاسع للهجرة المسمى بعام الوفود. وهو العام الذي أسلمت فيه الجزيرة العربية قيادها للرسول  ممثلة بزعمائها الذين قدما عليه من أصقاعها المختلفة، وكانت حركة الردة في هذه الأثناء لما تستَعلِن، بشكل واسع حتى إذا كان أواخر العام العاشر الهجري، وهو عام حجة الوداع التي حجها رسول الله ، ونزل به وجعه الذي مات فيه وتسامع بذلك الناس، بدأ الجمر يتململ من تحت الرماد، وأخذت الأفاعي تطل برؤوسها من جحورها، وتجرأ الذين في قلوبهم مرض على الخروج، فوثب الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، وطليحة الاسدي في بلاد قومه( ). ولما كان أخطر متمردين على الاسلام، وهما الأسود العنسي ومسيلمة وأنهما مصممان - كما يبدو- على المضي في طريق ردتهما قدماً دون أن يفكرا في الرجوع، وأنهما مشايعان بقوى غفيرة وإمكانيات وفيرة، فقد أرى الله نبيه  من أمرهما ماتقر به عينه، ومن ثم ماتقر به عيون أمته من بعده. فقد قال يوماً وهو يخطب على منبره: أيها الناس، إني قد رأيت ليلة القدر، ثم أُنستها، ورأيت في ذراعي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولتهما الكذابين: صاحب اليمن، وصاحب اليمامة( ).
وقد فسر أهل العلم بالتعبير هذه الرؤيا على هذه الصورة فقالوا: إن نفخه ، لهما يدل على أنهما يقتلان بريحه، لأنه لايغزوهما بنفسه، وإن وصفه لهما بأنهما من ذهب دلالة على كذبهما لأن شأنهما زخرف وتمويه، كما دل لفظ السوارين على أنهما ملكان لأن الأساورة هم الملوك، ودلاّ بكونهما يحيطان باليدين أن أمرهما يشتد على المسلمين فترة، لكون السوار مضيقاً على الذراع( ).
وعبّر الدكتور علي العتوم بقوله: ...بأن طيرانهما بالنفخ دلالة على ضعف كيدهما مهما تضاخم فشأنهما زبد لابد أن يؤول الى جُفاء مادام هذا الكيد مستمداً من الشيطان، فهو واهن لامحالة، إذ أقل هجمة مركزة في سبيل الله تحيلهما أثراً بعد عين، وكونهما من ذهب دلالة على أنهما يقصدان من عملهما الدنيا لأن الذهب رمز لحطامها الذي يسعى المغترون بها خلفه، وأنهما سواران إشارة الى محاولتهما الإطاحة بكيان المسلمين عن طريق الإحاطة بهم من كل جانب، تماماً كم يحيط السوار بالمعصم( ).
رابعاً: موقف الصديق من المرتدين:
لما كانت الردة قام أبوبكر  في الناس خطيباً فحمدالله وأثنى عليه ثم قال: الحمدلله الذي هدى فكفى وأعطى فأغنى إن الله بعث محمداً  والعلم شريد، والإسلام غريب طريد، قدرت حبله، وخلق ثوبه، وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيراً لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شراً لشر عندهم، وقد غيروا كتابهم، وألحقوا فيه ماليس منه، والعرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من الله، لايعبدونه، ولايدعونه، فأجهدهم عيشاً، وأظلهم ديناً في ظلف الأرض مع مافيه من سحاب، فختمهم الله بحمد وجعلهم الأمة الوسطى، ونصرهم بمن اتبعهم، ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله نبيه  فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزله عليه، وأخذ بأيديهم، وبغى هلكتهم {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (سورة آل عمران، الآية:144).
إن من حولكم من الأعراب قد منعوا شاتهم، وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم وإن رجعوا إليه أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا، على متقدم من بركة نبيكم وقد وكلكم الى المولى الكافي الذي وجده ضالاً فهداه، وعائلاً فأغناه {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (سورة آل عمران، الآية: 103).
والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده، ويوفي لنا عهده، ويقتل من قتل شهيداً من أهل الجنة، ويبقى منها خليفته وذريته في أرضه قضاء الله الحق، وقوله الذي لا خلف له {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}( ) (سورة النور، الاية 55).
وقد أشار بعض الصحابة ومنهم عمر على الصديق بأن يترك مانعي الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الايمان من قلوبهم ثم هم بعد ذلك يزكون فامتنع الصديق عن ذلك وأباه( )، فعن أبي هريرة  قال: لما توفى رسول الله ، وكان أبوبكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله، ونفسه إلا بحقه( )، وحسابه على الله، فقال أبوبكر: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً( ) كانوا يؤدونها الى رسول الله لقاتلتهم على منعها وفي رواية: والله لو منعوني عقالاً( )، كانوا يؤدونه الى رسول الله لقاتلتهم على منعه. قال عمر فوالله ماهو إلآ أن قد شرح الله صدر أبي بكر، فعرفت أنه الحق( )، ثم قال عمر بعد ذلك؛ والله لقد رجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعاً في قتال أهل الردة( )، وبذلك يكون أبوبكر قد كشف لعمر (وهو يناقشه) عن ناحية فقهية مهمة أجلاها له، وكانت قد غابت عنه وهي أن جملة جاءت في الحديث النبوي الشريف الذي أحتج به عمر هي الدليل على وجوب محاربة من منع الزكاة حتى وإن نطق بالشهادتين وهي قول النبي : فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها( )، وفعلاً كان رأي أبوبكر في حرب المرتدين رأياً ملهماً، وهو الرأي الذي تمليه طبيعة الموقف لمصلحة الاسلام والمسلمين، وأي موقف غيره سيكون فيه الفشل والضياع والهزيمة والرجوع الى الجاهلية، ولولا الله ثم هذا القرار الحاسم من أبي بكر لتغير وجه التاريخ وتحولت مسيرته، ورجعت عقارب الساعة الى الوراء، ولعادت الجاهلية تعيث في الأرض فساداً( ).
لقد تجلى فهمه الدقيق للاسلام، وشدة غيرته على هذا الدين، وبقائه على ماكان عليه في عهد نبيه في الكلمة التي فاضى بها لسانه ونطق بها جنانه، وهي الكلمة التي تساوي خطبة بليغة طويلة وكتاباً حافلاً، وهي قوله عندما امتنع كثير من قبائل العرب أن يدفعوا الزكاة الى بيت المال، أو منعوها مطلقاً وأنكروا فرضيتها: قد انقطع الوحي وتم الدين، أينقص وأنا حي( ) وفي رواية قال عمر: فقلت ياخليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم، فقال لي: أجبّار في الجاهلية خوَّار في الاسلام، قد انقطع الوحي، وتم الدين أينقص وأنا حي( ).
لقد سمع أبوبكر وجهات نظر الصحابة في حرب المرتدين وماعزم على خوض الحرب إلا بعد أن سمع وجهات النظر بوضوح، إلا أنه كان سريع القرار حاسم الرأي فلم يتردد لحظة واحدة بعد ظهور الصواب له وعدم التردد كان سمة بارزة من سمات أبي بكر -هذا الخليفة العظيم- في حياته كلها( )، ولقد اقتنع المسلمون بصحة رأيه ورجعوا الى قوله واستصوبوه.
لقد كان أبوبكر  أبعد الصحابة نظراً، وأحقهم فهماً، وأربطهم جناناً في هذه الطامة العظيمة( )، والمفاجئة المذهلة، ومن هنا أتى قول سعيد بن المسيب رحمه الله: وكان أفقهم، يعني الصحابة، وأمثلهم رأياً( ).
إن أبابكر كان أنفذ بصيرة من جميع من حوله لأنه فهم بإيمانه الذي فاق إيمانهم جميعاً، أن الزكاة لا تنفصل عن الشهادتين؛ فمن أقر لله بالوحدانية لابد أن يقر له بما يفرض من حق في ماله الذي هو مال الله أصلاً (وأن لا إله إلا الله بغير زكاة لا وزن لها في حياة الشعوب، وأن السيف يشرع دفاعاً عن أدائها تماماً كما يشرع دفاعاً عن لا إله إلا الله، تماماً هذه كتلك. هذا هو الاسلام وغير هذا ليس من الاسلام( )، فقد توعد الله اولئك الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (سورة البقرة، الآية: 85).
كان موقف أبي بكر  الذي لاهوادة فيه ولا مساومة فيه ولا تنازل، موفقاً ملهماً من الله، يرجع إليه الفضل الأكبر -بعد الله تعالى- في سلامة هذا الدين وبقائه على نقائه وصفائه وأصالته، وقد أقر الجميع وشهد التاريخ بأن أبابكر قد وقف في مواجهة الردة الطاغية، ومحاولة نقض عرى الاسلام عروة عروة، موقف الأنبياء والرسل في عصورهم، وهذه خلافة النبوة التي أدى أبوبكر حقها واستحق بها ثناء المسلمين ودعاءهم الى أن يرث الله الأرض وأهلها( ).
خامساً: خطة الصديق لحماية المدينة:
انصرفت وفود القبائل المانعة للزكاة من المدينة بعدما رأت عزم الصديق وحزمه وقد خرجت بأمرين:
أ- أن قضية منع الزكاة لاتقبل المفاوضة وأن حكم الإسلام فيها واضح ولذلك لاأمل في تنازل خليفة المسلمين عن عزمه ورأيه وخاصة بعدما أيده المسلمون وثبتوا على رأيه بعد وضوح الرؤية وظهور الدليل.
ب-أنه لابد من اغتنام فرصة ضعف المسلمين -كما يظنون- وقلة عددهم لهجوم كاسح على المدينة يسقط الحكم الإسلامي فيها ويقضي على هذا الدين( ).
قرأ الصديق في وجوه القوم مافيها من الغدر، ورأى فيها الخسة وتفرس فيها اللؤم فقال لأصحابه: إن الأرض كافرة وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لاتدرون أَليْلاً تؤتون أ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:08 am

ومج لهن مهجته حبال( )
وصمم الصديق  على أن ينتقم للمسلمين الشهداء، وأن يؤدب هؤلاء الحاقدين ونفذ قسمه وازداد المسلمون في بقية القبائل ثباتاً على دينهم، وازداد المشركون ذلاً وضعفاً وهواناً وبدأت صدقات القبائل تفد على المدينة، فطرقت المدينة صدقات نفر: صفوان ثم الزبرقان، ثم عدي، صفوان في أول الليل، والثاني في وسطه، والثالث( ) في آخره، وفي ليلة واحدة أثرت المدينة بأموال زكاة ستة أحياء من العرب، وكان كلما طلع على المدينة أحد جباة الزكاة قال الناس: (نذير) فيقول أبو بكر: (بل بشير) وإذا بالقادم يحمل معه صدقات قومه، فيقول الناس لأبي بكر: طالما بشرتنا بالخير( )، وخلال هذه البشائر التي تحمل معها بعض العزاء، وشيئاً من الثراء، عاد أسامة ابن زيد بجيشه ظافراً، وصنع كل ماكان الرسول قد أمره به، وما أوصاه به أبو بكر الصديق( )، فاستخلفه أبو بكر على المدينة، وقال له ولجنده أريحوا وأريحوا ظهركم( )، ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة والذين كانوا على الأنقاب على ذلك الظهر، فقال له المسلمون: ننشدك الله ياخليفة رسول الله أن تُعرض نفسك! فإنك إن تُعَب لم يكن للناس نظام ومقامك أشد من العدو، فابعث رجلاً، فإن أصيب أمّرت آخر فقال: لاوالله لاأفعل ولأواسينّكم بنفسي( ). لقد ظهر معدن الصديق النفيس في محنة الردة على أجلى صورة للقائد المؤمن الذي يفتدي قومه بنفسه، فالقائد في فهم المسلمين قدوة في أعماله، فكان من آثار هذه السياسة الصديقية أن تقوّى المسلمون وتشجعوا لحرب عدوهم، وأستجابوا لتطبيق الأوامر الصادرة إليهم من القيادة( )، لقد خرج الصديق في تعبيته إلى ذي حُسَ وذي القصة، والنُّعمان وعبدالله وسُويد على ماكانوا عليه، حتى نزل على أهل الرَّبذة بالأبرق، فهزم الله الحارث وعوفاً وأخذ الحطيئة أسيراً، فطارت عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أياماً، وقد غلب بني ذبيان على البلاد. وقال: حرام على ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد إذ غنمناها الله وأجلاها فلما غلب أهل الردة، ودخلوا في الباب الذي خرجوا منه، وسامح الناس جاءت بنو ثعلبة، وهي كانت منازلهم لينزلوها، فمنعوا منها فأتوه في المدينة، فقالوا: علام نمنع من نزول بلادنا! فقال: كذبتم، ليست لكم ببلاد، ولكنها مَوْهبي ونَقَذي( )، ولم يُعْتبهم( )، وحمى الأبرق لخيول المسلمين، وأرعى سائر بلاد الرَّبذة الناس على بني ثعلبة، ثم حماها كلها لصدقات المسلمين، لقتال كان وقع بين الناس، وأصحاب الصدقات، وقال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة:
ويوم بالأبارق قد شهدنا
على ذبيان يلتهب التهابا
أتيناهم بداهية نسُوفُ( )
مع الصديق إذ ترك العتابا( )
وهكذا يتعلم المسلمون من سيرة الصديق بأنه لم يكن يرغب بنفسه عن نفوس أتباعه بأي أمر من أمور الدنيا، وما اضطربت أمور المسلمين منذ زمن، إلا لأنهم كانوا يعدون الرئاسة وسيلة للجاه، وباباً لجلب المغانم ودرء المغارم، وإيثاراً للعافية، والاكتفاء بالكلمات تزجى من وراء أجهزة الإعلام، أو من غرف العمليات، بعيداً عن المشاركة مشاركة حقيقية في قضايا الأمة المختلفة( ).
إن خروج الصديق  للجهاد ثلاثة مرات متتالية، يعتبر تضحية كبيرة وفدائية عالية، فقد ناشده المسلمون أن يبقى في المدينة ويبعث قائداً على الجيش فلم يقبل بل قال: لاوالله لاأفعل ولأواسينَّكم بنفسي، وهذا يدل على تواضعه الجمِّ، واهتمامه الكبير بمصلحة الأمة، وتجرده من حظ النفس، وقد أصبح بذلك قدوة صالحة لغيره، فلاشك أن خروجه للجهاد ثلاث مرات متتاليات وهو الشيخ الذي بلغ الستين من عمره قد أعطى بقية الصحابة دفعات قوية من النشاط والحيوية( ).
وقد جاء في إحدى هذه الروايات أن ضراربن الأزور حينما أخبر أبا بكر الصديق بخبر تجمع طليحة الأسدي قال: فما رأيت أحد -ليس رسول الله- أملأ بحرب شعواء من أبي بكر، فجعلنا نخبره ولكأنما نخبر بماله ولاعليه( ).
وهذا وصف بليغ لما كان يتصف به أبو بكر من اليقين الراسخ والثقة التامة بوعد الله تعالى لأولياءه بالنصر على الأعداء والتمكين في الأرض، فأبو بكر لم يَفُق الصحابة بكبير عمل وإنما فاقهم بحيازة الدرجات العلى من اليقين رضي الله عنهم أجمعين( ).
وقد روى أنه لما قيل له: لقد نزل بك مالو نزل بالجبال لهاضها وبالبحار لغاظها ومانراك ضعفت. فقال: مادخل قلبي رعب بعد ليلة الغار، فإن النبي  لما رأى حزني قال: لاعليك يا أبا بكر، فإن الله قد تكفل لهذا الأمر بالتمام( )، فكان له  مع الشجاعة الطبيعية شجاعة دينية، وقوة يقينية في الله عزوجل، وثقة بأن الله ينصره والمؤمنين، وهذه الشجاعة لاتحصل إلا لمن كان قوي القلب، وتزيد بزيادة الإيمان وتنقص بنقص ذلك، فقد كان الصديق أقوى قلباً من جميع الصحابة لايقاربه في ذلك أحد منهم( ).

المبحث الثالث
الهجوم الشامل على المرتدين



تعددت وسائل وطرق التصدي والمواجهة للمرتدين فكان للثابتين دور في مواجهة أقوامهم، فوقف بعض الثابتين في وجه أقوامهم واعظين لهم ومنبهين إلى خطورة ماهم مقدمون عليه من نقض مايؤمنون به وكانت الخطوة الأولى بالكلمة، ولم تكن الكلمة في يوم من الأيام هي أضعف المواقف وإنما هي أقواها، لأنها تستتبع مواقف جادة لتحديد مصداقية الكلمة، وقد تؤدي الكلمة بصاحبها إلى الذبح من أجل الشهادة للكلمة التي قالها، ففي كل قبيلة حصلت فيها ردة كانت هناك بعض المواقف للذين انفعلت قلوبهم للحق وتغذت به وعاشت عليه هي التي رأت باطل مايفعله كل قوم، ولهذا وقفوا لهم بالمرصاد يحذرون أقوامهم من سوء المصير الذي ينتظرهم، فما كان من قومهم إلا أن وقفوا في وجوههم ساخرين مستهزئين، ثم تمادوا إلى مطاردتهم وإخراجهم بل وقتلهم في بعض الأحيان، ونجح بعضهم بالكلمة، كعدي بن حاتم مع قومه، والجارود مع أهل البحرين( ) وسترى تفاصيل ذلك بإذن الله وعندما فشل بعض المسلمين في وعظ أقوامهم، تحولوا إلى تجمعات مسلمة ثابتة على إسلامها واتخذت لها الموقف المناسب ضد أقوامهم المرتدين، وكثير من المواقف بدأت بالكلمة، ثم انتهت إلى العمل كما حصل لمن ثبت من بني سليم فقد حذرهم قومهم فانقسموا إلى قسمين، ثابت ومرتد.
فتجمع الثابتون وصاروا يجالدون قومهم المرتدين، وقام الأبناء في اليمن سراً بتدبير قتل الأسود العنسي -كما سيأتي تفصيله- بعد أن كان موقفهم سلبياً في بطش الأسود العنسي، ووقف مسعود أو مسروق القيسي ابن عابس الكندي ينصح الأشعث بن قيس ويدعوه لعدم الردة، ودخل بينهما حوار طويل وتحد متبادل، وهكذا صارت بعض المواقف سبباً في إرجاع قومهم عن الردة أو في تسهيل مهمة جيوش الدولة الإسلامية القادمة للقضاء على الردة( ).
لقد اعتمدت سياسة الصديق في القضاء على الردة على الله تعالى ثم على ركائز قوية من القبائل والزعماء والأفراد الذين انبثوا في كافة أنحاء الجزيرة العربية، وثبتوا على إسلامهم، وقاموا بأدوار هامة ورئيسية في القضاء على فتنة الردة، ولقد أخطأ بعض الكتاب عندما تناول فتنة الردة بشيء من التعميم أو عدم الدقة أو عدم الموضوعية أو سوء الفرض أو النظرة الجزئية( ).
إن من الحقائق الأساسية حول هذه الفتنة أنها لم تكن شاملة لكل الناس كشمولها الجغرافي، بل إن هناك قادة وقبائل وأفراد وجماعات وأفراد تمسكوا بدينهم في كل منطقة من المناطق التي ظهرت فيها الردة ( ) ولقد قام الدكتور مهدي رزق الله أحمد بدراسة عميقة وأجاب على سؤال طرحه وهو: هل كانت الردة في عهد الخليفة أبي بكر  شاملة لكل القبائل العربية والأفراد والزعماء الذين كانوا مسلمين؟ أم أن هذه الفتنة قد وقعت فيها بعض القبائل وبعض الزعماء وبعض الأفراد في مناطق جغرافية مختلفة؟ وبعد البحث قال: إن أول حقيقة تستخلص من المصادر التي أشرت إليها سابقاً هي أنني لم أجد مايدل على أن القبائل والزعماء والأفراد قد ارتدوا جميعاً على الإسلام، كما ذكر أولئك النفر الذين جعلناهم مثالاً( )، بل وجدت أن الدولة الإسلامية اعتمدت على قاعدة صلبة من الجماعات والقبائل والأفراد الذين ثبتوا على الإسلام وانبثوا في كافة أنحاء الجزيرة وكانوا سنداً قوياً للإسلام ودولته في قمع حركة المرتدين منهم( ).
أولاً: المواجهة الرسمية من الدولة:
1-وسيلة الإحباط من الداخل:
كان رسول الله  قد استعمل هذه الوسيلة فقام بمراسلة وبعث الرسل إلى قبائل المتنبئين لتجميع الثابتين على الإسلام، وليشكل بهم جماعة تحارب الردة، وسار الصديق  على نفس المنهج، وحاول أن يحجم ويقضي على مايمكن القضاء عليه من بؤر المرتدين،وقام بالتوعية ضدها والتخذيل منها وتنفير الناس عنها، واستطاع أن يتصل بالثابتين على الإسلام وجعل منهم رصيداً للجيوش المنظمة، فقد كان يعد الأمة لمواجهة منظمة مع المرتدين بعد عودة جيش أسامة، فقد راسل الصديق زعماء الردة والثابتين على الإسلام ليحقق بعض الأهداف، ككسب الوقت حتى يرجع جيش أسامة، فكتب إلى من كتب إليهم رسول الله باليمن وغيرها( )، ليبذلوا جهدهم لدعوة الثابتين إلى الإسلام، وطلب من الثابتين التجمع في مناطق حددها لهم حتى يأتيهم أمره، وكان هذا الترتيب بداية للخطة العسكرية القادمة( )، وقد حالف التوفيق بعض الثابتين بالوصول إلى المدينة ومعهم صدقاتهم مثل عدي بن حاتم الطائي، والزبرقان بن بدر التميمي( )، وتمكن الثابتون من إفشال حركة قيس بن مكشوح المرادي، وبعض التجمعات القبلية في تهامة وبلاد السراة ونجران وقد حققت هذه الوسيلة بعض النتائج منها:
أ-نجحت خطة الصديق في تحقيق حملات التوعية والدعاية والتعضيد للمسلمين، والتخذيل لقوى المرتدين، تمهيداً لاتخاذ الوسيلة الأخرى حينما تتوفر لها الإمكانات: وهي أداة الجيوش المنظمة.
ب-أنها حققت أغراضها من حيث التربية وإعداد الثابتين على الإسلام ليكونوا قواداً في حركة الفتوح الإسلامية فيما بعد، كعدي بن حاتم الطائي أحد قواد فتوح العراق.
جـ-تكوين قوى مسلمة مرابطة في بعض المراكز التي حددها لهم الصديق لتنظم بعد ذلك إلى الجيوش القادمة.
د-القضاء على بعض مناطق الردة ولو بمحدودية ضيقة مثل ماحصل في جنوب الجزيرة العربية.
2-إرسال الجيوش المنظمة:
لما وصل جيش أسامة بعد شهرين وقيل أربعين يوماً -من مسيرهم واستراحوا خرج أبو بكر الصديق بالصحابة رضي الله عنهم إلى (ذي القَّصَّة) وهي على مرحلة من المدينة، وذلك لقتال المرتدين والمتمردين، فعرض عليه الصحابة أن يبعث غيره على القيادة وأن يرجع إلى المدينة ليتولى إدارة أمور الأمة وألحُّوا عليه بذلك، ومما رُوي في هذا الموضوع ماقالته عائشة: خرج أبي شاهراً سيفه راكبا راحلته إلى وادي ذي القصة، فجاء علي بن أبي طالب ، فأخذ بزمام راحلته فقال: إلى أين ياخليفة رسول الله؟ أقول لك ماقال رسول الله يوم أحد( )، لُمَّ سيفك ولاتفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصبنا بك لايكون للإسلام بعدك نظام أبداً، فرجع( ) وقد قسم أبو بكر الجيش الإسلامي إلى أحد عشر لواء وجعل على كل لواء أميراً( )، وأمر كل أمير جند باستنفار من مرّ به من المسلمين التابعين من أهل القرى التي يمر بها وهم:
1-جيش خالد بن الوليد إلى بني أسد ثم إلى تميم ثم إلى اليمامة.
2-جيش عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة في بني حنيفة، ثم إلى عمان والمهرة، فحضرموت، فاليمن.
3-جيش شرحبيل بن حسنة إلى اليمامة في إثر عكرمة ثم حضرموت.
4-جيش طريفة بن حاجز إلى بني سليم من هوازن.
5-جيش عمرو بن العاص إلى قضاعة.
6-جيش خالد بن سعيد بن العاص إلى مشارف الشام.
7-جيش العلاء بن الحضرمي إلى البحرين.
8-جيش حذيفة بن محصن الغلفاني إلى عمان.
9-جيش عرفجة بن هرثمة إلى مهرة.
10-جيش المهاجر بن أبي أمية إلى اليمن (صنعاء ثم حضرموت).
11-جيش سويد بن مقرن إلى تهامة اليمن( ).
وهكذا اتخذت قرية (ذي القصة) مركز انطلاق او قاعدة تحرك للجيوش المنظمة التي ستقوم بالتحرك إلى مواطن الردة للقضاء عليها، وتنبئ خطة الصديق  عن عبقرية فذة، وخبرة جغرافية دقيقة( )، ومن خلال تقسيم الألوية وتحديد المواقع يتضح أن الصديق  كان جغرافياً دقيقاً خبيراً بالتضاريس، والتجمعات البشرية، وخطوط مواصلات جزيرة العرب، فكأن الجزيرة العربية صوّرت مجسم واضح نصب عينيه في غرفة عمليات مجهزة بأحدث وسائل التقنية، فمن يتمعَّن تسيير الجيوش ووجهه كلِّ منها، واجتماعها بعد تفرُّقها، وتفرقها لتجتمع ثانية، يرى تغطية سليمة رائعة صحيحة مثالية لجميع أرجاء الجزيرة، مع دقة في الإتصال مع هذه الجيوش، فأبوبكر في كل ساعة يعلم أين مواقع الجيوش ويعلم دقائق أمورها وتحركاتها، وماحققت، وماعليها في غد من واجبات، والمراسلات دقيقة وسريعة، تنقل أخبار الجبهات إلى مقرِّ القيادة في المدينة حيث الصديق وكان على صلة مستمرة مع جيوشه كلها، وبرز من المراسلين العسكريين مابين الجبهات وبين مقرِّ القيادة: أبو خيثمة النَّجَّاري الأنصاري، وسلمة بن سلامة، وأبو برزة الأسلمي، وسلمة بن وقش( ).
وكانت الجيوش التي بعثها الصديق متماسكة وهي إحدى إنجازات الدولة الهامة، إذ جمعت تلك الجيوش بين مهارة القيادة وبراعة التنظيم، فضلاً عن الخبرة في القتال صهرتها الأعمال العسكرية في حركة السرايا والغزوات التي تعدى بعضها شبه الجزيرة في زمن النبي ، فقد كان الجهاز العسكري لدولة الصديق متفوقاً على كل القوى العسكرية في الجزيرة( )، وكان القائد العام لهذه الجيوش سيف الله المسلول خالد بن الوليد صاحب العبقرية الفذة في حروب الردة، والفتوحات الإسلامية كان هذا التوزيع للجيوش وفق خطة استراتيجية هامة مفادها، أن المرتدين لازالوا متفرقين كلٌّ في بلده ولم يحصل منهم تحزب ضد المسلمين بالنسبة للقبائل الكبيرة المتباعدة في المكان أولاً، لأن الوقت لم يكن كافياً للقيام بعمل كهذا حيث لم يمضي على ارتدادهم إلا مايقرب من ثلاثة شهور، وثانياً لأنهم لم يدركوا خطر المسلمين عليهم وأنهم باستطاعتهم أن يكتسحوهم جميعاً في شهور معدودة، ولذلك أراد الصديق أن يعاجلهم بضربات مفاجئة تقضي على شوكتهم وقوتهم قبل أن يجتمعوا في نصرة باطلهم( )، فعالجهم قبل استفحال فتنتهم ولم يترك لهم فرصة يطلون منها برؤوسهم، ويمدون ألسنتهم يلذعون بها الجسم الإسلامي وبذلك طبق الحكمة القائلة:
لاتقطَعَنْ ذنب الأفعى وترسلها
إن كنت شهماً فاتبع رأسها الذنبا( )
فقد أدرك حجم الحدث وأبعاده، ومدى خطورته، وعلم أنه إن لم يفعل كذلك فسيوشك الجمر أن ينتفض من تحت الرماد فيحرق الأخضر واليابس كما قال الأول:
أرى تحت الرماد وميض نار
ويوشك أن يكون له ضرام( )
فقد كان  السياسي الماهر والعسكري المحنَّك الذي يقدر الأمور ويضع لها الخطط المباشرة.
انطلقت الألوية التي عقدها الصديق ترفرف عليها أعلام التوحيد مصحوبة بدعوات خالصة من قلوب تعظم المولى عزوجل وتشربت معاني الإيمان ومن حناجر لم تلهج إلا بذكر الله تعالى، فاستجاب الله جل وعلا هذه الدعوات النقية، فأنزل عليهم نصره وأعلى بهم كلمته وحمى بهم دينه حتى دانت جزيرة العرب للإسلام في شهور معدودة( ).
هذا وقد كتب أبو بكر الصديق كتاباً واحداً إلى قبائل العرب من المرتدين والمتمردين، فدعاهم إلى العودة إلى الإسلام وتطبيقه كاملاً كما جاء من عند الله تعالى ثم حذرهم من سوء العاقبة فيما لو ظلوا على ماهم عليه في الدنيا والآخرة، وكان قوياً في إنذارهم، وهذا هو المناسب لشدة انحرافهم وقوة تصلبهم في التمسك بباطلهم، فكان لابد من إنذار شديد يتبعه عمل جرئ قوي لإزالة الطغيان الذي عشَّش في أفكار زعماء تلك القبائل والعصبية العمياء التي سيطرت على أفكار أتباعهم( ).
3-نص الخطاب الذي أرسله للمرتدين والعهد الذي كتبه للقادة:
بعد التنظيم الدقيق، وحسن الإعداد للجيوش الإسلامية التي عقد لها الصديق الألوية، نجد الدعوة البيانية القولية تطل لتقوم بدورها، وتدلي بدلوها، فقد حرر الصديق كتاباً عاماً ذا مضمون محدد سعى إلى نشره على أوسع نطاق ممكن في أوساط من ثبتوا على الإسلام ومن ارتدوا عنه جميعاً قبل تسيير قواته لمحاربة الردة وبعث رجالاً إلى محل القبائل وأمرهم بقراءة كتابه في كل مجمع وناشد من يصله مضمون الكتاب بتبليغه لمن لم يصل إليه وحدد الجمهور المخاطب به بأنه: العامة والخاصة، من أقام على إسلامه أو رجع عنه( ) وهذا نص الكتاب الذي بعثه الصديق: بسم الله الرحمن الرحيم: من أبي بكر خليفة رسول الله  إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة أقام على إسلامه أو رجع عنه. سلام على من اتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، نُقرُّ بما جاء به، ونكفِّر من أبى ونجاهده. أما بعد، فإن الله تعالى أرسل محمداً بالحق من عنده إلى خلقه بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين. فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب رسول الله  بإذنه( )، من أدبر عنه، حتى صار إلى الإسلام طوْعاً وكَرهاً ثم توفي الله رسوله  وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمته، وقضى الذي عليه، وكان الله قد بين له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل، قال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (سورة الزمر، آية:30)، وقال: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} (سورة الأنبياء، آية:34)، وقال للمؤمنين :{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}(سورة آل عمران، آية:144)، فمن كان إنما يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله وحده لاشريك له فإن الله له بالمرصاد، حي قيوم لايموت، ولاتأخذه سنة ولانوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه، يجريه وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله، وماجاءكم به نبيكم ، وأن تهتدوا بهُداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يهده الله ضال، وكل من يعافه مُبْتلى، وكل من لم يُعنه الله مخذول، فمن هداه الله كان مهتدياً ومن أضله كان ضالاً، قال الله تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} (سورة الكهف، آية:17). ولم يقبل منه في الدنيا عمل حتى يقربه، ولم يقبل منه في الآخرة صرف ولاعدل وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقرّ بالإسلام وعمل به اغتراراً بالله، وجهالة بأمره، وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} (سورة الكهف، آية:50) وقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (سورة فاطر، آية:6)، وإني بعثت إليكم فلاناً في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحداً ولايقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقر وكفّ وعمل صالحاً قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك، ثم لايُبقي على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار، ويقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري، ولايقبل من أحد إلا سلام، فمن تبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يُعجز الله، وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم، والداعية الأذان: فإذا أذن المسلمون فأذَّنوا كُفُّوا عنهم، وإن لم يؤذّنوا عاجلوهم،وإن أذَّنوا اسألوهم ماعليهم، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقرّوا قبل منهم، وحملهم على ماينبغي لهم( ).
ونلحظ في خطاب أبي بكر أنه كان يدور حول محورين:
أ-بيان أساس مطالبة المرتدين بالعودة الى الاسلام.
ب-بيان عاقبة الإصرار على الردة( ).
وقد أكد الكتاب على عدة حقائق هي:
• أن الكتاب موجه إلى العامة والخاصة ليسمع الجميع دعوة الله.
• بيان أن الله بعث محمداً بالحق فمن أقر به كان مؤمناً، ومن أنكر كان كافراً يجاهد ويقاتل.
• بيان أن محمداً، بشر قد حق عليه قول الله: إنك ميت، وأن المؤمن لايعبد محمداً  وإنما يعبد الله الحي الباقي الذي لايموت أبداً، ولذلك لاعذر لمرتد( ).
• إن الرجوع عن الإسلام جهل بالحقيقة واستجابة لأمر الشيطان، وهذا يعني أن يتخذ العدو صديقاً، وهو ظلم عظيم للنفس السوية، إذ يقودها صاحبها بذلك إلى النار عن طواعية.
• إن الصفوة المختارة من المسلمين وهم المهاجرون والأنصار وتابعوهم هم الذين ينهضون لقتال المرتدين غيرة منهم على دينهم، وحفاظاً عليه من أن يهان.
• إن من رجع إلى الإسلام، وأقر بضلاله، وكف عن قتال المسلمين وعمل من الأعمال مايتطلبه دين الله، فهو من مجتمع المسلمين له مالهم وعليه ماعليهم.
• إن من يأبى الرجوع إلى صف المسلمين، ويثبت على ردته، إنما هو محارب لابد من شن الغارة عليه: تقتله أو تحرقه وتسبي نساءه وذراريه، ولن يعجز الله بأية حال، لأنه أنى ذهب، في ملكه.
• إن الشارة التي ينجو بها المرتدون من غارة المسلمين أن يعلن فيهم الأذان، وإلا فالمعالجة بالقتال هي البديل( ) وحتى لايترك الخليفة الأمر للقادة والجند بغير انضباط، كتب للقواد جميعاً كتاباً واحداً، يدعوهم فيه إلى الالتزام بمضمون كتابه السابق هذا نصه: ... هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله  لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام، وعهد إليه أن يتقي الله مااستطاع في أمره كله سره وعلانيته، وأمره بالجدّ في أمر الله، ومجاهدة من تولى عنه، ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان بعد أن يعذر إليهم فيدعوهم بداعية الإسلام، فإن أجابوه أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شنّ غارته عليهم حتى يقرُّوا له، ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم، فيأخذ ماعليهم ويعطيهم الذي لهم، لايُنظرهم، ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم، فمن أجاب إلى أمر الله عزوجل وأقرّ له قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف، وإنما يتقبل من كفربالله على الإقرار بما جاء من عند الله، فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فيما استسربه، ومن لم يجب داعية الله قُتل وقوتل حيث كان، وحيث بلغ مراغَمهُ، لايقبل من أحد شيئاً أعطاه إلا الإسلام، فمن أجابه وأقرّ قبل منه وعلَّمه، ومن أبى قاتله، فإن أظهره الله عليه قتل منهم كل قتلة بالسلاح والنيران، ثم قسَّم ما أفاء الله عليهم، إلا الخُمس فإنه يبلغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وألاّ يُدخل فيهم حَشْواً حتى يعرفهم ويعلم ماهم، لايكونوا عيوناً، ولئلا يُؤتى المسلمون من قبلهم، وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ويتفقدهم، ولايُعجِّل بعضهم عن بعض ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول( ).
وفي هذا العهد الذي ألزم به قوّاده يظهر حرص الصديق على إلزام أمرائه في حرب الردة بتعليمات أساسية مكتوبة موحدة نصت بوضوح لايحتمل اللبس على حظر القتال قبل الدعوة إلى الإسلام والإمساك عن قتال من يجيب والحرص على اصلاحهم وحظر مواصلة القتال بعد أن يقروا بالإسلام والتحول عند هذه النقطة من القتال إلى تعليمهم أصول الإسلام وتبصيرهم بما لهم من حقوق وماعليهم من واجبات وحظر المهادنة أو رد الجيش عن محاربة المرتدين مالم يفيئوا إلى أمر الله.
والتزم الجيش الإسلامي في التنفيذ بمبدأ الدعوة قبل القتال والإمساك عن القتال بمجرد إجابة الدعوة باعتبار أن الغاية الوحيدة هي عودة المرتدين إلى الذي خرجوا منه، وتلمساً لتحقيق أقصى درجة من التوافق في صفوف القوات الإسلامية التي نيط بها القضاء على ظاهرة الردة أمضى الصديق هذا العهد مع أمراء الجيوش الإسلامية، يطلب من الجيش أن يكون سلوكه ذاته خير دعوة للمهمة المسندة إليه، وأن يتطابق تماماً مع هدف واحد هو الدفاع عن الإسلام( ).
إن اقتداء أبي بكر  برسول الله  علمه فن القيادة، ونجاح القائد في قيادته يتوقف على مدى نجاحه في جنديته ولقد كان أبو بكر نعم الجندي في جيش المسلمين، مخلصاً في ولائه لرسول الله، يطبق مايقوله بحذافيره، مضحياً في سييله لم يفر عنه في معركة قط، ونستطيع أن ندرك دقة آرائه القيادية وبعد مرماها من وصاياه لقواده وخططه العامة التي رسمها لهم أثناء تحركهم لضرب قوات العدو( ). لقد كانت أول وصية أوصاهم بها تتركز على النقاط التالية:
• أن يلزموا أنفسهم تقوى الله عزوجل ومراقبته في السر والعلن، وهذا عين الصواب في هذه السياسة الرشيدة لأن القائد إذا ألزم نفسه تقوى الله عزوجل كان معه {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}(سورة النحل، آية:128).
• الجد والاجتهاد وإخلاص النية لله سبحانه، وتلك أخلاق المنصورين الفائزين( ) {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (سورة العنكبوت، آية:69).
• أن لايقبل من المرتدين إلا الإسلام أو القتل، إذ لامهادنة في أمر العقيدة.
• تقسيم الغنائم بين الجند مع الاحتفاظ بحق بيت المال منها وهو خمسها.
• أن لايتعجلوا في التصرف حيال القضايا التي تواجههم، حتى لاتأتي حلولهم فجة.
• أن يحذروا من أن يدخل بينهم غريب ليس منهم، كيلا يكون جاسوساً عليهم.
• أن يرفقوا بجندهم ويتفقدوهم في المسير والنزول، وأن لاينفرط بعضهم عن بعض.
• وأن يستوصوا بهؤلاء الجند خيراً في الصحبة( ).
ويمكننا من خلال الدراسة أن نستخلص الخطة العامة بعد أن عقد الصديق الألوية لقادة الجيوش والتي تتلخص في النقاط الآتية:
أ-ضمنت الخطة أحكام التعاون بين هذه الجيوش جميعها بحيث لاتعمل كأنها منفصلة تحت قيادة مستقلة وإنما هي رغم تباعد المكان جهاز واحد، وقد تلتقي - أو يلتقي بعضها ببعض - لتفترق، ثم تفترق لتلتقي، كان ذلك والخليفة بالمدينة يدير حركة القتال ومعاركه.
ب-احتفظ الصديق بقوة تحمي المدينة -عاصمة الخلافة- واحتفظ بعدد من كبار الصحابة ليستشيرهم، وليشاركوه في توجيه سياسة الدولة.
جـ-أدرك الصديق أن هناك جيوشاً من المسلمين داخل المناطق التي شملتها حركة العصيان والردة، وقد حرص على هؤلاء المسلمين من أن يتعرضوا لنقمة المشركين، ولذلك فإنه أمر قادته باستنفار من يمرون بهم من أهل القوة من المسلمين من جهة، وبضرورة تخلف بعضهم لمنع بلادهم وحمايتها من جهة أخرى.
د-طبق الخليفة مبدأ الحرب خدعة مع المرتدين، حتى أظهر أن الجيوش تنوي شيئاً وهي في حقيقة الأمر كانت تستهدف شيئاً آخر، زيادة في الحيطة والحذر من اكتشاف خطته( ) وهكذا تظهر الحنكة السياسية، والتجربة العملية، والعلم الراسخ، والفتح الرباني في قيادة الصديق.
ثانياً: القضاء على فتنة الأسود العنسي وطليحة الأسدي، ومقتل مالك بن نويرة:
1-القضاء على الأسود العنسي وردة اليمن الثانية:
اسمه: عبهلة بن كعب ويكنى بذي الخمار لأنه كان دائماً معتماً متخمراً بخمار( )، ويعرف بالأسود العنسي لاسوداد في وجهه وتكمن قوة الأسود في ضخامة جسمه وقوته وشجاعته، واستخدم الكهانة والسحر والخطابة البليغة، فقد كان كاهناً مشعوذاً، وكان يرى قومه الأعاجيب، ويسبي قلوب من سمع منطقه، واستخدم الأموال للتأثير على الناس( ).
وما أن انتشر خبر مرض رسول الله  بعد مقدمه من حجة الوداع حتى ادعى الأسود العنسي النبوة، وقيل: إنه أطلق على نفسه (رحمان اليمن) كما تسمى (مسيلمة) (رحمان اليمامة)( ). وأنه كان يدعي النبوة ولاينكر نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وكان يزعم أن ملكين يأتيانه بالوحي وهما: سحيق وشقيق
-أوشريق( )- وكان قبل أن يظهر مخفياً أمره يجمع حوله من يراه مناسباً، حتى فاجأ الناس بظهوره( )، وكان أول من تبعه: أبناء قبيلته وهم (عنس)( )، ثم كاتب زعماء قبيلة (مَذحِج) فتبعه العوام منهم( )، وبعض زعمائهم من طالبي الزعامة وقد عمل على إثارة العصبية القبلية لأنه من (عنس) وهي بطن من بطون قبيلة (مذحج) وقد راسله بنو الحارث بن كعب من أهل نجران وهم يومئذ -مسلمون- فطلبوا منه أن يأتيهم في بلادهم فجاءهم فاتبعوه لكونهم لم يسلموا رغبة، وتبعه أناس من (زبيد) و(أود) (مَسْلِيَة)، و(حكم بنى سعد العشيرة)، ثم أقام بنجران بعض الوقت، وقوى أمره بعد أن انضم إليه عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وقيس بن مكشوح المرادي، وتمكن من طرد فروة بن مسيك من مراد، وعمرو بن حزم من نجران، واستهوته فكرة السيطرة على صنعاء فخرج إليها بست مئة - أو سبع مئة- فارس معظمهم من (بني الحارث بن كعب) و(عنس)( ).
فتقابل مع أهل صنعاء وعليهم (شهر بن باذان الفارسي)، وكان قد أسلم مع أبيه - في منطقة خارج صنعاء تسمى منطقة (شعوب)، فتقاتلوا قتالاً شديداً فقتل (شهر بن باذان) وانهزم أهل صنعاء أمام الأسود العنسي فغلب عليها ونزل قصر (غمدان) بعد خمسة وعشرين يوماً من ظهوره( ).
وكان له مواقف بشعة في تعذيب المستمسكين بالإسلام فقد أخذ أحد المسلمين ويسمى -النعمان- فقطعه عضواً عضواً( )، ولهذا تعامل معه المسلمون الذين كانوا في المناطق التي يديرها بالتَّقَّية)( ).
أما بقية المسلمين خارج نطاق سيطرته، فقد حاولوا التجمع وإعادة الانتظام الى صفوفوهم، فكان فروة بن مسيك المرادي قد انحاز الى مكان يسمى (الأحسية)( )، وانضم إليه من انضم من المسلمين، وكتب الى رسول الله  بخبر الأسود العنسي فكان أول من أبلغ الرسول  بذلك، وانحاز كل من أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل الى حضرموت في جوار (السَّكاسك والسَّكون)( ).
وقد راسل رسول الله  الثابتين على الاسلام لمواجهة ردة الأسود وأمرهم بالسعي للقضاء عليه إما مصادمة أو غيلة، ووجه كتبه ورسله الى بعض زعماء (حمير)، و(همدان) بأن يتكاتفوا ويتوحدوا ويساعدوا (الابناء)( ) ضد (الأسود العنسي)، فأرسل (وبر بن يخنس) الى (فيروز الديلمي، وجشيمش الديلمي، وداذويه الأصطخري) وبعث (جرير البجلي) الى (ذي الكلاع، وذي ظليم) الحميريين، وبعث (الأقرع بن عبدالله الحميري) الى (ذي زود، وذي مران) الهمدانيين، وكذلك كتب الى أهل نجران من الأعراب وساكني الأرض من غيرهم( )، وبعث (الحارث بن عبدالله الجهني) الى اليمن قبيل وفاته فبلغته وفاة الرسول  وهو في اليمن( )، ولم تبين المصادر الى أين بعث إلا أنه من الممكن أنه بعث الى (معاذ بن جبل) لأنه تلقى كتاباً من رسول الله  يأمره فيه بأن يبعث الرجال لمحاولة ومصاولة (الأسود العنسي) للقضاء عليه( )، كما تلقى (أبو موسى الأشعري) و(الطاهر) بن أبي هالة كتاباً من رسول الله  ليواجهوا (الأسود) بالغَيْلَة أو المصادمة( )، وكان لهذا العمل من جانب الرسول  أثر كبير، فقد تماسك من بعث إليهم في حياته وبعد موته، فلم يَعهد عنهم أنهم ارتدوا أو تزلزلوا، فقد كتب زعماء (حمير) وزعماء (همدان) الى الأبناء باذلين لهم المعونة والمساعدة، وفي الوقت نفسه تجمع أهل (نجران) في مكان واحد للتصدي لأي حركة من جانب (الأسود العنسي)، وحينئذ أيقن هذا أنه الى هلاك( ).
وظلت المكاتبات تتولى بين (الهمدانيين) و(الحميريين) وبين (معاذ بن جبل) وبعض الزعماء اليمنيين، ومن المحتمل أن بعض المكاتبات تمت بين (الأبناء) وبين (فروة بن مسيك)، لأنه كان له دور في قتل (الأسود العنسي)( )، ولكن كان أول من أعترض على (العنسي) هو (عامر بن شهر الهمداني).
وهكذا تجمعت كل قوى الاسلام في اليمن للقضاء على (الأسود العنسي) ويظهر أنهم كانوا مجمعين على أن يقوموا بمقتله لعلمهم أنه بمجرد أن يقتل لن يبقى لأتباعه أي كيان فيسهل التخلص منهم حينئذ، ولهذا وافقوا على خطة (الأبناء) بأن لايقوموا بأي شيء حتى يبرموا الأمر من داخلهم.
واستطاع (الأبناء) فيروز وداذويه أن يتفقوا مع (قيس بن مكشوح المرادي) -وكان قائد جند العنسي- للتخلص من (الأسود العنسي)، لأنه كان على خلاف معه ويخشى أن يتغير عليه( )، وقد ضموا الى صفهم زوجة (الأسود العنسي) (آزاد الفارسية) والتي كانت زوج شهر بن باذان وابنة عم فيروز الفارسي، فقد اغتصبها كذّاب اليمن بعد أن قتل زوجها، فهبت لأنقاذ دينها من براثن وحوش الجاهلية بكل عزم وتصميم، فدبرت مع المسلمين المناوئين للأسود خطة اغتيال هذا الطاغية المتأله( )، ومهدت لهم السبيل لقتله على فراش نومه( )، وحينما قتل (الأسود) ألقي برأسه بين أصحابه فانتابهم الرهبة وعمهم الخوف، ففروا هاربين( ).
وأتى الخبر النبي  من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي ليبشرنا، فقال: قتل العنسي البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين. قيل: ومن هو؟ قال: فيروز، فاز فيروز( ).
وقد فصل خطة اغتيال الأسود العنسي الدكتور صلاح الخالدي في كتبه صور من جهاد الصحابة عمليات جهادية خاصة تنفذها مجموعة خاصة من الصحابة( ) وظل أمر (صنعاء) مشتركاً بين (فيروز، وداذويه، وقيس بن مكشوح) الى أن جاء معاذ بن جبل الى (صنعاء) فارتضوا أن يكون هو الأمير عليهم ولكنه لم يمكث إلا ثلاثة أيام يصلي بهم حتى بلغهم خبر وفاة رسول الله ( )، وكانت تفاصيل مقتل (العنسي) قد خرجت من صنعاء، فوصلت الى الصديق بعد أن خرج جيش أسامة وكان هذا أول فتح أتى أبابكر وهو في المدينة( ).
ب- وعين أبوبكر (فيروز الديلمي) والياً على صنعاء وكتب إليه بذلك، ولم يول (أبوبكر) (قيساً) لأنه كان ممن مالأ الأسود العنسي وتابعه مخلصاً، عصبية لمذحج أو رغبة في الزعامة -وكان مبدأ أبي بكر عدم الاستعانة بمن ارتد( )، وجعل كل من داذويه، وجشيش، وقيس بن مكشوح مساعدين لفيروز، فتغيرت نفس قيس بن مكشوح المرادي، فعمل على قتل زعماء الأبناء الثلاثة، وقد تمكن من قتل (داذويه) سواء بنفسه أو بإيعاز منه- فتنبه لذلك (فيروز) فهرب الى أخواله في (خولان)( )، فما كان من قيس إلا أن اثارها عصبية (جنسية) فحاول جمع زعماء بعض القبائل ضد (الأبناء) مدعياً أنهم متحكمون فيهم، وأنه يرى قتل رؤسائهم وإجلاء بقيتهم، ولكن أولئك الزعماء وقفوا على الحياد فلم ينحازوا إليه ولا الى الأبناء وقالوا له: أنت صاحبهم وهم أصحابك؛ فلما يئس منهم عاد فكاتب فلول (الأسود العنسي) سواء الذين بقوا متذبذبين بين صنعاء ونجران، أو ممن إنحاز الى لحج، فطلب منهم الالتقاء بهم -ليكونوا جميعاً- على أمر واحد وهو نفي (الأبناء) فلم يشعر أهل صنعاء إلا وهم محاطون بتلك الفلول، ثم حرص (قيس) على تجميع (الأبناء) تمهيداً لنفيهم( ).
وعندما وصل فيروز الديلمي الى خولان كتب من هناك الى أبي بكر يخبره بما حصل من قيس فما كان منه إلا أن كتب الى الزعماء الذين كتب إليهم رسول الله ، وكانت صيغة الكتاب واضحة صريحة وهي: (أعينوا الأبناء على من ناوأهم، وحوطوهم، واسمعوا من فيروز، وجدوا معه فإني قد وليته)( ).
كان الصديق في نهجه هذا يستهدف أمرين متلازمين:
• أنه جعله خطة حربية حيث كان جيش أسامة بن زيد قد خرج الى الشام، وكان الخليفة ينتظر عودته حتى يتسنى له مواجهة أعنف موجات الردة في اليمامة والبحرين وعمان وتميم، وهي أشد وأعنف من موجات الردة في اليمن التي اكتفى بمعالجة بعضها بالرسائل والرسل.
• وأما الهدف الآخر فهو إعطاء الفرصة لمن ثبت على الاسلام لكي يبرهن على صدق إسلامه، ولكي يزداد ثباتاً واستمساكاً بدينه مادام هو صاحب المسؤولية والمتحمل لأمانة إقرار الإسلام فيمن حوله، خاصة أن من راسلهم أبوبكر كانوا هم الذين راسلهم رسول الله  من قبل، وقد ثبتوا وقاموا بما طُلب منهم( )، وقام فيروز بالاتصال ببعض القبائل يستمدهم ويستنصرهم وعلى رأس هؤلاء (بنو عقيل بن ربيعة بن عامر بن صعصعة) ثم أرسل الى قبيلة (عك) للغرض نفسه، وكان أبوبكر قد أرسل الى الطاهر بن أبي هالة( )، والى مسروق العكي -وكانا بين عك والأشعريين- أن يمدا الأبناء بالمعونة، فخرج كل من جهته وعملوا جميعاً للحيلولة دون تنفيذ مخطط قيس وهو طرد الأبناء وإخراجهم من اليمن، فانقذوهم ثم تكتلوا وتوجهوا نحو صنعاء جميعاً، فاصطدموا به حتى اضطر الى ترك صنعاء، وعاد الى ماكان عليه أصحاب الأسود العنسي وهو التذبذب بين نجران وصنعاء ولحج إلا أنه انضم الى عمرو بن معد يكرب الزبيد، وبهذا عادت صنعاء للمرة الثانية الى الهدوء والاستقرار عن طريق الرسل والكتب( ).
ج- واستمر الصديق يتابع سياسة الإحباط من الداخل وهي مايعبر عنها المؤرخون بقولهم: (ركوب من ارتد بمن لم يرتد وثبت على الاسلام)( ).
ففي ردة (تهامة اليمن) تم القضاء عليها بدون مجهود يذكر من قبل الخليفة، فقد تولاها المسلمون من أبناء تهامة مثل (مسروق) العكي الذي قاتل المرتدين بقومه من عك، وكان على رأس من قضاء على ردة تهامة (الطاهر بن أبي هالة) الذي كان والياً للرسول  على جزء من تهامة وهي موطن (عك والأشعريين)( )، ثم أمر أبوبكر (عكاشة بن ثور) أن يقيم في (تهامة) ليجمع حوله أهلها حتى يأتيه أمره( )، وأما بجيلة فإن أبابكر رد جرير بن عبدالله( )، وأمره أن يستنفر من قومه من ثبت على الاسلام ويقاتل بهم من ارتد عن الاسلام وأن يأتي خشعم فيقاتل من ارتد منهم، فخرج جرير وفعل ماأمره به الصديق ، فلم يقم له أحد إلا نفر يسير، فقتلهم وتتبعهم( ).
وكان بعض (بني الحارث بن كعب) بنجران قد تابعوا الأسود العنسي وبعد وفاة رسول الله  بقوا مترددين فخرج أليه (مسروق العكي) وهو يزمع مقاتلتهم فدعاهم الى الاسلام فأسلموا من غير قتال، فأقام فيهم ليعمل على استتباب الأمور فلم يأته (المهاجر بن أبي أمية) إلا وقد ضبط نجران( ).
وقد نجحت سياسة الاحباط من الداخل وتوّجه الصديق بإرسال الجيوش بعد عودة جيش أسامة.
د- جيش عكرمة:
بعد أن شارك في القضاء على ردة أهل عمان توجه نحو مهرة حسب أمر أبي بكر وكان معه سبع مئة فارس( )، فوق ماجمع حوله من قبائل عمان، وحينما دخل مهرة وجدها مقسمة بين زعيمين متناحرين: أحدهما يسمى شخريت ويتمركز في الساحل الساحلي، وهو أقل الجمعين عدداً وعدة. والآخر يسمى المصبح ونفوذه على المناطق المرتفعة وهو أكبر الجمعين، فدعاهما عكرمة الى الاسلام فاستجاب صاحب السهل الساحلي، وأما الآخر فقد اغتر بجموعه فأبى، فصادمه عكرمة ومعه (شخريت) فلحقته الهزيمة وقتل ومعه الكثير من أصحابه ثم أقام عكرمة فيهم يجمعهم ويقيم شؤونهم حتى جمعهم على الذي يجب، حيث بايعوا على الاسلام وأمنوا واستقروا( ). وكان قد تلقى كتاباً من أبي بكر يأمره بالاجتماع مع المهاجر بن أبي أمية القادم من (صنعاء) ليتوجها معاً الى كندة، فخرج من مهرة حتى نزل أبين وبقي هناك ينتظر المهاجر وعمل وهو هناك على جمع (النَخَع) وحمير وتثبيتهم على الاسلام( )، وكان لوصول عكرمة الى أبين أثر على بقية فلول الأسود العنسي وعلى رأسهم قيس بن المكشوح وعمرو بن معد يكرب، فبعد هروب قيس من صنعاء بقي متردداً بينهما وبين نجران، وكان (عمرو بن معد يكرب) قد انضوى الى فلول العنسي التي أطلق عليها الفلول اللحجية لأن وجهتهم كانت الى لحج، فلما جاء عكرمة انضم قيس الى عمرو وقد اجتمعا للقتال، ولكن مالبث أن نشب الخلاف بينهما فتعايرا ففارق كل واحد الآخر، فلما جاء المهاجر بن أمية أسرع عمرو لتسليم نفسه ولحقه قيس فأوثقهما المهاجر وبعث بهما الى أبي بكر، وبعد أن عاتبهما اعتذر كل واحد منهما عن فعله فأطلقهما ورجعاً بعد أن تابا وأصلحا( ).
وهكذا كان لقدوم عكرمة من الشرق دور في القضاء على فلول المرتدين الموجودين في لحج سواء بالمواجهة أو الخوف من هذا الجيش القادم، بينما هم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:09 am

يواجهون جيشاً آخر في الشمال بقيادة المهاجر( ).
س- جيش المهاجر بن ابي أمية للقضاء على ردة حضرموت وكندة:
كان آخر من خرج من المدينة من الجيوش الأحد عشر جيش المهاجر بن أبي أمية وكان معه سرية من المهاجرين والأنصار، فمر على مكة فانضم إليه (خالد بن أسد) -أخو (عتّاب بن أسد أمير مكة- ومر على الطائف فلحقه عبدالرحمن بن أبي العاص، ومن معه، ولما التقى (بجرير بن عبدالله البجلي بنجران ضمه إليه، ضم عكاشة بن ثورالذي جمع بعض أهل تهامة، ثم دخل في جموعه (فروة بن مسيك المرادي) الذي كان في أطراف بلاد مذحج ومر على بني الحارث بن كعب بنجران فوجد عليهم مسروق العكي فضمه إليه( ).
وفي نجران قسم جيشه الى فرقتين: فرقة تولت القضاء على فلول (الأسود العنسي) المتناثرة بين نجران وصنعاء، وكان المهاجر نفسه على هذه الفرقة، أما الفرقة الأخرى فكان عليها أخوه (عبدالله) وكانت مهمتها تطهير منطقة تهامة اليمن من بقية المرتدين( ).
وحينما استقر المهاجر في صنعاء كتب الى أبي بكر بما قام به وبما استقر عليه وبقى ينتظر الرد منه، وفي الوقت نفسه كتب معاذ بن جبل وبقية عمال اليمن الذين كانوا على عهد رسول الله  -ماعدا زياد بن لبيد- الى أبي بكر يستأذنونه بالعودة الى المدينة، فجاءت كتب أبي بكر مطلقة حق الاختيار لمعاذ ومن معه من العمال بالبقاء أو العودة والاستخلاف على عمل كل من رجع، فرجعوا جميعاً( )، وأما المهاجر فقد تلقى الأمر بالتوجه لملاقاة عكرمة وأن يسيرا معاً الى حضرموت لمعاونة زياد بن لبيد، وإقراره على ماهو عليه وأمره أن يأذن لمن معه من الذين قاتلوا بين مكة واليمن في العودة إلا أن يؤثر قوم الجهاد( ).
كان زياد بن لبيد الأنصاري والياً لرسول الله على كندة بحضرموت وأقره الصديق  على ذلك وكان حازماً شديداً وكان لحزمه وشدته سبب كبير في ان يتمرد عليه حارثة بن سراقة. وخلاصة ذلك كما يذكر الكلاعي، أن زياداً أعطى من ضمن الصدقة ناقة معينة لفتى من كندة على سبيل الخطأ، فلما أراد صاحبها استبدالها بأخرى لم يقبل منه ذلك زياد، فاستنجد الفتى بزعيم لهم هو حارثة بن سراقة، وعندما طلب ابن سراقة من زياد استبدال الناقة، أصر زياد على موقفه، فغضب ابن سراقة وأطلق الناقة عنوة، فوقعت الفتنة بين أنصار زياد وأنصار ابن سراقة، ودارت الحرب، وانهزم ابن سراقة، وقتل ملوك كندة الأربعة، وأسر زياد عدداً من جماعة ابن سراقة، واستنجد الأسرى وهم في طريقهم الى المدينة بالأشعث بن قيس، فنجدهم حمية وعبية واتسعت رقعتها وتكاثر جمع الأشعث وحصروا المسلمين( )، فأرسل زياد الى المهاجر وعكرمة يستعجلهما النجدة، وكانا قد التقيا بمأرب فما كان من المهاجر إلا أن ترك (عكرمة) الى الجيش وأخذ أسرع الناس وغالباً من الفرسان -ليكون بجانب زياد، وقد استطاع أن يفك الحصار عنه فهربت كندة الى حصن من حصونها يسمى النجير، وكان لهذا الحصن ثلاث طرق لا رابع لها، فنزل زياد على احدهما والمهاجر على الثانية وبقيت الثالثة تحت تصرف كندة حتى قدم عكرمة فنزل عليها، فحاصروهم من جميع الجهات، ثم بعث (المهاجر) الطلائع الى قبائل كندة والمتفرقة في السهل والجبل يدعوهم الى الاسلام ومن أبى قاتلوه، ولم يبق إلا في الحصن المحاصر( ).
وكان جيشا زياد والمهاجر يزيدان على خمسة آلاف رجل من المهاجرين والأنصار وغيرهم من القبائل، وقد عملا على التضييق على من في الحصن حتى ضجوا بالشكوى الى زعمائهم متبرمين من الجوع وفضلوا الموت بالسيف بدلاً من ذلك، فاتفق زعماؤهم على أن يقوم الأشعث بن قيس بطلب الأمان والنزول على حكم المسلمين( )، وبعد أن فوض الأشعث من قومه لمفاوضة المسلمين لم يوفق لأن الروايات تضافرت على أنه لم يطلب الأمان لجميع من في الحصن، أو أنه لم يصر على ذلك ولم يطلبه إلا لعدد ترواح حسب الروايات بين السبعة والعشرة، وكان الشرط هو فتح أبواب حصن (النُّجَير) وكان من جراء ذلك أن قتل من (كندة) في الحصن سبعمائة قتيل فاشبه موقفهم موقف يهود بني قريظة( ).
وتم القضاء على ردة كندة وعاد عكرمة بن أبي جهل ومعه السبايا والأخماس، وبرفقتهم الأشعث بن قيس، الذي صار مبغضاً الى قومه ولاسيما نساؤهم لأنهم عدوه سبب ذلتهم، ولأنه عندما صالح المسلمين كان أول مابدأ به أسمه، فكانت نساء قومه يسمينه عُرف النار، ومعناه بلغتهم: الغادر( ) ولما قدم الأشعث على أبي بكر، قال: ماذا تراني أصنع بك، فإنك قد فعلت ماعلمت! قال: تمنّ عليّ فتفكني من الحديد وتزوجني أختك، فإني قد راجعت وأسلمت. فقال أبوبكر: قد فعلت فزوجه أم فروة ابنة أبي قحافة، فكان بالمدينة حتى فتح العراق( ) وفي رواية جاء فيها : فلما خشي أن يقع به قال: أو تحتسب في خيراً فتطلق إساري وتقيلني عثرتي، وتقبل إسلامي، وتفعل بي مثل مافعلته بأمثالي وترد علي زوجتي -وقد كان خطب أم فروة بنت أبي قحافة مقدمه على رسول الله ، فزوجه وأخرها الى أن يقدم الثانية، فمات رسول الله، وفعل الأشعث مافعل، فخشى ألا ترد عليه- تجدني خير أهل بلادي لدين الله ! فتجافي له عن دمه، وقبل منه، ورد عليه أهله، وقال: انطلق فليبلغني عنك خير، وخلى عن القوم فذهبوا، وقسم أبوبكر في الناس الخمس( ).
هـ- دورس وعبر وفوائد:
• المرأة بين الهدم والبناء:
وفي حروب الردة باليمن تظهر صورتان مختلفتان للنساء، صورة المراة الطاهرة العفيفة التي تقف مع الاسلام وتحارب الرذيلة، وتقف مع المسلمين لكبح جماح شياطين الأنس والجن فهذه (آزاد) الفارسية زوج شهر بن باذان، وابنة عم فيروز الفارسي تقف مع الصف الاسلامي بكل عزم وتصميم وتدبر مع المسلمين خطة محكمة لاغتيال الأسود العنسي كذاب اليمن، فالمسلم في كل عصر يكبر في آزاد المسلمة غيرتها على دينها وينظر بستهجان الى مامجه قلم الدكتور محمد حسين هيكل عندما تحدث عن موقف آزاد من كذاب اليمن وحاول أن يرجع ماقامت به المرأة المسلمة آزاد الفارسية الى عصبية شهوانية وذلك في قوله عن الأسود: ولما استغلظ أمره وأثخن في الأرض استخف بقيس وبفيروز وجعل يرى في الأخيرين وفي سائر الفرس من تنطوي أضالعهم على المكر به، وعرفت زوجته الفارسية ذلك منه، فثار في عروقها دم قومها، وتحركت في نفسها عوامل الحقد على الكاهن القبيح، قاتل زوجها الشاب الفارسي الذي كانت تحبه من أعماق قلبها ولقد استطاعت بسجيتها النسوية أن تخفي ذلك عنه، وأن تسخوا له في البذل له من أنوثتها سخاءً جعله يركن إليها ويطمع في وفائها( ).
إنه أسلوب فيه لمز بالفارسية المؤمنة آزاد وكأنه يتهمها بالغدر لفارسيتها بالأسود العربي، ويأخذ عليها هذا الصنيع الذي كانت تظهر له فيه مالا تخفي، إنه توجيه للحدث في غير محله( )، وهذه المرأة الصالحة المسلمة قتل الاسود زوجها المسلم وتزوجها غصباً وهي التي وصفت الأسود الكذاب بقولها: والله ماخلق الله شخصاً أبغض إليّ منه، مايقوم لله على حق ولا ينتهي عن محرم( )، وهي التي جعلها الله تعالى سبباً لهلاك الطاغية الأسود العنسي، فلولا الله ثم جهودها الميمونة مااستطاع فيروز وأصحابه قتل الأسود( )، فالذي حركها لذلك العمل العظيم الذي فيه حتفها وموتها، هو حبها لدينها وعقيدتها وإسلامها وبغضها للأسود العنسي الكذاب الذي اراد أن يقضي على الاسلام في اليمن، فهذه صورة مشرقة مضيئة لما قامت به المرأة المسلمة في اليمن من الجهاد من أجل دينها، أما الصورة الكالحة المظلمة التي قامت به بعض بنات اليمن من يهود أو من لف لفهم، في حضرموت فقد طرن فرحاً بموت رسول الله ن فأقمن الليالي الحمراء مع المجّان والفساق، يشجعن على الرذيلة، ويزرين بالفضيلة، فقد رقص الشيطان فيها معهنّ وأتباعه طرباً لنكوص الناس عن الاسلام والدعوة الى التمرد عليه وحرب أهله( )، لقد حنت تلك البغايا الى الجاهلية ومافيها من المنكرات وانجذبن إليها إنجذاب الذباب الى أكوام من الأقذار، فقد تعودن على الفاحشة في حياتهن الجاهلية، فلما جاء الإسلام حجزتهن نظافته عنها، فشعرن وكأنهن بسجن ضيق يكدن يختنقن فيه، ولذا ماإن سمعن بموته  حتى أظهرن الشماتة فخضبن أيديهن بالحناء وقمن يضربن بالدفوف، ويغنين فرحتهن، فقد تحقق لهن ماكنّ يتمنينه على السلطة الجديدة، وكان معظمهن من علية القوم هناك، وبعضهن يهوديات وقد كان لكلا الطرفين: أشراف القوم من العرب، واليهود مصلحة في الانتقاض على مبادئ الاسلام، والانقضاض على كيانه لقد عرفت هذه الحركة في التاريخ بحركة البغايا، وكن نيفاً وعشرين بغياً متفرقات في قرى حضرموت، وأشهرهن هر بنت يامن اليهودية التي ضرب المثل بها في الزنا، فقيل: أزنى من هر، ويذكر التاريخ أن الفساق كانوا يتناوبونها لهذا الغرض في الجاهلية، ولكن هؤلاء السواقط لم يتركن وشأنهن يفسدن في المجتمع كما يحلو لهنّ( )، فقد وصل الخبر الى الصديق وأرسل رجل من أهل اليمن إليه هذه الأبيات:
أبلغ أبابكر إذا ماجئته
أن البغايا رُمنَ أيّ مَرامِ
أظهرن من موت النبي شماتة
وخضبن أيديهن بالعُلاّم( )
فاقطع هُديت كُفَّهن بصارم
كالبرق أومضى من متون غَمامِ( )
فكتب أبوبكر  الى عامله هناك المهاجر بن أبي أمية كتاباً في منتهى الحزم والصرامة جاء فيه: (فإذا جاءك كتابي هذا فسر إليهن بخيلك ورجلك حتى تقطع أيديهن، فإن دفعك عنهن دافع فاعذر إليه باتخاذ الحجة عليه وأعلمه عظيم مادخل فيها من الإثم والعدوان، فإن رجع فاقبل منه، وإن أبى فنابذه على سواء إن الله لايهدي كيد الخائنين ...) فلما قرأ المهاجر الكتاب جمع خيله ورجله وسار إليهنّ فحال بينه وبينهن رجال من كندة وحضرموت فأعذر إليهم فأبوا إلا قتاله ثم رجع عنه عامتهم فقاتلهم فهزمهم وأخذ النسوة فقطع أيديهن، فمات عامتهن وهاجر بعضهن الى الكوفة( ). لقد نلن جزاءهن في محكمة الاسلام العادلة، إذ أخذهن عامل أبي بكر على تلك البلاد، وطبق عليهن حد الحرابة( ).
ونقلت الأخبار للخليفة في امرأتين من بلاد حضرموت تغنتا بهجاء رسول الله ، والمسلمين، وكان قد عاقبهما المهاجر بن أبي أمية والي تلك البلاد، بقطع يديهما ونزع ثنيتيهما، فلم يرضى أبابكر وعدها عقوبة خفيفة في حق هاتين المجرمتين وقد وجه إليه كتاباً بهذا الخصوص قال فيه بحق الناعقة بشتم صحاب الرسالة: (بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمرت بشتيمة رسول الله ، فلولا ماقد سبقتني فيها لأمرتك بقتلها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مستسلم فهو مرتد، أومعاهد فهو محارب غادر( ). وقال في الأخرى: (بلغني انك قاطعت يد امرأة في أن تغنت بهجاء المسلمين ونزعت ثنيتها، فإن كانت ممن تدعي الاسلام، فأدب وتقدمة دون المثلة، وإن كانت ذمية لعمري لما صفحت عنه من الشرك أعظم، ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت مكروها فاقبل الدعة، وإياك والمثلة في الناس فإنها مأثم ومنفرة إلا في قصاص( ).
• من خطباء الإيمان:
كان بعض أهل اليمن لهم مواقف عظيمة في الثبات على الحق والدعوة الى الاسلام وتحذير قومهم من خطورة الردة ومن هؤلاء كان مران بن ذي عمير الهمداني أحد ملوك اليمن الذي كان قد أسلم ممن أسلم من أهل اليمن، فلما ارتد الناس هناك، وتكلم سفهاؤهم بما لايليق وقف فيهم خطيباً وقال لهم: يامعشر همدان، إنكم لم تقاتلوا رسول ، ولم يقاتلكم، فأصبتم بذلك الحظ ولبستم به العافية، ولم يعمكم بلعنة تفضح أوائلكم وتقطع دابره، وقد سبقكم قوم الى الاسلام وسبقتم قوماً فإن تمسكتم لحقتم من سبقكم، وإن أضعتموه لحقكم من سبقتموه، فأجابوا الى ماأحب وأنشد أبياتاً رثى فيها النبي  يقول فيها:
إن حزني على الرسول طويل
ذاك مني على الرسول قليل
بكت الأرض والسماء عليه
وبكاه خديمه جبريل( )
وقام عبدالله بن مالك الأرحبيُّ، وكان من أصحاب النبي ، له هجرة وفضل في دينه فاجتمع إليه همدان فقال: يامعشر همدان، إنكم لم تعبدوا محمداً، إنما عبدتم رب محمد وهو الحي الذي لايموت، غير أنكم أطعتم رسوله بطاعة الله، واعلموا أنه استنقذكم من النار، ولم يكن الله ليجمع أصحابه على ضلالة وذكر له خطبة طويلة يقول فيها:
لعمري لئن مات النبي محمد
لما مات ياابن القَيلِ ربُّ محمد
دعاه إليه ربُّه فأجابه
ياخير غوريٍّ( ) وياخير منجد( )
ووقف شرجبيل بن السِّمط وابنه في بني معاوية من كندة عندما أطبقوا كلهم على منع الصدقة وقالا لبني معاوية: إنه لقبيح بالأحرار التنقل، إن الكرام ليلزمون الشُّبْهة فيتكرمون أن ينتقلوا الى أوضح منها مخافة العار، فكيف الانتقال من الأمر الحسن الجميل والحق الى الباطل القبيح؛ اللهم إنا لانمالي قومنا على ذلك وانتقل ونزل مع زيد ومعهما امرؤ القيس بن عابس، وقالا له: بيّتِ القوم فإن أقواماً من السكاسك والسَّكون قد انضموا إليهم وكذلك شُذَّاذ من حضرموت، فإن لم تفعل خشينا أن تتفرق الناس عنا إليهم، فأجابهم الى تبييت القوم، فاجتمعوا وطرقوهم في محاجرهم فوجدوهم جلوساً حول نيرانهم، فأكبوا على بني عمرو وبني معاوية وفيهم العدد والشوكة من خمسة أوجه، فأصابوا الملوك الأربعة من كندة وأختهم العمّردة، وقتلوا فأكثروا، وهرب من أطاق الهرب، وعاد زياد بن لبيد بالأموال والسبي( )، فهذه بعض النماذج من أهل الايمان الذين كانت لهم مواقف تدل على عمق إيمانهم وشدة إنتمائهم الى الاسلام، فكانوا من خطباء الإيمان.
• كرامات الأولياء:
عندما تمكن الأسود العنسي باليمن وتنبأ بالنبوة بعث الى أبي مسلم الخولاني، فلما جاء قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ماأسمع. قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. فردد ذلك عليه، وفي كله يقول مثل قوله الأول قال: فأمر به فالقي في نار عظيمة، فلم تضره، فقيل له: انفه عنك، وإلا أفسد عليك من اتبعك، قال: فأمره بالرحيل فأتى المدينة وقد قبض رسول الله  واستخلف أبوبكر، فأناخ أبومسلم راحلته بباب المسجد، ودخل المسجد فقام يصلي الى سارية، وبصر به عمر بن الخطاب، فقام إليه، فقال: ممن الرجل؟ قال: من أهل اليمن، قال: مافعل الرجل الذي أحرقه الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبدالله بن ثوب، قال: أنشدك الله أنت هو؟ قال: اللهم نعم، فاعتنقه عمر وبكى ثم ذهب به فأجلسه فيما بينه وبين أبي بكر، وقال: الحمدلله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فعل به مافعل بإبراهيم خليل الله ( )، فهذه كرامة لهذا العبد الصالح الذي التزم بحدود الله، وأحب في الله، وابغض في الله، وتوكل على الله في كل شيء، وبذلك وفقه الله في القول والعمل ورزقه الأمن والطمأنية وأجرى الله على يديه هذه الكرامة قال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَلَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (سورة يونس، الآيات:62-64).
• العفو عند الصديق:
كان لأبي بكر بُعد نظر، وبصيرة نافذة، ونظر بعواقب الأمور ولذلك كان يستعمل الحزم في محله، والعفو عندما تقتضي إليه الحاجة، فقد كان حريصاً على جمع شتات القبائل تحت راية الاسلام، فكان من سياسته الحكيمة عفوه عن زعماء القبائل المعاندة بعد رجوعهم الى الحق فإنه لما استخضع قبائل اليمن المرتدة، وأراهم سطوة دولة المسلمين وقوة شكيمتهم ومضاء عزيمتهم واعترفت القبائل بما أنكرت، واستكانت لحكم الاسلام، وأطاعوا خليفة رسول الله رأى أبوبكر أنه من تأليف القلوب ترك استعمال القوة مع زعماء هذه القبائل بل اللين هنا والرفق أوفق، فرفع العقوبة عنهم وألان القول لهم، ووظف نفوذهم في قبائلهم لصالح الاسلام والمسلمين( )، فعفا عن زلتهم وأحسن إليهم، فقد فعل ذلك مع قيس بن يغوث المرادي، وعمرو بن معد يكرب، فقد كانوا من صناديد العرب وأفرسهم، وأكثرهم شجاعة، فعزّ على أبي بكر أن يخسرهم وحرص على أن يستخلصهم للاسلام، ويسنتقذهم من التردد بين الاسلام والردة، فقد قال أبوبكر لعمرو: أما تخزى أنك كل يوم مهزوم أو مأسور؟ لو نصرت هذا الدين لرفعك الله فقال عمرو: لاجرم لأفعلن ولن أعود) فأطلقه الصديق، ولم يرتد عمرو بعدها قط، بل أسلم وحسن إسلامه، ونصره الله وأصبح له بلاء عظيماً في الفتوحات، وندم قيس ، على مافعل، فعفا عنه الصديق، وكان للعفو عن هذين البطلين من أبطال عرب اليمن آثاره العميقة والعريضة فقد تألف به الصديق قلوب أقوام قد عادوا الى الاسلام بعد الردة خوفاً أو طمعاً، وعفا عن الأشعث بن قيس( ) وبذلك أسر الصديق قلوبهم، وامتلك افئدتهم، فكانوا في مستقبل الأيام نصراً للاسلام وقوة للمسلمين، وأصبحت لهم يد عظيمة في هذا المجال( ).
وصية الصديق لعكرمة ومحاسبته لمعاذ:
كان ابو بكر  حين بعث عكرمة بن أبي جهل إلى مُسيلمة وأتبعه شرحبيل بن حسنة، عجَّل عكرمة، فوافته بنو حنيفة فنكبوه، فكتب عكرمة إلى أبي بكر بالذي كان من أمره، فكتب إليه أبو بكر، يابن أم عكرمة، لا أرينَّك ولاتراني على حالها لاترجع فتوهن الناس، امضي على وجهك حتى تساند حذيفة وعرفجة فقاتل معهما أهل عُمان ومَهرة، وإن شغلا فامضي أنت، ثم تسير وتُسيِّر جندك تستبرئون من مررتم به، حتى تلتقوا أنتم والمهاجر بن أبي أمية باليمن وحضرموت( ).
ونلحظ أن الصديق حينما وجه الجيوش لقتال المرتدين وجه إلى مسيلمة الكذاب جيشين، أحدهما بقيادة عكرمة بن أبي جهل والثاني بقيادة شرحبيل بن حسنة وهذا دليل على خبرة أبي بكر الدقيقة بدرجات القوة عند الأعداء ومقدار مقدرتهم على الصمود، وحينما تعجل عكرمة لحرب مسيلمة فنُكب هو وجيشه أرسل إليه أبو بكر يقول له: (لاأريَنَّك ولاتراني على حالها، لاترجع فتوهن الناس) وهذا أيضاً من خبرة أبي بكر الحربية، فإن الروح المعنوية لها أثر كبير في نتائج المعارك، فإذا قدم هؤلاء المنهزمون فقابلوا الجيش المتوجه لقتال الأعداء أنفسهم فإن نفوس أفراد هذا الجيش سيكون فيها شيء من التخوف والضعف خصوصاً فيما إذا رَوَى لهم المنهزمون شيئاً عن ضخامة جيش الأعداء وقوته( ) وقد كان البعد الحربي عند الصديق واضحاً، فأرسل عكرمة وجيشه إلى مناطق أخرى وحقق نجاحاً باهراً فارتفعت معنويته وجيشه.
وعندما رجع معاذ من اليمن إلى المدينة واستقبله الصديق وكان من عادته مراقبة عماله ومحاسبتهم بعد فراغهم من عملهم قال الصديق لمعاذ: ارفع حسابك فقال معاذ: أحسابان حساب الله وحساب منكم؟ والله لاآلي لكم عملاً ابداً( ).
توحيد اليمن ووضوح الإسلام عند أهله، وطاعتهم للخليفة:
وبعد انتهاء حروب الردة تجمعت اليمن تحت قيادة مركزية عاصمتها المدينة المنورة، وقسم اليمن إلى أقسام إدارية لاوحدات قبلية، فقد قسم إلى ثلاثة أقسام إدارية: صنعاء والجند، وحضرموت ولم تعد العصبية القبلية أساساً في الزعامة أو في التولية، ولم تعد القبيلة سوى وحدة عسكرية لاسياسية، وأصبحت المقاييس المعتبرة هي المقاييس الإيمانية التقوى، والإخلاص، والعمل الصالح( ).
وتخلصت اليمن من بقايا الشرك ومن جميع مظاهره -شرك في الاعتقاد أو شرك في القول، أو شرك في الفعل: تركاً أو إتياناً، وأدركوا أن النبوة أرفع من أن يدعيها مدع عابث ويتخذها وسيلة إلى غرضه ورغبته( )، وأيقنوا أن الإيمان لايلتقي مع المطامع، وأن الإسلام لايتفق مع الجاهلية، عرفوا ذلك بالدماء والألم والحسرات، فقتل من كلا الطرفين الكثير وتعلم منهم الكثير( )، ورجع من كان قد ارتد إلى الإسلام يرجو التكفير عما بدر( ) واذن لهم بالجهاد في عصر الخليفة عمر بن الخطاب ، وقد برزت قيادات يمنية إسلامية في الفتوحات قد تربت وانصهرت في أحداث الردة، وكانوا من الثابتين على الإسلام كجرير بن عبدالله البجلي، وذو الكلاع الحميري، ومسعود بن العكي، وجرير بن عبدالله الحميري وغيرهم، وكان لهذه القيادات أدوار بارزة في الفتوحات الإسلامية وفي عمران مدن جديدة، في الكوفة والبصرة والعراق، والفسطاط بمصر، وبرزت -أيضاً- شخصيات يمنية عينت في اليمن وغير اليمن قضاة وولاة مثل حشك عبدالحميد، وسعيد بن عبدالله الأعرج، وشرحبيل بن السمط الكندي وغيرهم( ).
والتحم أهل اليمن بالدولة الإسلامية وبقيادتها سواء التي عليهم مباشرة أو القيادة العامة (الخليفة) في المدينة ولهذا حينما دعاهم الخليفة للجهاد سارعوا طواعية ورغبة في الجهاد -كما سأتي تفصيله بإذن الله تعالى-
لقد تربوا في أحداث الردة تربية كافية جعلتهم موصولين بالقيادة واثقين بها، ولذا ساد الهدوء والاستقرار واصبحوا خير مدد للإسلام والمسلمين( ).
2-القضاء على فتنة طليحة الأسدي:
طليحة الأسدي هو المتنبئ الثالث من المتنبئة الذين ظهروا في الإسلام أواخر عهد رسول الله  بالحياة، وطليحة هذا هو طليحة بن خويلد بن نوفل بن نضلة الأسدي، ولقد قدم مع و فد قومه أسد على رسول الله  في عام الوفود سنة تسع للهجرة، فسلموا عليه، وقالوا له ممتنين: جئناك نشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، ولم تبعث إلينا، ونحن لمن وراءنا، فأنزل الله عزوجل قوله: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (سورة الحجرات، آية:17). ولما عادوا ارتد طليحة وتنبأ( )، وعسكر في سميراء (منطقة في بلادهم)، واتبعه العوام واستكشف أمره (وأول ما صدر عنه -وكان سبباً لضلال الناس- أنه كان مع بعض قومه في سفر، فأعوزهم الماء وغلب العطش على الناس، فقال: اركبوا أعلالاً (اسم فرسه) واضربوا أميالاً، تجدوا بلالاً، ففعلوا فوجدوا الماء فكان ذلك سبب وقوع الأعراب في الفتنة)( ).
ومن خزعبلاته أنه رفع السجود من الصلاة، وكان يزعم أن الوحي يأتيه من السماء، ومن أسجاعه التي ادعى أنه يوحي له بها قولهSadوالحمام واليمام، والصُّرد الصّوام، قد صمن قبلكم بأعوام، ليبلغن ملكُنا العراق والشام)( ) وغرته نفسه واشتد أمره وقوت شوكته، فبعث رسول الله  ضرار بن الأزور الأسدي لمقاتلته لما سمع من أمره. ولكن ضراراً لم يكن له به قبل، وذلك لتعاظم قوته مع الزمن، ولاسيما بعد أن آمن به الحليفان: أسد وغطفان( )، وتقول عنه دائرة المعارف الإسلامية: (ويروى عنه أنه كان يرتجل الشعر ويخطب عفو الساعة في ميدان القتال. ويبدو أنه كان مثالاً -حقاً- للزعيم القبلي الجاهلي. وقد اجتمعت فيه صفات: العرَّاف والشاعر والخطيب والمقاتل( ). ويشمّ من هذا النص رائحة المدح المبطن لطليحة من قبل هذه الموسوعة الشهيرة، فهو في نظرها الزعيم القبلي المثال، يرتجل الشعر والخطابة، وهما أهم ماكان يحرص عليه العربي آنذاك، ولايستغرب هذا الاتجاه من هذه الموسوعة التي جعلت من اللمز في الإسلام ديدنها، سواء أعرفت أن طليحة عاد فأسلم وحسن أسلامه أم لم تعرف.
وتوفي رسول الله ولم يحسم أمر طليحة( ) وتولى الخلافة الصديق  وعقد الألوية للجيوش والأمراء للقضاء على المرتدين وكان من ضمنهم طليحة ووجه إليه الصديق جيشاً بقيادة خالد بن الوليد، روى الإمام أحمد: ... أن أبا بكر الصديق لما عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة، قال: سمعت رسول الله  يقول: نَعْمَ عبدالله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله سَلَّه الله على الكفار والمنافقين( ). ولما توجه خالد من ذي القّصَّة وفارقه الصديق واعده أنه سيلقاه من ناحية خيبر بمن معه من الأمراء وأظهروا ذلك ليرعبوا الأعراب -وأمره أن يذهب أولاً إلى طليحة الأسدي، ثم يذهب بعده إلى بني تميم، وكان طليحة بن خويلد في قومه بني أسد، وفي غطفان، وانضم إليهم بنو عبس وذبيان، وبعث إلى بني جَدِيلة والغوث من طئ يستدعيهم إليه، فبعثوا أقواماً منهم بين أيديهم، ليلحقوهم على أثرهم سريعاً، وكان الصديق قد بعث عدي بن حاتم قبل خالد بن الوليد، وقال له: أدرك قومك لايلحقوا بطليحة فيكون دمارهم، فذهب عدي إلى قومه بني طئ فأمرهم أن يبايعوا الصديق( )، وأن يراجعوا أمر الله فقالوا: لانابيع أبا الفَصيِل( ) أبداً -يعنون أبا بكر - فقال والله ليأتينكم جيشه فلا يزالون يقاتلونكم حتى تعلموا أنه أبو الفحل الأكبر، ولم يزل عدي يَفْتِل لهم في الذُّروة والغارب حتى لانوا، وجاء خالد في الجنود وعلى مقدمة الأنصار الذين معه: ثابت بن قيس بن شّماس، وبعث بين يديه، ثابت بن أقرم، وعكاشة بن محصن، طليعة، فتلقاهما حِبَال -ابن أخي طليحة، فقتلاه فبلغ خبره طليحة فخرج هو وأخوه سلمة، فلما وجدا ثابتاً وعُكّاشة تبارزوا، وحمل طليحة على عُكاشة فقتله، وقتل سلمة، ثابت بن أقرم، وجاء خالد بمن معه فوجودهما صريعين، فشق ذلك المسلمين، ومال خالد إلى بني طئ، فخرج إليه عدي بن حاتم فقال: أنظرني ثلاثة أيام، فإنهم قد استنظروني حتى يبعثوا إلى من تعجّل منهم إلى طليحة حتى يرجعوا إليهم، فإنهم يخشون إن تابعوك أن يقتل طليحة من سار إليه منهم، وهذا أحبّ إليك من أن يعجلهم إلى النار، فلما كان بعد ثلاث جاءه عدي في خمسمائة مقاتل ممن راجع الحق، فانضافوا إلى جيش خالد وقصد خالد بني جَدِيلة فقال له: ياخالد، أجّلني أياما حتى آتيهم، فلعل الله أن ينقذهم كما أنقذ الغوث( )، فأتاهم عدي فلم يزل بهم حتى تابعوه، فجاء بإسلامهم، ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب، فكان عدي خير مولود وأعظمه بركة على قومه ( ).
أ-معركة بُزَاخَة والقضاء على بني أسد:
ثم سار خالد حتى نزل بأجا وسلمى، وعَبّى جيشه هنالك والتقى مع طليحة الاسدي بمكان يقال له: بُزَاخة ووقفت أحياء كثيرة من الأعراب ينظرون على من تكون الدائرة، وجاء طليحة فيمن معه من قومه، ومن التف معهم وانضاف إليهم، وقد حضر معه عُيَيْنة بن حِصْن، في سبعمائة من قومه بين فزارة، واصطف الناس، وجلس طليحة ملتفا في كساء له يتنبأ لهم، ينظر مايوحى إليه فيما يزعم، وجعل عيينة يقاتل، حتى إذا ضجر من القتال جاء الى طليحة وهو ملتف في كسائه وقال له: أجاءك جبريل؟ فيقول: لا، فيرجع فيقاتل، ثم يرجع فيقول له مثل ذلك، ويرد عليه مثل ذلك، فلما كان في الثالثة قال له: هل جاءك جبريل؟ قال: نعم، قال: فما قال لك؟ قال: قال لي: إن لك رحا كرحاه، وحديثاً لاتنساه، قال يقول عيينة: أظن أن قد علم الله سيكون لك حديثاً لاتنساه، ثم قال: يابني فزارة انصرفوا، وانهزم، وانهزم الناس عن طليحة، فلما جاءه المسلمون، ركب على فرس كان قد أعدها له، وأركب امرأته النّوار على بعير له، ثم انهزم بها إلى الشام وتفرق جمعه، وقد قتل الله طائفة ممن كان معه( ).
وقد كتب أبو بكر الصديق إلى خالد بن الوليد حين جاءه أنه كسر طليحة ومن كان في صفه، وقام بنصره فكتب إليه: ليزدك ما أنعم الله به خيراً، واتق الله في أمرك، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، جدّ في أمرك ولاتلن، ولاتظفر بأحد من المشركين قتل من المسلمين إلا نَكّلْت به، فأقام خالد ببزاخة شهراً يُصَعد عنها ويصوّب، ويرجع إليها في طلب الذي وصاه الصديق، فجعل يتردد في طلب هؤلاء شهراً يأخذ بثأر من قتلوا من المسلمين الذين كانوا بين أظهرهم حين ارتدوا، فمنهم من حرّقه بالنار، ومنهم من رَضَخه بالحجارة، ومنهم من رَمَى به من شواهق الجبال، كل هذا ليعتبر بهم من يسمع بخبرهم من مرتدة العرب( ).
ب-وفد بني أسد وغطفان إلى الصديق وحكمه عليهم:
لما قدم وفد بزاخة -اسد وغطفان- على أبي بكر يسألونه الصلح، خيّرهم أبو بكر بين حرب مُجلية أو خطة مخزية، فقالوا: ياخليفة رسول الله أما الحرب المجلية فقد عرفناها، فما الخطة المخزية؟ قال: تؤخذ منكم الحلقة والكُرَاع، وتتركون أقواماً تتبعون أذناب الإبل، حتى يُرَى الله خليفة نبيه والمؤمنين أمراً يعذرونكم به، وتؤدون ما أصبتم منا، ولانؤدي ما أصبنا منكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة، وأن قتلاكم في النار، وتدون قتلانا، ولاندي قتلاكم، فقال عمر: أما قولك تدون قتلانا، فإن قتلانا قتلوا على أمر الله لاديات لهم، فامتنع عمر وقال عمر في الثاني: نعم مارأيت( ).
جـ-قصة أم زِمْل:
كان قد اجتمع طائفة كثيرة من الضُلاّل من أصحاب طليحة من بني غطفان إلى امرأة يقال لها: أم زِمْل -سلمى بنت مالك بن حذيفة في مكان يسمى ظَفَر( )-وكانت من سيدات العرب كأمها أم قِرْفة( )، وكان يضرب بأمها المثل في الشرف لكثرة أولادها، وعزة قبيلتها وبيتها، فلما اجتمعوا إليها ذمرتهم لقتال خالد، فهاجوا لذلك، وناشب إليهم آخرون من بني سُلَيم، وطئ، وهوازن، واسد، فصاروا جيشاً كثيفاً، وتفحل أمر هذه المرأة، فلما سمع بهم خالد بن الوليد سار إليهم، واقتتلوا قتالاً شديداً، وهي راكبة على جمل أمها الذي كان يقال له: من نخسه فله مائة من الإبل، وذلك لعزها، فهزمهم خالد وعقر جملها وقتلها وبعث بالفتح إلى الصديق( ).
د-دروس وعبر وفوائد:
ثقة الصديق بالله وخبرته الحربية:
قول الصديق لعدي بن حاتم: ادرك قومك لايلحقوا بطليحة فيكون دمارهم. فيه مثال على قوة يقين أبي بكر  وثقته بنصر الله فقد حكم على نتيجة المعركة مع طئ قبل الدخول فيها، وفي أمر أبي بكر خالداً رضي الله عنهما بأن يبدأ بحرب قبيلة طئ مع أنها أبعد من تجمع طليحة خطة حربية ناجحة، وذلك ليحول دون انضمام طئ إلى طليحة وليضطر من انضم إليه منهم إلى التخلي عنه، للدفاع عن قبيلتهم، ثم في إظهار أبي بكر أنه خارج جهة خيبر ليلاقي خالداً ببلاد طئ تخطيط حربي بارع، وذلك لإرهاب تلك القبيلة والقبائل المجاورة، وتظهر براعة الصديق في اختيار الرجال أن اختار لهذه المهمة التي لها مابعدها أبا سليمان خالد بن الوليد، الذي لم تنتكس له راية( )، وفي خطاب الصديق لخالد بعد انتهاء معركة بزاخة فوائد منها: الدعاء لخالد الذي يفهم منه الثناء عليه بإحسان، كما يتضمن أمره بتقوى الله، وذلك فيه العصمة من الوقوع في الزلل، واتباع الهوى، كما أمره بالجد والحزم مع الأعداء لأنهم مازالوا في فورة طغيانهم، وهذا موقف قوي يدل على حزم الصديق  وبصيرته النافذة، فهناك قبائل لاتزال متحيرة ومترددة بين الحق والباطل، والهدى والضلال والخير والشر، والإيمان والكفر بحاجة إلى تأديب وردع حتى يزول طغيانهم، فالموقف من أبي بكر يقتضي أعلى درجات القوة والحزم والسرعة، فكانت منه القوة في محل القوة كما كان منه اللين في محل اللين.
قال الشاعر:
ووضع النَّدَى في موضع السيف للندى
مُضرُّ كوضع السيف في موضع الندى( )
وفي موقف الصديق في عدم قبول استلام هؤلاء المحاربين وعدم قبول الصلح إلا بحرب مجلية أو خطة مخزية إظهار عزة الإسلام وهيبة دولته فكانت شروطه في الصلح قوية وكان من أشدها عليهم مصادرة أسلحتهم وخيولهم وكان هذا الشرط مؤقت بظهور صدق توبتهم وخضوعهم لدولة الإسلام، وقد كان لابد منه لضمان عدم عودتهم إلى التمرد مرة أخرى( ).
• نصح عدي بن حاتم لقومه والحرب النفسية التي شنها عليهم:
قدم عدي على قومه طئ، فدعاهم للرجوع للإسلام فقالوا: لانبايع أبا الفصيل أبداً( ) فقال: لقد أتاكم قوم ليُبيحُنّ حريمكم، ولتكنُّنه بالفحل الأكبر، فشأنكم به فقالوا له: فاستقبل الجيش فنهنهه( ) عنّا حتى نستخرج من لحق بالبُزاخة منّا، فإنا إن خالفنا طليحة وهم في يديه قتلهم أو ارتهنهم. فاستقبل عديُّ خالداً وهو بالسُّنح، فقال: ياخالد، أمسك عني ثلاثاً يجتمع لك خمسمائة مقاتل تضرب بهم عدوك، وذلك خير من أن تُعْجلهم إلى النار وتتشاغل بهم ففعل، فعاد عدي بإسلامهم إلى خالد( )، فهذا موقف استطاع فيه عدي أن يقنع قبيلته بفرعيها بني الغوث وبني جديلة بالتخلي عن معكسر طليحة والانضمام إلى جيش خالد بن الوليد، وهذا تحوُّل مهم في تقرير نتائج معركة بزاخة الحاسمة، فهذا موقف عظيم يسجل لعدي  إلى جانب موقفه الأول حينما قدم على الصديق بصدقات قومه، وكان المسلمون بأمس الحاجة إلى المال آنذاك، ولقد كان إسلامه من أول يوم إسلام رجل العلم والفهم فكان عن قناعة واختيار، وكان واثقاً من انتصار الإسلام والمسلمين في النهاية كما بشره بذلك النبي  يوم إسلامه، فكان لإيمانه القوي أثر في إقناع قومه في العدول عما توجهوا إليه من مناصرة أعداء الإسلام ولم تكن قناعتهم إلى حد الحياد والانتظار حتى يروا لمن تكون الدائرة، بل انضم منهم ألف وخمسمائة إلى جيش المسلمين مما يدل على مبلغ أثره فيهم( )، وجاء في رواية: أن قومه طلبوا من خالد بأن يقاتلوا قيساً لأن بني أسد حلفاؤهم، فقال لهم خالد: والله ماقيس بأوهن الشوكتين اصمدوا إلى أي القبيلتين أحببتم، فقال عدي: لو ترك هذا الدين أسرتي الأدنى فالأدنى من قومي لجاهدتهم عليه، فأنا امتنع من جهاد بني أسد لحلفهم! لالعمر الله لاأفعل فقال له خالد: إن جهاد الفريقين جميعاً جهاد لاتخالف رأي أصحابك، امضي إلى أحد الفريقين، وامضي بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط( )، وفي انكار عدي على قومه دليل على قوة إيمانه وغزارة علمه حيث والى أولياء الله وإن كانوا بعيدين عنه في النسب وتبرأ من أعداء الله وإن كانوا من أقاربه( )، كما تظهر خبرة خالد بن الوليد الحربية حينما أمر عديا بأن لايخالف قومه في تمنعهم من مواجهة حلفائهم بني أسد وأن يوجههم إلى الوجه الجهادي الذي يكونون فيه أنشط على القتال( ) لقد كان الدور الذي قام به عدي في دعوة قبيلته إلى الانضمام إلى جيش المسلمين عظيماً، فكان دخول طئ في جيش خالد أول وهن اصيب به الأعداء، لأن قبيلة طئ من اقوى قبائل جزيرة العرب، وممن كانت القبائل تحسب لها حسابا، وتنظر إليها باعتبارها على درجة من القوة بحيث كانت مرهوبة الجانب، عزيزة في بلادها، تتقرب اليها جاراتها بالتحالف معها، لقد التقى الجمعان بعد ان دب الوهن في نفوس الأعداء فكتب الله النصر لجيش المسلمين فسرعان ماطفقوا يقتلون ويأسرون حتى ابادوا جميع أعدائهم وهرب قائدهم طليحة على فرسه، ولم يسلم منهم إلا من استسلم أو هرب، وبعد هذه الوقعة انتشر الضعف في نفوس المرتدين من قبائل الجزيرة، فاصبح الجيش الإسلامي لايجد عناءاً في هزيمة من تجمع منهم في أماكن أخرى( ).
أسباب هزيمة طليحة بن خويلد الأسدي:
كانت هناك مجموعة من الأسباب ساهمت في هزيمة طليحة الأسدي منها:
• إن المسلمين كانوا يقاتلون مدفوعين بعقيدة راسخة، ويقين بنصر الله، وحب في الشهادة، فكان حب الموت في سبيل الله تعالى سلاحاً معنوياً فتاكاً، فكان خالد يرسل للمرتدين هذه الكلمات القلائل: لقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة( )، ولقد عرف العدو نفسه من خلال تعامله مع قوات المسلمين في المعارك التي خاضوها معه، صدقهم في تنفيذ هذا المبدأ، فقد سأل طليحة الأسدي قومه لما انهزموا في موقعة بزاخة مع جيش خالد بشيء كبير من الحنق والتعجبSadويلكم مايهزمكم؟) فقال رجل منهم: أنا أخبركم، إنه ليس رجل (منّا) إلا وهو يحب أن يموت قبل صاحبه وإن نلقى أقواماً كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه( ).
• كان لانضمام طئ أثره في تقوية المسلمين وإضعاف أعدائهم، كما كان مقتل الصحابيين، عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم قد زاد من غيظ المسلمين ودفعهم إلى قتال أعدائهم، كما كان لتورية أبي بكر الصديق تأثير على طئ، في عدم التعاون مع حلفائها وبقائها في مواضعها الأصلية، وأما التورية المشار إليها فإن الصديق أوهم الناس أنه متوجه إلى خيبر بدلاً من الجهة الأصلية التي حُدِّدت للجيش، كما كان لإفساح المجال لطئ كي تقاتل قيساً كما أرادت شجعها على الاستقلال في الحرب، إذ لو أمر خالد على أن يقاتلوا حلفائهم من بني أسد كما أراد عدي بن حاتم لقصرت طئ في حربها أيما تقصير( )، وغير ذلك من الأسباب.
• من نتائج معركة بزاخة:
القضاء على قوة أحد الأدعياء الأقوياء،وعودة فريق كبير من العرب إلى حظيرة الإسلام، فقد أقبلت بنو عامر بعد هزيمة بزاخة يقولون : ندخل فيما خرجنا منه فبايعهم خالد على مابايع عليه أهل بزاخة من أسد وغطفان وطئ قبلهم وأعطوه بأيديهم على الإسلام، ولم يقبل أحد من أسد ولاغطفان ولاهوازن ولاسليم ولاطيئ إلا أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على أهل الإسلام في حال ردتهم. فأتوه بهم ... فمثل خالد بن الوليد -بالذين عدوا على الإسلام، فأحرقهم بالنيران ورضخهم بالحجارة، ورمى بهم في الجبال، ونكسهم في الآبار، وخزق بالنبال وبعث بقرة بن هبيرة والأسارى، وكتب إلى أبي بكر: إن بني عامر أقبلت بعد إعراض، ودخلت في الإسلام بعد تربص وإني لم أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شيئاً حتى يجيئوني بمن عدا على المسلمين فقتلتهم كل قتلة، وبعثت إليك بقرة وأصحابه( )، وكان عيينة بن حصن من بين الأسرى فأمر خالد بشد وثاقه تنكيلاً به، وبعثه إلى المدينة ويداه إلى عنقه، إزراء عليه وإرهاباً لسواه، فلما دخل المدينة على هيئته تلقاه صبيان المدينة مستهزئين وأخذوا يلكزونه بأيديهم الصغيرة قائلين: (أي عدو الله! ارتددت عن الإسلام!!) فيقول: والله ماكنت آمنت قط، وجئ به إلى خليفة رسول الله، ولقي من الخليفة سماحة لم يصدقها وأمر بفك يديه، ثم استتابه، فأعلن عيينة توبة نصوحاً، واعتذر عما كان منه وأسلم وحسن إسلامه( ).
ومضى طليحة، حتى، نزل كلب( ) على النَّقع، فأسلم ولم يزل مقيماً في كلب حتى مات أبو بكر، وكان إسلامه هنالك حين بلغه أن أسداً، وغطفان، وعامراً قد أسلموا، ثم خرج نحو مكة معتمراً في إمارة أبي بكر، ومرّ بجنبات المدينة، فقيل لأبي بكر: هذا طليحة، فقال: ما أصنع به! خلوا عنه، فقد هداه الله للإسلام( ) وقد جاء عند ابن كثير: وأما طليحة فإنه راجع الإسلام بعد ذلك أيضاً وذهب إلى مكة معتمراً أيام الصديق واستحيَ أن يواجهه مدة حياته، وقد منع الصديق المرتدين من المشاركة في فتوحاته بالعراق والشام ويحتمل أن يكون ذلك من باب الاحتياط لأمر الأمة، لأن من كان له سوابق في الضلال والكيد للمسلمين لايُؤمن أن يكون رجوعه من باب الاستسلام لقوة المسلمين فأبوبكر  من الأئمة الذين يرسمون للناس خط سيرهم ويتأسى بهم الناس بأقوالهم وأفعالهم فهو لذلك يأخذ بمبدأ الاحتياط لما فيه صالح الأمة، وإن كان في ذلك وضع من شأن بعض الأفراد( ) وهذا درس عظيم تتعلمه الأمة في عدم وضع الثقة بمن كانت لهم سوابق في الإلحاد ثم ظهر منهم العودة إلى الالتزام بالدين.
إن وضع الثقة الكاملة بهؤلاء وإسناد الأعمال القيادية لهم قد جرَّ على الأمة أحياناً ويلات كثيرة وأوصلها إلى مآزق خطيرة، على أن أخذ الحذر من مثل هؤلاء لايعني اتهامهم في دينهم ولانزع الثقة منهم بالكلية، وهذا معلم من سياسة الصديق في التعامل مع أمثال هؤلاء( ).
هذا وقد حسن إسلام طليحة واتى عمر إلى البيعة حين استخلف. وقال له عمر: أنت قاتل عكاشة وثابت( )، والله لاأحبُّك أبداً. فقال: يا أمير المؤمنين، ماتهتم من رجلين أكرمهما الله بيدي، ولم يُهنِّي بأيديهما! فبايعه عمر ثم قال له: ياخُدَع، مابقي من كهانتك؟ قال: نفخة أو نفختان بالكير. ثم رجع إلى دار قومه، فأقام بها حتى خرج إلىالعراق( )، وقد كان إسلامه صحيحاً ولم يُغْمض( ) عليه فيه وقال يعتذر ويذكر ماكان منه:
ندمت على ماكان من قتل ثابت
وعُكَّاشة الغنمِّي ثم ابن معبد
واعظم من هاتين عندي مصيبةً
رجوعي عن الإسلام، فعل التعمُّد
وتركي بلادي والحوادث جَمَّةٌ
طريداً، وقد ماكنت غير مطرَّد
فهل يقبل الصديق أني مراجع
ومُعطٍ بما أحدثتُ من حدثٍ يدي
وأني من بعد الضلالة شاهد
شهادة حقٍّ ليس فيها بملحد
بأن إله الناس ربي وأنني
ذليل وأن الدين دينُ محمد( )
هـ-قصة الفجاءة:
وإسمه إياس بن عبدالله بن عبد ياليل بن عمير بن خُفَاف من بني سُليم، قاله ابن اسحاق. وقد كان الصديق حرّق الفجاءة بالبقيع في المدينة، وكان سببه أنه قدم عليه فزعم أنه أسلم، وسأل منه أن يجهز معه جيشاً يقاتل به أهل الردة، فجهز معه جيشاً، فلما سار جعل لايمر بمسلم ولا مرتد إلا قتله وأخذ ماله، فلما سمع الصديق بعث وراءه جيشاً فردّه، فلما أمكنه الله منه، بعث به إلى البقيع، فجمعت يداه إلى قفاه وألقى في النار، فحرقه وهو مقموط( )( ) وكان الذي ألقى القبض عليه طريفة بن حاجز وهذا يظهر لنا دور مسلمي سليم في محاربة المفسدين في الأرض والمرتدين( ).
وهذه العقوبة بسبب غدر الفجاءة، أو لأنه قد يكون ارتكب مع ضحاياه من المسلمين جريمة الإحراق مرة أو مرات( ).
و- ماقاله حسان في من قال لا نطيع أبا الفصيل، يعنون أبابكر:
ماالبكرُ إلا كالفصيل وقد ترى
إن الفصيل عليه ليس بعار
إنا وماحج الحجيج لبيته
ركبان مكة معشر الانصار
نفري جماحمكم بكلِّ مهند
ضرب القُدار( ) مبادي الأيسار( )
حتى تكَنُّوه بفحْل هنيدة( )
يحمي الطروقة بازل هدّار( )
3-سجاح وبنو تميم ومقتل مالك بن نويرة اليربوعي:
أ-كانت بنو تميم قد اختلفت آراؤهم أيام الردة، فمنهم من ارتد ومنع الزكاة، ومنهم من بعث بأموال الصدقات إلى الصديق، ومنهم من توقف لينظر في أمره فبينما هم كذلك إذ أقبلت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عُقْفان التغلبية من الجزيرة وهي من نصارى العرب، وقد ادعت النبوة ومعها جنود من قومها ومن التف بهم، وقد عزموا على غزو أبي بكر الصديق، فلما مرت ببلاد بني تميم دعتهم إلى أمرها، فاستجاب لها عامتهم، وكان ممن استجاب لها، مالك بن نويرة التميمي، وعطارد بن حاجب، وجماعة من سادات أمراء بني تميم، وتخلّف آخرون منهم عنها، ثم اصطلحوا على أن لاحرب بينهم، إلا أن مالك بن نويرة لما وادعها ثناها عن عزمها، وحرّضها على بني يربوع، ثم اتفق الجميع على قتال الناس، وقالوا: بمن نبدأ فقالت لهم فيما تسجعه: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب( ) فليس دونها حجاب. ثم استطاع بنو تميم اقناعها بقصد اليمامة، لتأخذها من مسيلمة بن حبيب الكذاب، فهابه قومها وقالوا: إنه قد استفحل أمره وعظم، فقالت لهم فيما تقوله: عليكم باليمامة دفوا دفيف الحمامة، فإنها غزوة صرّامة لاتلحقكم بعدها ملامة. فعمدوا لحرب مسيلمة، فلما سمع بمسيرها إليه خافها على بلاده، وذلك أنه مشغول بمقاتلة ثمامة بن أثال، وقد ساعده عكرمة بن أبي جهل بجنود المسلمين، وهم نازلون ببعض بلاده ينتظرون قدوم خالد، فبعث إليها يستأمنها ويضمن لها أن يعطيها نصف الأرض الذي كان لقريش لو عدلت، فقد رده الله عليك فحباك به، وراسلها ليجتمع بها في طائفة من قومه، فركب إليها في أربعين من قومه، وجاء إليها فاجتمعا في خيمة، فلما خلا بها وعرض عليها ماعرض من نصف الأرض، وقبلت ذلك، قال مسيلمة: سمع الله لمن سمع، وأطعمه بالخير، إذا طمع، ولايزال أمره في كل مايسر مجتمع ثم قال لها: هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب؟ قالت: نعم. وأقامت عنده ثلاثة أيام، ثم رجعت إلى قومها فقالوا: أصدقك؟ فقالت: لم يصدقني شيئاً، فقالوا: إنه قبيح على مثلك أن تتزوج بغير صداق، فبعثت إليه تسأله صداقاً، فقال: ارسلي إليّ مؤذنك، فبعثته إليه، وهو شبث بن ربعي الرياحي-فقال: ناد في قومك: أن مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد -يعني صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة- فكان هذا صداقها عليه- ثم انثنت سجاح راجعة إلى بلادها وذلك حين بلغها دنو خالد من أرض اليمامة فكرّت راجعة إلى الجزيرة بعدما قبضت من مسيلمة نصف خراج أرضه، فأقامت في قومها بني تغلب، إلى زمان معاوية، فأجلاهم منها عام الجماعة( ).
كان مالك قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة، فلما اتصلت بمسيلمة ثم ترحلت إلى بلادها، ندم مالك بن نويرة على ماكان من أمره، وتلوم في شأنه، وهو نازل بمكان يقال له: البُطاح( )، فقصده خالد بجنوده وتأخرت عنه الأنصار، وقالوا: إنا قد قضينا ما أمرنا به الصديق، فقال لهم خالد: إن هذا أمر لابد من فعله، وفرصة لابد من انتهازها، وإنه لم يأتيني فيها كتاب، وأنا الأمير وإليّ ترد الأخبار، وليست بالذي أجبركم على المسير، وأنا قاصد البُطاح، فسار يومين ثم لحقه رسول الأنصار يطلبون منه الانتظار، فلحقوا به، فلما وصل البطاح وعليها مالك ابن نويرة، بَثّ خالد السرايا في البُطاح يدعون الناس، فاستقبله أمراء بني تميم بالسمع والطاعة، وبذلوا الزكوات، إلا ماكان من مالك بن نويرة فإنه متحير في أمره، متنح عن الناس، فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابه، واختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة- الحارث بن ربعي الأنصاري- أنهم أقاموا الصلاة، وقال آخرون: إنهم لم يؤذنوا ولاصلوا، فيقال إن الأسارى باتوا في كبولهم في ليلة شديدة البرد، فنادى منادي خالد: أن أدفئوا أسراكم. فظن القوم أنه أراد القتل، فقتلوهم، وقتل ضرار ابن الأزور، مالك بن نويرة، فلما سمع خالد الواعية خرج وقد فرغوا منهم. فقال: إذا أراد الله أمراً أصابه. ويقال: بل استدعى خالد مالك بن نويرة فأنّبه على ماصدر منه من متابعة سجاح، وعلى منعه الزكاة، وقال: ألم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك، فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ ياضرار اضرب عنقه، فضربت عنقه،وقد تكلم أبو قتادة مع خالد فيما صنع وتقاولا في ذلك حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق، وتكلم عمر مع أبي قتادة في خالد، وقال للصديق: اعزله فإن في سيفه رَهقاً، فقال أبو بكر: لاأشيم سيفاً سلَّه الله على الكفار، وجاء متمم بن نويرة، فجعل يشكو إلى الصديق خالداً، وعمر يساعده، وينشد الصديق ماقال في أخيه من المراثي، فوداه الصديق من عنده( ).
دروس وعبر وفوائد:
أ-من ثبت على الإسلام من بني تميم:
لم يرتد عن الإسلام كل قبا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:10 am

القرآن الذي أتى به محمد  وآل عن ربه إذ يقول: {حمتَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِغَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (سورة غافر، آية:1-3) فأين هذا الكلام من كلام مسيلمة الكذاب؟ فانظروا في أموركم ولايذهبن هذا عنكم، ألا وإني خارج إلى خالد بن الوليد في ليلتي هذه طالبا منه الأمان على نفسي ومالي وأهلي وولدي...وكان جواب من هُدي إليه من قومهSadنحن معك يا أبا عامر فكن من ذلك على علم). ثم خرج ثمامة بن أثال في جوف الليل في نفر من بني حنيفة حتى لحق بخالد بن الوليد واستأمن إليه فأمنه وأمن أصحابه( )، وجاء في رواية الكلاعي قوله لهم بأن لانبي مع محمد  ولابعده، وتذكر طرفاً من قرآن مسيلمة للتدليل على سخفه( ) وتروى شعراً ينسب إلى ثمامة، منه قوله:
مسيلمة ارجع ولاتمحك
فإنك في الأمر لم تشرك
كذبت على الله في وحيه
فكان هواك هوى الأنوك( )
ومنّاك قومُك أن يمنعوك
وإن يأتيهم خالد تُتركِ
فمالك من مصعد في السماء
ولالك في الأرض من مسلك( )
وقد جاء في رواية: دور ثمامة في حرب مسيلمة ومساعدة عكرمة بن أبي جهل له في هذه المهمة( ).
وقد ساهم ثمامة بن أثال في مساعدة العلاء بن الحضرمي في حربه للمرتدين بالبحرين وكان معه مسلمو بني حنيفة من بني سُحيم، ومن أهل القرى من سائر بني حنيفة، وكان ثمامة من أهل البلاء في قتال المرتدين مع العلاء الحضرمي( ).
وممن ثبت على الإسلام في اليمامة معمر بن كلاب الرُّماني، فقد وعظ مسيلمة وبني حنيفة الذين تابعوه ونهاهم عن الردة، وكان جاراً، لثمامة بن أثال وشهد قتال اليمامة مع خالد بن الوليد ومن سادات اليمامة الذين كانوا يكتمون إسلامهم: ابن عمرو اليشكري الذي كان من أصدقاء الرَّجَّال بن عنفوة، وقال شعراً فشا في اليمامة، وأنشده الناس، ومن هذا الشعر قوله:
إن ديني دين النبي وفي القوم
رجال على الهدى أمثالي
أهلك القوم مُحَكَّم بن طُفيل
ورجال ليسوا لنا برجال
إن تكن ميتتي على فطرة
الله حنيفاً فإني لاأبالي
فبلغ ذلك مسيلمة ومحكما وأشراف أهل اليمامة فطلبوه ولكنه فاتهم، ولحق بخالد بن الوليد، وأخبره بحال أهل اليمامة ودله على عوراتهم( ).
وممن ثبت على الإسلام في اليمامة أيضا: عامر بن مَسْلَمَة ورهطه( ).
ولقد أكرم أبو بكر الثابتين على الإسلام من بني حنيفة وذلك في أشخاص ذوي قرابتهم ومن ذلك تعيينه لمطرف بن النعمان بن مسلمة ابن أخ كل من ثمامة بن أثال وعامر بن مسلمة اللذين كان لهما ثباتا في فتنة الردة -عينه والياً على اليمامة( ).
ثالثاً: تحرك خالد بن الوليد بجيشه إلى مسيلمة الكذاب باليمامة:
كان أبو بكر  قد أمر خالداً إذا فرغ من أسد وغطفان ومالك بن نويرة أن يقصد اليمامة وأكد عليه في ذلك، قال شريك الفزاري( )، كنت ممن حضر بزاخة، فجئت أبا بكر، فأمرني بالمسير إلى خالد، وكتب معي إليه: أما بعد فقد جاءني في كتابك مع رسولك تذكر ما أظفرك الله بأهل بزاخة، ومافعلت بأسد وغطفان، وأنك سائر إلى اليمامة، وذلك عهدي إليك، فاتق الله وحده لاشريك له، وعليك بالرفق بمن معك من المسلمين، كن لهم كالوالد، وإياك ياخالد بن الوليد ونخوة بني المغيرة، فإني قد عصيت فيك من لم أعصه في شيء قط، فانظر إلى بني حنيفة إذا لقيتهم إن شاء الله، فإنك لم تلقَ قوما يشبهون بني حنيفة، كلهم عليك ولهم بلاد واسعة، فإذا قدمت فباشر الأمر بنفسك، واجعل على ميمنتك رجلا، وعلى ميسرتك رجلا( )، واجعل على خيلك رجلاً، واستشر من معك من الأكابر من أصحاب رسول الله  من المهاجرين والأنصار، واعرف لهم فضلهم، فإذا لقيت القوم وهم على صفوفهم، فالقهم إن شاء الله وقد أعددت للأمور أقرانها، فالسهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف، واحمل أسيرهم على السيف( )، وهوّل فيهم القتل، واحرقهم بالنار، وإياك أن تخالف أمري، والسَّلام عليك( ). فلما انتهى الكتاب إلى خالد وقرأه قال: سمع وطاعة( ).
سار خالد إلى قتال بني حنيفة باليمامة، وعبّأ معه للمسلمين، وكان على الأنصار ثابت بن قيس بن شماس، فسار لايمر بأحد من المرتدين إلا نكَّل به، وسيّر الصديق جيشاً كثيفاً، مجهزاً بأحدث سلاح، ليحمي ظهر خالد، حتى لايوقع به أحد من خلفه، وكان خالد في طريقه إلى اليمامة قد لقي أحياء من الأعراب قد ارتدت فغزاها، وردها إلى الإسلام، ولقي مؤخرة جيش سجاح، ففتك به ونكبه، ثم زحف إلى اليمامة( ).
ولما سمع مسيلمة بقدوم خالد، عسكر بمكان يقال له عقرباء( ) في طرف اليمامة، وندب الناس وحثَّهم على لقاء خالد، فأتاه أهل اليمامة وجعل على مجنبتي جيشه: المحكم بن الطفيل والرّجّال بن عنفوة (شاهد زور).
والتقى خالد بعكرمة وشرحبيل، فتقدم وقد جعل على مقدمة الجيش شرحبيل بن حسنة، وعلى المجنبتين زيد ابن الخطاب وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة( ).
أ-مجاعة بن مرارة الحنفي يقع في أسر المسلمين:
مرّت مقدمة جيش خالد بنحو من أربعين -وقيل ستين- فارساً، عليهم مجاعة بن مرارة الحنفي، وكان قد ذهب لأخذ ثأر له، في بني تميم وبني عامر، وفي طريق عودته إلى قومه أسرهم المسلمون، فلما جيئ بهم إلى خالد قال لهم: ماذا تقولون يابني حنيفة؟ قالوا: نقول منا نبي ومنكم نبي، فقتلهم( )، وفي رواية: سألهم خالد: متى شعرتم بنا؟ قالوا: ماشعرنا بك! إنما خرجنا لنثأر فيمن حولنا من بني عامر وتميم. فلم يصدقهم خالد، بل حسبهم جواسيس عليه، لمسيلمة الكذاب، فأمر بقتلهم جميعاً، فقالوا له: إن تريد بأهل اليمامة غداً شراً أو خيراً، فاستبق هذا، وأشاروا إلى رئيسهم مجّاعة، فاستبقى مجاعة وقتل الآخرين( ).
وكان مجاعة بن مرارة سيداً في بني حنيفة، شريفاً مطاعاً، فكان خالد كلما نزل منزلاً واستقر به، دعا مُجاعة فأكل معه وحدثه، فقال له ذات يوم: أخبرني عن صاحبك -يعني مسيلمة- ماالذي يقرأكم؟ هل تحفظ منه شيئاً؟ قال نعم: فذكر له شيئاً من رجزه، فقام خالد وضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: يامعشر المسلمين، اسمعوا إلى عدو الله كيف يعارض القرآن، ثم قال: ويحك يامجاعة، أراك رجلاً سيداً عاقلاً اسمع إلى كتاب الله عزوجل، ثم انظر كيف عارضه عدو الله، فقرأ عليه خالد{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} فقال مجاعة: أما إن رجلا من أهل البحرين كان يكتب، أدناه مسيلمة وقرّبه حتى لم يكن يُعدّ له في القُرْب عنده أحد، فكان يخرج إلينا فيقول: ويحكم يا أهل اليمامة، صاحبكم والله كذّاب، وما أظنكم تتهموني عليه، إنكم لترون منزلتي عنده وحالي، هو والله يكذبكم وبايعكم على الباطل، قال خالد: فما فعل ذلك البحراني، قال: هرب منه، كان لايزال يقول هذا القول حتى بلغه فخافه على نفسه، فهرب، فلحق بالبحرين، قال خالد: هات زدنا من كذب الخبيث، فقال مجاعة بعض رجز مسيلمة، فقال خالد: وهذا كان عندكم حقاً، وكنتم تصدقونه؟ قال مجاعة: لو لم يكن عندنا حقا لما لقيتك غداً أكثر من عشرة ألف سيف يضاربونك فيه حتى يموت الأعجل، قال خالد: إذاً يكفيناكم الله ويعز دينه، فإياه يقاتلون، ودينه يريدون( )، فهذا رد يدل على عظمة إيمان خالد وثقته بالله، فقد كان إيمانه بالله وثقته المطلقة في نصر الله لدينه، هما اللذان فجرا في شخصيته كنوز المواهب الحربية وفنون المهارات القيادية، لقد قاتل يوم بزاخة بسيفين حتى قطعهما فقد كان يملأ الإيمان قلبه، ويعتز بالله وحده، وكان ذلك كفيلاً بإسقاط هيبة عدوه من نفسه وغرس هيبته في قلب عدوه، وذلك أول الطريق لإحراز النصر الحاسم عليه، وإلحاق الهزيمة الساحقة به( ).
ب-شن الحرب النفسية قبل المعركة:
وضع خالد بن الوليد خطته على اساس استخدام الحرب النفسية ثم تحكيم السيف، فبعث زياد بن لبيد وكان صديقا، لمحكم بن طفيل سيد أهل اليمامة، بقصد أن يكسبه إلى جانبه، فقال خالد لزياد: لو لقيت إلى محكم شيئاً تكسره به، فكتب زياد إليه ابياتاً من الشعر جاء فيها:
ويل اليمامة ويلاً لافراق له
إن جالت الخيل فيها بالقنا الصادي
والله لاتنثني عنكم أعنتها
حتى تكونوا كأهل الحجر أو عاد
واتجه خالد كذلك إلى عمير بن صالح اليشكري وكان قد اسلم وكتم اسلامه على قومه وكان قوي العقيدة راسخ الإيمان، وقال له: تقدم إلى قومك، فأتاهم وقال: أظلكم خالد في المهاجرين والأنصار، اني رأيت قوما ان غالبتموهم بالصبر، غلبوكم بالنصر، وان غلبتموهم بالعدد غلبوكم بالمدد، ولستم والقوم سواء، الإسلام مقبل والشرك مدبر، وصاحبهم نبي، وصاحبكم كذاب، ومعهم السرور، ومعكم الغرور، فالآن والسيف في غمده، والنبل في جفيره، قبل أن يسل السيف ويرمي بالسهم( )، ثم باشر خالد المهمة مع ثمامة بن أثال الحنفي فمشى إلى قومه يدعوهم إلى الاستسلام ويحطم عندهم روح القتالSadانه لايجتمع نبيان بأمر واحد، ان محمداً  لانبي بعده، ولانبي مرسل معه لقد بعث اليكم (يقصد ابا بكر) رجلاً لايسمى باسمه ولاباسم ابيه، يقال لهSadسيف الله) معه سيوف كثيرة، فانظروا في امركم( ) واهتم خالد بتدبير الخطط المحكمة، وكان  لايستخف بعدوه، وكان في ميدان المعركة على أهبة وحذر دائمين مخافة أن يفجأه عدوه بغارة غادرة، والتفاف مكر وقد وصف  بأنه: كان لاينام وينيم لايبيت إلا على تعبئة، ولايخفى عليه من أمر عدوه شيء( )، -وفي محاربته لمسيلمة- قبل معركة عقرباء -جعل طليعته مكنف بن زيد الخيل وأخاه حريثا لجمع المعلومات اللازمة للمعركة وقد حان ترتيب أمور جيشه، فالموقف شديد الخطورة ولابد من أخذ الترتيبات اللازمة فقد كان حامل الراية في هذه المعركة عبدالله بن حفص بن غانم ومن ثم تحولت إلى سالم( ) مولى أبي حذيفة ومعلوم أن الناس براياتهم، كما قالت العرب، فإذا زالت زالوا، وقد قدم خالد في هذه المعركة شرحبيل بن حسنة وقسم الجيش أخماساً، على المقدمة خالد المخزومي، وعلى الميمنة أبو حذيفة، وعلى الميسرة شجاع، وفي القلب زيد بن الخطاب، وجعل أسامة بن زيد على الخيالة، ووضع الظعن في المؤخرة وفيها الخيام والنساء( )، وهذا الترتيب الأخير قبل المعركة.
رابعاً: المعركة الفاصلة:
ولما توجه الجيشان قال مسيلمة لأتباعه وقومه قبيل المعركة الفاصلة: اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم تستنكح النساء سبيّات، وينكحن غير حظيات، فقاتلوا على أحسابكم، وامنعوا نساءكم( ).
وتقدم خالد  بالمسلمين حتى نزل بهم على كثيب يشرف على اليمامة، فضرب به عسكره، واصطدم المسلمون والكفار، فكانت جولة وانهزمت الأعراب، حتى دخلت بنو حنيفة خيمة خالد بن الوليد وهموا بقتل أم تميم، حتى أجارها مجّاعة وقال: نعمت الحرة هذه وقد قتل الرّجّال بن عنفوة لعنه الله في هذه الجولة قتله زيد بن الخطاب، ثم تذامر الصحابة بينهم وقال ثابت بن قيس بن شماس: لبئس ماعودتم أقرانكم، ونادوا من كل جانب: اخلِصْنا ياخالد، فخلصت ثلة من المهاجرين والأنصار وحَميَ وقاتلت بنو حنيفة قتالاً لم يعهد مثله، وجعلت الصحابة يتواصون بينهم ويقولون: يا أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم، وحفر ثابت بن قيس لقدميه في الأرض إلى أنصاف ساقيه، وهو حامل لواء الأنصار بعدما تحنط وتكفن، فلم يزل ثابتاً حتى قتل هناك، وقال المهاجرون لسالم مولى أبي حذيفة: أتخشى أن نؤتى من قبلك؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا، وقال زيد بن الخطاب: أيها الناس عضوا على أضراسكم واضربوا في عدوكم، وامضوا قدما، وقال: والله لاأتكلم حتى يهزمهم الله أو القى الله فأكلمه بحجتي، فقتل شهيداً  وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن زينِّوا القرآن بالفعال، وحمل فيهم حتى أبعدهم وأصيب ، وحمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم، وسار لقتال مسيلمة وجعل يترقب أن يصل إليه فيقتله، ثم رجع ثم وقف بين الصفين ودعا البراز وقال: انا ابن الوليد العود، أنا ابن عامر وزيد، ثم نادى بشعار المسلمين-وكان شعارهم يومئذ يامحمداه- وجعل لايبرز له أحد إلا قتله، ولايدنو منه شيء إلا أكله وقد ميز خالد المهاجرين، من الأنصار، من الأعراب، وكل بني أب على رايتهم، يقاتلون تحتها، حتى يعرف الناس من أين يؤتون، وصبر الصحابة في هذا الموطن صبراً لم يعهد مثله، ولم يزالوا يتقدمون إلى نحور عدوهم حتى فتح الله عليهم، وولّى الكفار الأدبار، واتبعوهم يقتلون في أقفائهم، ويضعون السيوف في رقابهم حيث شاءوا، حتى ألجأوهم إلى حديقة الموت، وقد أشار عليهم مُحَكَّم اليمامة- وهو محَكّم بن الطفيل لعنه الله- بدخولها، فدخلوها وفيها عدو الله مسيلمة لعنه الله، وأدرك عبدالرحمن بن أبي بكر، محكَّم بن الطفيل فرماه بسهم في عنقه وهو يخطب فقتله، وأغلقت بنو حنيفة الحديقة عليهم، وأحاط بهم الصحابة( ).
خامساً: بطولات نادرة:
1-قال البراء بن مالك:
يامعشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة، فاحتملوه فوق الجحف( )، ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه، ودخل المسلمون الحديقة من الباب الذي فتحه البراء، وفتح الذين دخلوا الأبواب الأخرى، وحوصر المرتدون وأدركوا أنها القاضية، وأن الحق جاء، فزهق باطلهم( ).
2-مصرع مسيلمة الكذاب:
وخلص المسلمون إلى مسيلمة لعنه الله، وإذا هو واقف في ثلمة جدار كأنه جمل أورق، وهو يريد يتساند، لايعقل من الغيظ، وكان اذا اعتراه شيطانه أزبد حتى يخرج الزبد من شدقيه، فتقدم إليه وحشي بن حرب مولى جبير ابن مطعم
-قاتل حمزة- فرماه بحربته فأصابه وخرجت من الجانب الآخر، وسارع إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، فضربه بالسيف فسقط، فنادت امرأة من القصر: وأمير الوضاءة، قتله العبد الأسود، فكان جملة من قتلوا في الحديقة وفي المعركة قريباً من عشرة آلاف مقاتل، وقيل: أحد وعشرون ألفاً، وقتل من المسلمين ستمائة، وقيل خمسمائة، فالله أعلم، وفيهم من سادات الصحابة، وعيان الناس من يذكر بعد، وخرج خالد وتبعه مجاعة ابن مرارة يرسف في قيوده، فجعل يريه القتلى ليعرفه بمسيلمة، فلما مروا بالرّجال بن عنفوة قال له خالد: أهذا هو؟ قال لا، والله هذا خير منه، هذا الرَّجال بن عنفوة. ثم مروا برجل أصفر أخنس، فقال: هذا صاحبكم، فقال خالد: قبحكم الله على اتباعكم هذا، ثم بعث خالد الخيول حول اليمامة يلتقطون ماحول حصونها من مال وسبي( ).
3-أبو عقيل: عبدالرحمن بن عبدالله البلوي الأنصاري الأوسي:
كان أبو عقيل من أول من جُرح يوم اليمامة، رمى بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده، فجرح في غير مقتل، فأخرج السهم، ووهن شقُّه الأيسر، فأخذ إلى معسكر المسلمين، فلما حمي القتال، وتراجع المسلمون إلى رحالهم ومعسكرهم، وأبو عقيل واهن من جرحه سمع معن بن عدي يصيح: ياللأنصار، الله الله والكرة على عدوكم، وتقدم معن القوم، ونهض أبو عقيل يريد قومه، فقال له بعض المسلمين: يا أبا عقيل، مافيك قتال، قال: قد نوّه المنادي باسمي، فقيل له: إنما يقول يا للأنصار لايعني الجرحى، فقال أبو عقيل: فأنا من الأنصار،وأنا أُجيب ولو حبواً، فتحزَّم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى مجرّداً، ثم جعل ينادي: ياللأنصار، كرَّة كيوم حُنين، فاجتمعوا جميعاً، وتقدموا بروح معنوية عالية يطلبون الشهادة أو النصر، حتى أقحموا عدوَّهم الحديقة، وفي هذا الهجوم قطعت يد أبي عقيل من المنكب، ووجدت به أربعة عشر جُرحاً كلها قد خلصت إلى مقتل، ومرَّ ابن عمر بأبي عقيل وهو صريع بآخر رمق، فقال: يا أبا عقيل، فقال: لبيك، بلسان ثقيل، ثم قال: لمن الدبرة، فقال ابن عمر: أبشر، قد قُتِل عدوُّ الله، فرفع أبو عقيل اصبعه إلى السماء بحمد الله قال عنه عمر : رحمه الله، مازال ينال الشهادة ويطلبها وإنه لمن خيار أصحاب نبينا( ).
4-نسيبة بنت كعب المازنية الأنصارية:
خرجت في جيوش خالد الذاهبة لليمامة وباشرت القتال بنفسها وأقسمت أن لاتضع السلاح حتى يقتل دجال بني حنيفة وبرت بفضل الله بقسمها وقتل مسيلمة ورجعت المدينة وبها اثنا عشر جرحاً مابين طعنة برمح وضربة بسيف وكلها أوسمة شرف لهذه الصحابية المجاهدة التي ضربت لبنات جنسها مثلا رائعاً في الدفاع عن الدين والعقيدة ولو أدى ذلك لأن تتحمل مالايتحمله في العادة مثيلاتها من ربات الخدور( )، وقد قام خالد بن الوليد بعد هذه المعركة برعايتها فقد قالت نسيبة رضي الله عنها: فلما انقطعت الحرب ورجعت إلى منزلي جاءني خالد بن الوليد بطبيب فداواني بالزيت المغلي، وكان والله أشد علي من القطع وكان خالد كثير التعهد لي، حسن الصحبة لنا، يعرف لنا حقنا، ويحفظ فينا وصية نبينا ( ).
سادساً: من شهداء معركة اليمامة:
1-ثابت بن قيس بن شماس الذي أجاز الصديق وصيته بعد موته:
هو أبو محمد خطيب الأنصار، وقد ثبت أن رسول الله بشره بالشهادة، وقتل يوم اليمامة شهيداً وكانت راية الأنصار يومئذ بيده وقد رأى رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال: إني لما قتلت بالأمس مر بي رجل من المسلمين فانتزع مني درعاً نفيسة ومنزله في أقصى العسكر وعند خبائه فرس يستَنُّ طوله، وقد كفأ على الدرع بُرْمة، وفوق البرمة رحل، فأتِ خالداً فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله-يعني أبا بكر- فقل له: إن عليّ من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق، وإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، قال: فأتى خالداً فوجهه إلى الدرع فوجدها كما ذكر، وقدم على أبي بكر فأخبره فأنفذ أبو بكر وصيته بعد موته فلا يعلم أحداً جازت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس( ).
2-زيد بن الخطاب :
هو أخو عمر بن الخطاب لأبيه، وكان أكبر من عمر، أسلم قديماً، وشهد بدراً، ومابعدها وقد آخى رسول الله  بينه وبين معن بن عدي الأنصاري وقد قتلا جميعاً باليمامة، وقد كانت راية المهاجرين يومئذ بيده، فلم يزل يتقدم بها حتى قتل فسقطت، فأخذها سالم مولى أبي حذيفة، وقد قتل زيد يومئذ الرّجال بن عنفوة الذي كان فتنته على بني حنيفة أشد من فتنة مسيلمة، فكانت وفاته على يد زيد ، والذي قتل زيداً رجل يقال له أبو مريم الحنفي، وقد أسلم بعد ذلك وقال لعمر: يا أمير المؤمنين إن الله أكرم زيداً بيدي ولم يهني على يده، وقد قال عمر لما بلغه مقتل زيد بن الخطاب سبقني إلى الحسنيين أسلم قبلي، واستشهد قبلي، وقال لمتمم بن نويرة حين جعل يرثي أخاه مالكاً بالأشعار: لو كنت أحسن الشعر لقلت كما قلت، فقال له متمم: لو أن أخي ذهب على ماذهب عليه أخوك ما حزنت عليه، فقال له عمر: ماعزاني أحد بمثل ماعزيتني به ومع هذا كان عمر يقول ماهبت الصبا إلا ذكرتني زيد ( ).
3-معن بن عدي البلوي:
شهد العقبة وبدراً وأحداً والخندق وسائر المشاهد، وكان قد آخى رسول الله  بينه وبين زيد بن الخطاب فقتلا جميعاً يوم اليمامة رضي الله عنهما وكان لمعن بن عدي موقف متميز عند وفاة رسول الله، فعندما بكى الناس على رسول الله  حين مات وقالوا: والله وددنا أنا متنا قبله ونخشى أن نفتتن بعده، فقال معن بن عدي: لكني والله ما أحب أن أموت قبله لأصدقه ميتاً كما صدقته حياً( )
4-عبدالله بن سهيل بن عمرو:
أسلم قديماً وهاجر ثم استضعف بمكة، فلما كان يوم بدر خرج معهم فلما تواجهوا فرّ إلى المسلمين فشهدها معهم، وقتل يوم اليمامة فلما حج أبو بكر عزى أباه فيه، فقال سهيل: بلغني أن رسول الله  قال: يشفع الشهيد لسبعين من أهله( )، فأرجوا أن يبدأ بي( )، وقد كان لسهيل بن عمرو  موقف عظيم بمكة حين توفى رسول الله  فقد همّ أكثر أهل مكة بالرجوع عن الإسلام وأرادوا ذلك حتى خافهم والي مكة عتاب بن أسيد: فتوارى فقام سهيل بن عمرو، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله وقال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة فمن رابنا ضربنا عنقه، فتراجع الناس وكفوا عما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد. فهذا المقام الذي أراد رسول الله  في قوله لعمر بن الخطاب-يعني حين أشار بقلع ثنيته حين وقع في الاسارى يوم بدر- إنه عسى أن يقوم مقاماً لاتَذُمَنَّه( ).
5-أبو دُجانة سِماك بن خرشه:
كانت عليه يوم بدر عصابة حمراء، قيل آخى النبي  بينه وبين عتبة بن غزوان، وثبت أبو دجانة يوم أحد مع النبي  وبايعه على الموت، وهو ممن اشترك في قتل مسيلمة، وقتل يومئذ، وقال زيد بن أسلم: دُخل على أبي دجانة وهو مريض- وكان وجهه يتهلل- فقيل له: مالِوجهك يتهلل؟ فقال: مامن عملي شيء أوثق عندي من اثنتين: كنت لاأتكلم فيما لايعنيني، والأخرى فكان قلبي للمسلمين سليماً( )، وكان أبو دجانة يوم اليمامة من أبطال المسلمين، فقد رمى بنفسه إلى داخل الحديقة فانكسرت رِجله، فقاتل وهو مكسور الرجل حتى قتل( ).
6-عبّاد بن بشر:
من فضلاء الصحابة، عاش خمساً وأربعين سنة، وهو الذي أضاءت عصاه ليلة حين انقلب إلى منزله، وكان قد سمُر عند النبي ( )، أسلم عبّاد على يد مصعب بن عمير، وكان فيمن قتل كعب بن الأشرف( )، واستعمله النبي  على صدقات مزينه وبني سليم وعلى حرسه بتبوك، وأبلى يوم اليمامة بلاءً حسناً، وكان من الشجعان، وعن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلاً، كلهم من بني عبدالأشهل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعبّاد بن بشر، وعن عائشة قالت: تهجَّد رسول الله  في بيتي، فسمع صوت عبّاد بن بشر فقال: ياعائشة هذا صوت عبَّاد؟ قلت: نعم، قال: اللهم اغفر له( )، وقد استشهد باليمامة ويحدثنا أبو سعيد الخدري عنه حيث قال: سمعت يقول حين فرغنا من بزاخة، يا أبا سعيد: رأيت الليلة كأن السماء فرجت لي ثم أطبقت عليّ فهي إن شاء الله الشهادة. قلت: خيراً والله رأيت( )، وقد كان له يوم اليمامة مواقف مشهودة، فقد وقف على نشز مرتفع من الأرض ثم صاح بأعلى صوته: أنا عباد بن بشر، يا للأنصار يا للأنصار، ألا إليّ ألا إليّ، فأقبلوا إليه جميعاً وأجابوه لبيك لبيك ... ثم حطم جفن سيفه فألقاه، وحطمت الأنصار جفون سيوفهم ثم قال حملة صادقة اتبعوني فخرج حتى ساقوا بني حنيفة منهزمين حتى انتهوا بهم إلى الحديقة فأغلق عليهم( )، ولما تمكن المسلمون من اقتحام باب الحديقة: ألقى درعه على بابها ثم دخل بالسيف سلتا يجالدهم حتى قتل شهيداً باليمامة وهو ابن خمس وأربعين سنة، ولم يعرف إلا بعلامة في جسده لكثرة مافيه من الجراح ( )، وقد اشتهرت مواقف عباد بن بشر في اليمامة حتى أصبحت مضرب المثل( )، وبقيت بنو حنيفة تذكر عباد بن بشر، فإذا رأت الجراح بالرجل منهم تقول: هذا ضرب مجرب القوم عباد بن بشر( ).
لقد كان للأنصار مواقف عظيمة وإقدام منقطع النظير في حروب الردة وخصوصاً باليمامة وقد شهد للأنصار بالأقدام والصبر في ذلك اليوم، مجّاعة بن مرارة الحنفي، عند الخليفة أبي بكر فقال: ياخليفة رسول الله لم أر قوما قط، أصبر لوقع السيوف ولاأصدق كرة من الأنصار... فلقد رأيتني وأنا أطوف مع خالد بن الوليد أعرفه قتلى بني حنيفة وإني لأنظر إلى الأنصار وهم صرعى، فبكى أبو بكر حتى بل لحيته( ).
7-الطفيل بن عمرو الدّوسي الأزديّ:
استشهد باليمامة، وكان شريفاً شاعراً لبيباً، وقد رأى الرؤيا قبل استشهاده حيث قال: خرجت ومعي ابني عمرو فرأيت كأن رأسي حُلِقَ وخرج من فمي طائر، وكأن امرأةً أدْخلتني فرجها، فأوّلتها حلق رأسي قطعه، وأمّا الطائر فروحي، وأما المرأة فالأرض أدفن فيها، فاستشهد يوم اليمامة( ).
وقد استشهد كثير من المهاجرين والأنصار في هذه المعركة الفاصلة.
وكانت المدينة على الرغم من فرحها بانتصار المسلمين على المرتدين مازالت تبكي شهداءها، ففي حرب اليمامة وحدها قتل من المسلمين مائتان وألف، منهم عدد من كبار الصحابة، وفيهم أكثر حفاظ القرآن: نحو أربعين من القراء، وعصرت الأحزان قلب المدينة، وغمرت الدموع ابتسامات الفرح بالنصر، وضافت الصدور، وثقلت المحنة على القلوب، بقدر ما أضاء انتصار المسلمين غيابات النفوس، وقوى من إيمانهم، وغرس الثقة في أعماقهم( ).
سابعاً: خدعة مجاعة وزواج خالد من ابنته ورسائل بينه وبين الصديق:
أ-خدعة مجاعة:
بعد انتصار جيش المسلمين في حديقة الموت بعث خالد  الخيول حول اليمامة يلتقطون ماحول حصونها من مال وسبي، ثم عزم على غزو الحصون، ولم يكن بقي فيها إلا النساء والصبيان والشيوخ الكبار، فخدعه مجاعة فقال: إنها ملأى رجالاً مقاتلة فهلم فصالحني عنها، فصالحه خالد لما رأى بالمسلمين من الجهد وقد كَلُّوا من كثرة الحروب والقتال، فقال: دعني حتى أذهب إليهم ليوافقوني على الصلح، فقال: اذهب، فسار إليهم مجاعة، فأمر النساء أن يلبسن الحديد، ويبرزن على رؤوس الحصون، فنظر خالد فإذا الشُّرفات ممتلئة من رؤوس الناس، فظنهم كما قال مجاعة، فانتظر الصلح ودعاهم خالد إلى الإسلام فأسلموا عن آخرهم، ورجعوا إلى الحق، وردّ عليهم خالد بعض ماكان من السبي، وساق الباقين إلى الصديق، وقد شرى علي بن أبي طالب بجارية منهم، وهي أم ابنه محمد الذي يقال له: محمد بن الحنفية ( ).
وكانت وقعة اليمامة في سنة إحدى عشر وقال الواقدي وآخرون: كانت في سنة ثنتي عشرة والجمع بينهما أن ابتداءها في سنة إحدى عشرة، والفراغ منها في سنة ثنتي عشرة( ).
ب-زواجه بابنة مجاعة والرسائل بينه وبين الصديق:
طلب خالد بن الوليد من مجاعة بعدما تم الصلح أن يزوجه بابنته فقال له مجاعة: مهلاً، إنك قاطع ظهرك وظهري معك عند صاحبك. فقال خالد: أيها الرجل زوجني ابنتك فزوجه مجاعة ابنته( ).
وكان الصديق قد أرسل سلمة بن وقش إلى خالد إن أظفره الله أن يقتل من جرت عليه الموس( ) من بني حنيفة، فوجده قد صالحهم وأتم خالد عقده معهم، ووفى لهم( ).
وكان الصديق يستروح الخبر من اليمامة، وينتظر رسول خالد، فخرج يوماً بالعشي، ومعه نفر من المهاجرين والأنصار إلى ظهر الحرّة، فلقي أبا خيثمة النجّاري قد أرسله خالد، فلما رآه أبو بكر قال له: ماوراءك يا أبا خيثمة؟ قال: خير ياخليفة رسول الله، قد فتح الله علينا اليمامة، وهذا كتاب خالد، فسجد الصديق شكراً لله، وقال أخبرني عن الوقعة كيف كانت؟ فجعل أبو خيثمة يخبره كيف صنع خالد، وكيف صفَّ أصحابه، ومن استشهد من الصحابة وقال أبو خيثمة: ياخليفة رسول الله: أُتينا من قبل الأعراب انهزموا بنا، وعوّدونا مالم نكن نُحْسِن( ).
ولما علم الصديق بزواج خالد كتب إليه: يا ابن أم خالد، إنك لفارغ تنكح النساء، وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجف بعد، ثم خدعك مجاعة عن رأيك فصالحك عن قومه وقد أمكن الله منهم( )، وإزاء هذا التعنيف الذي وصل إلى خالد من الخليفة بسبب مصالحته لمجّاعة وزواجه بابنته، بعث خالد إليه كتاباً جوابياً مع أبي برزة الأسلمي يدافع فيه عن موقفه دفاعاً يتسم بوضوح الحجة وقوة المنطق( )، يقول فيه: أما بعد، فلعمري ماتزوجت النساء حتى تم لي السرور، وقرت بي الدار، وماتزوجت إلا إلى امرئ لو عملت إليه من المدينة خاطباً لم أبل، دع أني استثرت خطبتي إليه من تحت قدمي، فإن كنت قد كرهت لي ذلك لدين أو لدنيا أعتبتك، وأما حسن عزائي عن قتلى المسلمين فوالله لو كان الحزن يبقي حياً أو يرد ميتاً لأبقى حزني الحيّ ورد الميت ولقد أقتحمت حتى أيست من الحياة، وأيقنت بالموت، وأما خدعة مجاعة إياي عن رايي، فإني لم أخطئ رأيي يومي، ولم يكن لي علم بالغيب، وقد صنع الله للمسلمين خيراً: أورثهم الأرض والعاقبة للمتقين( ) فلما قدم الكتاب على أبي بكر  رقَّ بعض الرقة، وقام رهط من قريش فيهم أبو برزة الأسلمي، فعذروا خالداً وقال أبو برزة: ياخليفة رسول الله مايوصف خالد بجبن ولاخيانة، ولقد أقحم في طلب الشهادة حتى أُعذر، وصبر حتى ظفر، وماصالح القوم إلا على رضاه وما أخطأ رأيه بصلح القوم، إذ هو لايرى النساء في الحصون إلا رجالا، فقال أبو بكر: صدقت، لكلامك هذا أولى بعذر خالد من كتابه إليّ( ).
ونلحظ في رسالة خالد إلى أبي بكر بعض النقاط التي دافع بها عن نفسه والتي تمثلت بما يلي:
1-إنه لم يتزوج إلا بعد أن كسب النصر واطمأن به المقام.
2-إنه أصهر إلى رجل من زعماء قومه وأشرافهم.
3-إنه لم يتكلف أدنى مشقة في هذا الإصهار.
4-إن هذا الزواج ليس فيه مخالفة دينية أو دنيوية.
5-إن الامتناع بسبب الحزن على قتلى المسلمين تصرف غير مجد، لأن الحزن لايبقي حيا ولايرد ميتا.
6-إنه لم يكن يقدم على الجهاد أي أمر آخر. ولقد أبلى فيه بلاء لم يعد
-بسببه- بينه وبين الموت أي حاجز.
7-إنه في مصالحته لمجّاعة لم يأل جهداً في تحقيق الخير للمسلمين وإذا كان مجاعة لم ينقل له الصورة عن قومه على حقيقتها، فعذره إنه إنسان لايدري من أمر الغيب شيئاً وعلى كل فالعاقبة كانت في صالح المسلمين إذا استولوا على أرض بني حنيفة، ومن ثم فاءت بقيتهم إلى الإسلام دون قتال وعلى هذا، فإن الزواج ببنت مجاعة كان أمراً طبيعياً، لاعلى خالد فيه بأس. وليس صحيحاً أنه كان ناشئاً عن إعجابه بمجاعة لغيرته على قومه ولذا: أحب أن يصهر إليه ويوثق الصلة بينه وبينه وطاب له أن يعزز صلة الدين بصلة البيت والنسب( )، كما يقول العقاد، ذلك لأن خالداً لم يكن ليقدم على رابطة الدين أو يجمع إليها في التعامل مع الناس، رابطة أخرى( ).
وأما أسلوب الدكتور محمد حسين هيكل في الاعتذار لخالد فإنه مرفوض لأنه يتنافى مع أحكام الإسلام، فقد قال هيكل: ومن تكن بنت مجاعة في أعياد النصر التي يجب أن تقام لخالد؟! إنّها لن تزيد على قربان يطرح على قدمي هذا العبقري الفاتح الذي روى أرض اليمامة بالدماء لعلها تطهر من رجسها( ).
فهذه الكلمات تصور خالداً -الصحابي الكريم- وكأنه أخيل أو هكتور أو أغاممنون من قادة حرب طروادة الوثنيين الذين لايحارب الواحد منهم، إلا إذا أشير إليه بالبنان، أو أمطر بالقبلات والتوسلات، لأنه لايحارب إلا للزعامة والوجاهة، أو كأنه أحد أصنام العرب الذين تسفح على جنباتهم دماء القرابين تقربا وتذللا ً أو كأنه إله النيل الذي كان يعتقد المصريون أنه لن يفيض عليهم بالخير إلا إذا قذفوا في بحره أجمل بنات مصر، فحاشى أبا سليمان ثم حاشاه من قبل ومن بعد من مثل هذه الروح وتلك النفسية، فخالد مؤمن موحد، لايحارب إلا لإعلاء كلمة الله، لايبغي عليها جزاء ولاشكور من أحد من خلق الله، ومرفوض أيضاً ماذهب إليه الجنرال أكرم في تعليله لما وقع فيه خالد من ملامات من جراء قصص زواجه في حروب الردة، إذ يعيدها إلى لياقته البدنية: التي سببت له كثيراً من المشاكل بين حسناوات شبه الجزيرة العربية( ). على حد زعمه، وكأن خالداً تحول إلى زير نساء، أو دون جوان غوان، وهو الذي لم يكن يهوى شيئاً هواه الجهاد في سبيل الله، ولكنها التوجيهات الباطلة التي تفسر الأمور بعيداً عن طبيعة الظروف ومعطيات المبادئ وشواهد الأخبار( ).
إن خالد  كان يقاتل عن دين ويحتسب الأجر عند الله تعالى وكان يقتحم المعامع بنفسه، وقد وصف بأنه له أناة القطة ووثوب الأسد( ) وماكان يوماً بالذي يؤثر نفسه عن جنده، بل كانوا يجدونه أمامهم في كل معترك ففي معركة بزاخة: ضرّس في القتال، فجعل يقحم فرسه، ويقولون له: الله الله! فإنك أمير القوم، ولا ينبغي لك أن تقدم، فيقول: والله إني لأعرف ماتقولون، ولكني مارأيتني أصبر، وأخاف هزيمة المسلمين( ).
وفي معركة اليمامة لما اشتد القتال، ولم يزد بني حنيفة ماقتل منهم إلا عنفاً وضراوة برز (حتى إذا كان أمام الصف دعا الى المبازة وانتمى، ونادى الناس بشعارهم يؤمئذ، وكان: يامحمداه، فجعل لا يبرز له أحد إلا قتله، ولا شيء إلا أكله( )، فقد كان يرغب في النصر ويتحرى الشهادة ولنترك لخالداً يصف لنا جولة من المصارعة بينه وبين أحد جنود مسيلمة داخل حديقة الموت قال: ولقد رأيتني في الحديقة وعانقني رجل منهم وأنا فارس وهو فارس، فوقعنا عن فرسينا ثم تعانقنا بالأرض فأجؤه بخنجر في سيفي، وجل يجؤني بمعول في سيفه فجرحني سبع جراحات، وقد جرجته جرحاً أثبته به فاسترخى في يدي، ومابي حركة من الجراح، وقد نزفت من الدم إلا أنه سبقني بالأجل فالحمدلله على ذلك( ). وقد شهد خالد  لابي حنيفة على قوتهم وشدة بأسهم فقال: شهدت عشرين زحفاً، فلم أر قوماً أصبر لوقع السيوف، ولا أضرب بها، ولا اثبت أقدماً من بني حنيفة يوم اليمامة... ومابي حركة من الجراح، ولقد أقحمت حتى أيست من الحياة وتيقنت الموت( ).
ثامناً: محاولة قتل خالد بن الوليد، وقدوم وفد بني حنيفة للصديق :
أ-محاولة قتل خالد بن الوليد:
على الرغم من وضوح باطل الجاهلية وزيفه فإنها لاتتخلى عنه بسهولة، لأن به ديمومة حياتها، ولذا ما إن تواجه بالحقيقة حتى تأخذ في الدفاع عن نفسها بشراسة، ولاتلقي سيف القتال من يدها إلا بعد أن يسقط بالقوة( )، وبعد ذلك تحاول الغدر مااستطاعت إلى ذلك سبيل، فهذا سلمة بن عمير الحنفي يدلل بفعله على صحة ما ذهبت إليه، فقد حاول اغتيال خالد بن الوليد بعد الصلح الذي أجراه خالد مع بني حنيفة بشكل عام، إلا أنه من حقده الناقع للمسلمين، فقد دبر خطة اغتيال خالد بن الوليد كجزء من سياسته في رفض التصالح معهم، ولما قبض عليه أول مرة وعاهد بني حنيفة ألا يعود لمثلها، نكث بعهده إذ أفلت ليلاً من وثاقه الذي أوثقوه به مخافة غدره، فعمد إلى عسكر خالد فصاح به الحرس، وفزعت بنو حنيفة فاتبعوه فأدركوه في بعض الحوائط (الحدائق)، فشد عليهم بالسيف، فاكتنفوه بالحجارة، وأجال السيف على حلقه فقطع أوداجه (عروق رقبته) فسقط في بئر فمات( )، فهذا مثال على عناد الجاهلية في الدفاع عن باطلها( ).
2-قدوم وفد بني حنيفة على الصديق:
ولما قدمت وفود بني حنيفة على الصديق قال لهم: أسمعونا شيئاً من قرآن مسيلمة، فقالوا: أوتعفينا ياخليفة رسول الله؟ فقال: لابد من ذلك، فقالوا: كان يقول: ياضفدع بنت الضفدعين، نقي لكم تنقين، لاالماء تكدرين ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء وذنبك في الطين. وكان يقول: والمبذرات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا. ويقول: لقد فضلتم على أهل الوبر، وماسبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والناعي فواسوه( )، وذكروا أشياءً من هذه الخرافات التي يأنف من قولها الصبيان وهم يلعبون، فيقال: إن الصديق قال لهم: ويحكم، أين كان يذهب بعقولكم؟ إن هذا الكلام لم يخرج من إل( ) ولابر.
وذكر علماء التاريخ أنه كان يتشبه بالنبي ، وبلغه أن رسول الله  بصق في بئر فغزر ماؤه، فبصق في بئر فغاص ماؤه بالكلية، وفي أخرى فصار ماؤه أجاجا، وتوضأ فسقى بوضوئه نخلا فيبست وهلكت، وأتى بولدان يبرك عليهم فجعل يمسح رؤوسهم فمنهم من قرع رأسه، ومنه من لثغ لسانه ويقال: إنه دعا لرجل أصابه وجع في عينيه فمسحها فعمي( ).
تاسعاً: جمع القرآن الكريم:
كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثير من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر  بمشورة عمر بن الخطاب  بجمع القرآن حيث جمع من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال( )، وأسند الصديق هذا العمل العظيم المشروع الحضاري الضخم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري ، يروي زيد بن ثابت  فيقول: بعث إليّ أبو بكر  لمقتل أهل اليمامة( )، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر( ) يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن( )، كلها فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ( )؟!! فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: وإنك رجل شاب عاقل، لانتهمك( )، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ، فتتبع القرآن فاجمعه( ) قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ماكان بأثقل عليّ مما كلفني به من جمع القرآن، فتتبعت القرآن من العسب( )، واللخاف( )، وصدور الرجال، والرقاع( )، والأكتاف( ). قال: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره. {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (سورة التوبة، آية:128) حتى خاتمة براءة وكانت الصحف عند أبي بكر حياته حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم( ) وعلق البغوي على هذا الحديث فقال: فيه البيان الواضح أن الصحابة -رضي الله عنهم- جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله  من غير أن يزادوا فيه أو ينقصوا منه شيئاً والذي حملهم على جمعه ماجاء في الحديث وهو أنه كان مفرقاً في العسب، واللخاف، وصدور الرجال، فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته، ففزعوا فيه إلى خليفة رسول الله، ودعوه إلى جمعه، فرأى في ذلك رأيهم فأمر بجمعه في موضع واحد باتفاق من جميعهم، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله من غير أن قدموا شيئاً أو أخروا، أو وضعوا له ترتيباً لم يأخذوه من رسول الله ، وكان رسول الله  يُلقى أصحابه، ويعلمهم ماينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل صلوات الله عليه، إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا في السور التي يذكر فيها كذا( )، وهكذا يتضح للقارئ الكريم أن من أوليات أبي بكر الصديق : أنه أول مَنْ جمع القرآن الكريم، يقول صعصعة بن صوحان رحمه الله: أول من جمع بين اللوحين، وورت الكلالة( ): أبو بكر( ).
وقال علي بن أبي طالب : يرحم الله أبا بكر هو أول من جمع بين اللوحين( ).
وقد اختار أبو بكر  زيد بن ثابت لهذه المهمة العظيمة، وذلك لأنه رأى فيه المقومات الأساسية للقيام بها وهي:
1-كونه شاباً، حيث كان عمره 21 سنة، فيكون أنشط، لما يطلب منه.
2-كونه أكثر تأهيلاً، فيكون أوعى له، إذ من وهبه الله عقلا راجحاً فقد يسر له سبيل الخير.
3-كونه ثقة، فليس هو موضعاً للتهمة، فيكون عمله مقبولاً، وتركن إليه النفس، ويطمئن إليه القلب.
4-كونه كاتباً للوحي، فهو بذلك ذو خبرة سابقة في هذا الأمر، وممارسة عملية له فليس غريباً عن هذا العمل، ولا دخيلاً عليه( ).
هذه الصفات الجليلة جعلت الصديق يُرشِّح زيداً لجمع القرآن، فكان به جديراً، وبالقيام به خبيراً.
5-ويضاف لذلك أنه أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي ، فعن قتادة قال سألت أنس بن مالك : من جمع القرآن على عهد النبي ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد( )، وأما الطريقة التي اتبعها زيد في جمع القرآن فكان لايثبت شيئاً من القرآن، إلا إذا كان مكتوباً بين يدي النبي ، ومحفوظاً من الصحابة، فكان لايكتفي بالحفظ دون الكتابة، خشية أن يكون في الحفظ خطأ أو وهم، وأيضاً لم يقبل من أحد شيئاً جاء به إلا إذا أتى معه شاهدان يشهدان أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله، وأنه من الوجوه التي نزل بها القرآن( )، وعلى هذا المنهج استمر زيد  في جمع القرآن حذراً متثبتاً مبالغاً في الدقة والتحري.
كما كان زيد في طليعة من وجدوا المصاحف في زمن عثمان بن عفان ( ) وسيأتي تفصيل ذلك بإذن الله في موضعه.
























المبحث الخامس
أهم الدروس والعبر والفوائد من حروب الردة



أولاً: أولاً تحقيق شروط التمكين وأسبابه وآثار شرع الله، وصفات المجاهدين:
1-تحقيق شروط التمكين:
إن الاستخلاف في الأرض، والتمكين لدين الله، وإبدال الخوف أمناً، وعد من الله تعالى متى حقق المسلمون شروطه، ولقد أشار القرآن الكريم بكل وضوح إلى شروط التمكين، ولوازم الاستمرار فيه قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (سورة النور، آية:55-56). ولقد أشارت الآيات الكريمة إلى شروط التمكين وهي: الإيمان بكل معانيه وبكافة أركانه، وممارسة العمل الصالح بكل أنواعه والحرص على كل أنواع الخير وصنوف البر، وتحقيق العبودية الشاملة، ومحاربة الشرك بكل أشكاله وأنواعه وخفاياه، وأما لوازم التمكين فهي: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول ( )، وقد تحققت هذه الشروط واللاوازم كلها في عهد الصديق والخلفاء الراشدين من بعده، وكان للصديق الفضل بعد الله في تذكير الأمة بهذه الشروط ولذلك رفض طلب الأعراب في وضع الزكاة عنهم، وأصرّ على بعث جيش أسامة والتزم بالشرع كاملاً ولم يتنازل عن صغيرة ولاكبيرة، قال عبدالله بن مسعود: لقد قمنا بعد رسول الله ، مقاماً كدْنا نهلك فيه لولا أن منّ علينا بأبي بكر، أجمعنا على أن لانقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون وأن نأكل قرى عربية ونعبد الله حتى يأتينا اليقين، فعزم الله لأبي بكر على قتاله فوالله مارضي منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المحلية( ).
2-الأخذ بأسباب التمكين:
قال تعال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} (سورة الأنفال، آية:60). وقد لاحظت أن الصديق  كان إعداده شاملاً، معنوياً ومادياً، فجيش الجيوش وعقد الألوية، واختار القادة لحروب الردة، وراسل المرتدين، وحرض الصحابة على قتالهم، وجمع السلاح والخيل والإبل وجهز الغزاة، وحارب البدع، والجهل، والهوى، وحكّم الشريعة، وأخذ بأصول الوحدة والاتحاد والاجتماع، وأخذ بمبدأ التفرغ، وساهم في إحياء مبدأ التخصص، فخالد لقيادة الجيوش، وزيد بن ثابت لجمع القرآن، وأبو برزة الأسلمي للمراسلات الحربية وهكذا، واهتم بالجانب الأمني، والإعلامي وغير ذلك من الأسباب.
3-آثار تحكيم الشرع:
تظهر آثار تحكيم شرع الله في عصر الصديق في تمكين الله للصحابة، فقد حرصوا على إقامة شعائر الله على أنفسهم وأهليهم وأخلصوا لله في تحاكمهم إلى شرعه، فالله سبحانه وتعالى قواهم وشد أزرهم ونصرهم على المرتدين، ورزقهم الأمن والاستقرار قال تعالى: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (سورة الأنعام، آية:82). وتحققت فيهم سنة الله في نصرته لمن ينصره لأن الله ضمن لمن استقام على شرعه أن ينصره على أعدائه بعزته وقوته قال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌالَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} (سورة الحج، آية:40-41).
وماحدث قط في تاريخ البشرية أن استقامت مجموعة على هدى الله إلا منحها القوة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف…)( ).
وقد انتشرت الفضائل وانحسرت الرذائل في عهد الصديق .
4-صفات جيل التمكين:
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (سورة المائدة، آية:54) هذه الصفات المذكورة في هذه الآية الكريمة أول من تنطبق عليه أبو بكر الصديق  وجيوشه من الصحابة الذين قاتلوا المرتدين فقد مدحهم الله بأكمل الصفات وأعلى المبرات( ) فهذه الصفات:
أ-{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}:
مذهب السلف في المحبة المسندة له سبحانه وتعالى، أنها ثابتة له تعالى بلا كيف ولاتأويل، ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها( ). لقد أحب المولى عزوجل ذلك الجيل لما بذلوه من أجل دينهم وبما تطوعوا به بما لم يفرض عليهم فرضاً، تقرباً إلى الله وحبا لرسوله، واتخاذهم المندوبات والمستحبات كأنها فروض واجبة التنفيذ( )، ولقد اتصف هذا الجيل بصفات الإحسان والتقوى والصبر التي ذكر المولى عزوجل بأنه يحبها قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (سورة آل عمران، آية:134) وقال تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (سورة آل عمران، آية:76) ولقد أحب الصحابة المولى عزوجل حباً عظيماً فقدموا محابه على كل شيء وبغضوا ما أبغضه، ووالوا ماوالاه وعادوا من عاداه واتبعوا رسوله، واقتفوا أثره، لقد أحب الصحابة ربهم، وخالقهم، ورازقهم، لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها وأي إحسان كإحسان من خلق فقدر، وشرع فيسر، وجعل الإنسان في أحسن تقويم، ووعد من أطاعه بجنة الخلد التي فيها مالاعين رأت ولا أذن سمعت، ولاخطر على ق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:11 am

الفصل الرابع
فتوحات الصديق واستخلافه لعمر رضي الله عنهم ووفاته



إن غاية وجود الأمة المسلمة في هذه الدنيا هي توحيد الله، وتحقيق عبوديته الشاملة في هذه الحياة كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (سورة الذاريات، آية:56). فإذا كان خلق الجن والإنس الغاية منه عبادة الله وحده سبحانه وتعالى، كان لزاماً على الأمة المسلمة أن تسعى لتحقيق هذه الغاية وتحمل هذه الأمانة وأعباء تبليغها للناس أجمعين، بالدعوة إلى الله، وتعليم الناس وتربيتهم على منهج الله، والعمل على إزالة كل العقبات، التي تقف في وجه أداء هذه الأمانة إلى الناس أجمعين، وبذلك يتحقق بسط سيادة الشرع الحكيم على كل بني البشر، ويصبح الجميع يدينون بحاكمية الله سبحانه المطلقة المتمثلة في خضوع الجميع لشرع الله تعالى( )، ولذلك شرع الله تعالى الجهاد لإزالة الحواجز والعقبات المانعة من سماع دين الفطرة التي فطر الناس عليها، قال ابن تيمية: (وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد بقصد أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع قوتل باتفاق المسلمين( )، وقد قام  بتبليغ واجب الدعوة إلى الله، فأرسل الكتب والرسل إلى القادة والملوك والزعماء وبعث السرايا والجيوش لإزالة الحواجز البشرية، والأعراف الجاهلية، والموانع النفسية، والعوائق المادية المانعة من سماع الإسلام وتفهمه، بل قاد  بذاته بعض البعوث والغزوات، والتي كان آخرها غزوة تبوك سنة 9هـ، والناس في كل هذه المعارك والغزوات مخيرون بين ثلاثة: إما أن يدخلوا في الإسلام ويكونوا للمسلمين إخواناً، وإما أن يختاروا البقاء على كفرهم ويدفعوا الجزية، وإما أن يرفضوا هذا وذاك فيكون السيف فاصل بيننا وبينهم( )، وسار الصديق  على هذا المنهج وشرع إرسال الجيوش لتحقيق بشائر الرسول  بفتح كثير من الممالك والبلاد كفتح العراق وغيرها من البلاد، فقد قال  لعدي بن حاتم: فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر، حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز( ) وقد وضع رسول الله  الخطوط العريضة لتلك الفتوحات وأضافت تلك المبشرات رصيداً مادياً ومعنوياً، وحسياً للأمة وقد حاول المستشرقون وأذنابهم وأعداء الإسلام، أن يجردوا الفتوحات الإسلامية من دوافعها الدعوية، وأهدافها الربانية، ومقاصدها السامية وألصقوا بحركة الفتوحات تهم باطلة لاتقوم أمام الدليل والبرهان والحجة.
إن الهدف الرفيع والمقصد السامي لحركة الفتوحات التي قادها الصديق  كان غرضها نشر دين الله تعالى بين الناس، وإزاحة الطواغيت من على رقاب الناس، وكان الصديق والمسلمون معه على يقين بما أخبر الله ورسوله من النصر والتمكين، وهذا اليقين من أخلاق جيل النصر فقد كانوا على يقين بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}(سورة الصف، آية:9) وبقوله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ}(سورة غافر، آية: 51) ولنترك الأحداث في حركة الفتوحات تخبرنا عن الحقائق وتوضح الطريق لأبناء الأمة الصادقين.
















المبحث الأول
فتوحات العراق


أولاً: خطة الصديق لفتح العراق:
ما إن انتهت حروب الردة واستقرت الأمور في الجزيرة العربية التي كانت ميداناً لها حتى شرع الصديق في تنفيذ خطة الفتوحات التي وضع معالمها رسول الله ، فجيش الصديق لفتح العراق جيشين وأنضم إلى خالد المثنى بن حارثة بالعراق:
1-بقيادة خالد بن الوليد وكان يومئذ باليمامة، فكتب إليه يأمره بأن يغزو العراق من جنوبه الغربي، وقال له: سر إلى العراق حتى تدخلها، وابدأ (بفرج الهند) أي ثغرها، وهي الأبلة( ) وأمره بأن يأتي العراق من أعاليها، وأن يتألف الناس ويدعوهم إلى الله عزوجل، فإن أجابوا وإلا أخذ منهم الجزية فإن امتنعوا عن ذلك قاتلهم، وأمره أن لايكره أحداً على المسير معه، ولايستعين بمن ارتد عن الإسلام وإن كان عاد إليه، وأمره أن يستصحب( ) كل امرئ مرّ به من المسلمين، وشرع أبو بكر في تجهيز السرايا والبعوث والجيوش إمداداً لخالد ( ).
2-الجيش الثاني بقيادة عياض بن غنم، وكان بين النباج( ) والحجاز فكتب إليه بأن يغزو العراق من شماله الشرقي، بادئاً بالمصيخ( ) وقال له: سر حتى المصيخ وابدأ بها، ثم ادخل العراق من أعلاها حتى تلقي خالداً ثم اردف أمره هذا بقوله: وأذن لمن شاء بالرجوع، ولاتستفتحا بمتكاره. أي لاتجبرا أحداً على السير معكما للقتال إكراهاً، فمن شاء فليقدم، ومن شاء فليحجم( ).
وكتب الصديق  إلى خالد وعياض: ... ثم يستبقا إلى الحيرة، فأيهما سبق إلى الحيرة فهو أمير على صاحبه، وقال: إذا اجتمعتما إلى الحيرة، فأيهما سبق إلى الحيرة فهو أمير على صاحبه وقال: إذا اجتمعتما بالحيرة، وقد ففضتما مسالح فارس وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليكن أحدكما ردءاً للمسلمين ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم المدائن( ).
3-وكان المثنى بن حارثة قد قدم على أبي بكر وحث الصديق على محاربة الفرس، وقال له ابعثني على قومي ففعل ذلك أبو بكر، فرجع المثنى وشرع في الجهاد بالعراق، ثم إنه بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبي بكر يستمده، فكتب معه أبو بكر إلى المثنى: أما بعد فإني قد بعثت إليك خالد بن الوليد إلى أرض العراق فاستقبله بمن معك من قومك، ثم ساعده ووازره وكانفه، ولاتعصين له أمراً، ولاتخالفن له رأياً، فإنه من الذين وصف الله تبارك وتعالى في كتابه
{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} (سورة الفتح، آية:29). فما أقام معك فهو الأمير، فإن شخص عنك فأنت على ماكنت عليه( ) وكان من قوم المثنى رجل يدعى مذعور بن عدي خرج عن المثنى بن حارثة وراسل الصديق وقال له: أما بعد: فإني امرؤ من بني عجل أجلاس الخيل -أي يلزمون ظهورها- وفرسان الصباح -أي يغيرون صباحاً- ومعي رجال من عشيرتي، الرجل خير من مئة رجل، ولي علم بالبلد، وجراء على الحرب، وبصر بالأرض، فولّني أمر السواد أكفكه إن شاء الله( ) وكتب المثنى بن حارثة  بشأن مذعور بن عدي إلى الصديق فقال له:... فإني أخبر خليفة رسول الله  أن امرءاً من قومي، يقال له مذعور بن عدي، أحد بني عجل، في عدد يسير، وإنه أقبل ينازعني ويخالفني، فأحببت أعلامك ذلك لترى رأيك فيما هنالك( )، وردّ الصديق على مذعور بن عدي فقال له: أما بعد: فقد أتاني كتابك، وفهمت ماذكرت، وأنت كما وصفت نفسك، وعشيرتك نعم العشيرة، وقد رأيت لك أن تنضم إلى خالد بن الوليد، فتكون معه، وتقيم معه ما أقام بالعراق وتشخص معه إذا شخص( )، وكتب إلى المثنى بن حارثة:... فإن صاحبك العجلي كتب إليّ يسئلني أموراً، فكتبت إليه آمره بلزوم خالد حتى أرى رأي وهذا كتابي إليك آمرك أن لاتبرح العراق حتى يخرج منه خالد بن الوليد، فإذا خرج منه خالد بن الوليد، فالزم مكانك الذي كنت به وأنت أهل لكل زيادة، وجدير بكل فضل( )، وممن سبق يمكننا أن نستخلص بعض الدروس والعبر، والفوائد فمنها:
1-كان تاريخ بعث خالد إلى العراق في شهر رجب وقيل في المحرم سنة اثنتي عشرة( ).
2-الحس الاستراتيجي عند الصديق:
إن الأوامر التي وجهها الصديق إلى قائديه، خالد وعياض تشير إلى الحس الاستراتيجي المتقدم الذي كان يملكه الصديق ، فقد أعطى جملة تعليمات عسكرية استراتيجية منها وتكتيكية، فحدد لكل من القائدين المسلمين جغرافياً، منطلقة للدخول إلى العراق، كأنما هو يمارس القيادة من غرفة العمليات بالحجاز، وقد بسطت أمامه خارطة العراق بكل تضاريسها ومسالكها، فيأمر أحدهما خالداً بدخول العراق من اسفلها، جنوباً بغرب، (أي الأبلة)، ويأمر الثاني (عياضاً) بدخول العراق من أعلاها، شمالاً بشرق (أي المصيخ) ويأمر الاثنين معاً أن يلتقيا في وسط العراق. ولاينسى الخليفة مع ذلك، أن يأمرهما بأن لايُكرها الناس على الانخراط في جيشيهما، وأن لايجبرا أحد على البقاء معهما للقتال، فلم يكن التجنيد في نظره إلزامياً، وإنما طوعياً واختيارياً( ).
3-تحديد الحيرة كموقع استراتيجي:
كان هدف الخليفة الصديق السيطرة على الحيرة وذلك لأهميتها العسكرية، فالحيرة تقع على بعد ثلاثة أميال جنوب (الكوفة) وتبعد عن (النجف) مسيرة ساعة للفارس إلى الجنوب الشرقي للنجف، والناظر على الخارطة، يرى لأول وهلة، أهمية هذا الموقع الاستراتيجي، فالحيرة كانت (عقد مواصلات) في نقطة تتصل بها الطرق من جميع الاتجاهات، فهي تتصل بالمدائن من الشرق عبر نهر الفرات، وتتصل شمالاً بـ (هيت)، وتتصل بـ (الأنبار) على جسر الأنبار، وتتصل بالشام من الغرب، كما تتصل بـ (الأبلة) في منطقة (البصرة) بالعراق، وفي (كسكر) في (السواد)، وفي (النعمانية) على نهر دجلة ومن هذا يتضح جلياً، أهمية السيطرة على هذا الموقع الهام، وكان الصديق مصيباً عندما جعلها هدفاً لجيشين، هما جيش خالد، وجيش عياض، فالحيرة كانت قلب العراق، وأقرب منطقة مهمة إلى المدائن، عاصمة الامبراطورية الفارسية، التي كانت تدرك هذه القيمة الاستراتيجية للحيرة، ولذا كانت ترسل القوات باتجاهها دائماً لاستعادتها، لأن المسيطر على الحيرة، يؤمن سيطرته على المنطقة الكائنة غربي الفرات بأجمعها وهي عدا عن هذا، كانت مهمة للقوات الإسلامية في قتالها الروم في بلاد الشام( ).
إن تخطيط الصديق للوصول إلى الحيرة في الفتوحات يعرف في الخطط العسكرية للجيوش الحديثة بحركة فكي الكماشة أو عملية الالتفاف الدائري بأكثر من جيش وهذا يؤكد أن عملية فتح العراق وضم أطراف شبه الجزيرة العربية عن طريق الجهاد لم تكن محض مصادفة أو نتيجة لمجريات الحوادث( ) ويظهر للباحث فقه أبي بكر  في التخطيط الجهادي بأنه كان يرتكز على اتخاذ القرارات بتنظيم الجيوش وتوجيهها وتحديد واجباتها وأهدافها، وتنسيق التعاون فيما بينها، وتحقيق التوازن على مسارح العمليات، غير أنه يترك لقادته حرية العمل العسكري، لإدارة العمليات القتالية بالأساليب التي يرونها مناسبة، وبالطرائق التي تستجيب لها يجابهونه من مواقف( ).
4-نكران الذات عند المثنى بن حارثة:
ومن المواقف التي تذكر في الجهاد في العراق ماكان المثنى بن حارثة الشيباني، وكان يقاتل الأعداء في العراق بقومه، ولما علم بذلك أبو بكر سرَّه ماكان منه فأمّره على من بناحيته وذلك قبل مجئ خالد، فلما توجهت همة الصديق لغزو فارس رأى أن خالداً أجدر القواد بهذه المهمة فوجهه لها، وكتب كتاباً إلى المثنى يأمره بالانضمام إلى خالد وطاعته، فما كان منه إلا أن سارع في الاستجابة ولحق بخالد هو وجيشه وإن هذا موقف يذكر للمثنى حيث لم يَغُرَّه كثرة جيشه ولاكونه أقدم من خالد في إمرة جيوش العراق فلم يحمله ذلك على أن يرى أنه أحق بالقيادة من خالد( ).
5-احتياط الصديق لأمر الجهاد في سبيل الله:
وقد جاء في كتاب أبي بكر لخالد وعياض بن غُنْم، أن استنفروا من قاتل أهل الردة ومن ثبت على الإسلام بعد رسول الله  ولايغزونَّ معكم أحد ارتد حتى أرى رأيي، فلم يشهد الأيام مرتد( )، يعني في أول الأمر وقد شهدوا الأيام بعد ذلك حينما ثبتت استقامتهم كما سيأتي بإذن الله تعالى. وهذا الموقف من أبي بكر مبني على الاحتياط لأمر الجهاد في سبيل الله تعالى حتى لايشترك فيه طلاب الدنيا فيكونوا سبباً في فشل المجاهدين واختلال صفوفهم وهذا درس تربوي من أبي بكر استفاده من الدروس النبوية الغالية وذلك في تنقية الصف الإسلامي من الشوائب وتوحيد هدفه حتى يكون خالصاً لوجه الله تعالى، فيأمن بذلك من الانتكاسات الخطيرة التي تحدث بسبب تعدد الأهداف، ولقد حرص أبو بكر على هذا المبدأ السامي مع شدة احتياج الجيش الإسلامي آنذاك إلى الرجال مما يدل على قناعته التامة بأن العبرة بسمو الهدف والإخلاص لابكثرة العدد( ).
6-الرفق بالناس والتوصية بفلاحي العراق:
وفي قول الصديق لخالد: وتألف أهل فارس ومن كان في ملكهم من الأمم( )، وهذا القول يبين لنا الهدف من الجهاد الإسلامي خارج بلاد الإسلام فهو جهاد دعوي يقصد به دعوة الناس إلى الدخول في الإسلام، ولما كانت الدعوة غير ممكنة مع بقاء الحكومات فإنه لابد من إزالتها لتمكين شعوبها من الدخول في الإسلام، وهذا الهدف ظاهر في جميع المعارك التي خاضها الصحابة رضي الله عنهم حيث كانوا يدعون أعداءهم إلى الإسلام فيكون لهم ماللمسلمين وعليهم ماعليهم، فإن أبوا فليستسلموا لحكم الإسلام ويدفعوا الجزية مقابل حماية المسلمين لهم، فإن أبوا فلابد من القتال حتى تكون كلمة الله هي العليا( )، وقد وصى الصديق  قادة جيوشه بفلاحي العراق وأهل السواد حرصاً منه على هداية الناس، وعلى منابع الثروة وعلماً منه بأن العمران لاتقوم بدونه دولة، كما أن الفلاحة مصدر من مصادر الثروة، وهي المتصلة بحياة الناس ومعايشهم( ).
7-لايهزم جيش فيهم مثل هذا:
عندما استمد خالد أبا بكر أثناء سيره للعراق، أمده الصديق بالقعقاع بن عمرو التميمي فقيل له: أتُمدُّ رجلاً قد ارفضَّ عنه جنوده برجل؟ فقال: لايهزم جيش فيهم مثل هذا( ) وهذه فراسة من أبي بكر بينتها أحداث العراق بعد ذلك وقد كان أبو بكر أعلم الناس بالرجال وما يتصفون به من طاقات وكفاءات مختلفة( ).
ثانياً: معارك خالد بن الوليد بالعراق:
لم يلبث خالد أن قدم العراق ومعه ألفي رجل ممن قاتل المرتدين وحشد ثمانية آلاف رجل من قبائل ربيعة وكتب إلى ثلاثة من الأمراء في العراق قد اجتمعت لهم جيوش لغرض الجهاد وهم مذعور بن عدي العجلي وسُلْمَى بن القين التميمي وحرملة بن مُرَيْطة التميمي فاستجابوا وضموا جيوشهم التي بلغ تعدادها مع جيش المثنى ثمانية آلاف، فأصبح جيش المسلمين ثمانية عشر ألفاً( )، وقد اتفقوا على أن يكون مكان تجمع الجيوش الأبلة( )، وقبل أن يسير خالد إلى العراق كتب إلى هرمز صاحب ثغر الأبلة كتاب إنذار يقول فيه: أما بعد فاسلم تسلم او اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقررّ بالجزية وإلا فلا تلومن إلا نفسك فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة( )، وقد لجأ إلى هذا الأسلوب وهو نوع من الحرب النفسية ليدخل الخوف والرعب في قلب هرمز وجنوده وليوهن من قوتهم ويضعف من عزيمتهم وحين قارب خالد العدو جعل الجيش ثلاث فرق وأمر أن تسلك كل فرقة طريقاً ولم يحملهم على طريق واحد تحقيقاً لمبدأ مهم من مبادئ الحرب وهو أمن القطعات، فجعل المثنى على فرقة المقدمة ثم تلتها فرقة عليها عدي بن حاتم الطائي وخرج خالد بعدهما وواعدهما الحضير( ) ليجتمعوا به ويصمدوا لعدوهم( ).
1-معركة ذات السلاسل:
سمع هرمز بمسير خالد وعلم أن المسلمين تواعدوا الحضير فسبقهم إليه وجعل على مقدمته القائدين قباذ وأنو شجان ولما بلغ خالد انهم يمموا الحضير عدل عنها إلى كاظمة فسبقه هرمز إليها ونزل على الماء واختار المكان الملائم لجيشه وجاء خالد فنزل على غير ماء، فقال لأصحابه: حطوا أثقالكم ثم جالدوهم على الماء فلعمري ليصيرن الماء لاصبر الفريقين واكرم الجندين( ).
وحط المسلمون أثقالهم والخيل وقوف وتقدم الراجلون، وزحفوا إلى الكفار، ومنَّ الله تعالى بكرمه وفضله على المسلمين بسحابة فأمطرت وراء صفوف المسلمين ونهلوا من غدرانها فتقوى بذلك المسلمون، وهذا مثل من الأمثلة الكثيرة الشاهدة على معية الله جل جلاله لأوليائه المؤمنين بنصره وإمداده ووجه المسلمون هرمز وكان مشهوراً بالخبث والسوء حتى ضُرب المثل بخبثه فعمل مكيدة لخالد وذلك أنه اتفق مع حاميته على أن يبارز خالدا ثم يغدروا به ويهجموا عليه، فبرز بين الصفين ودعا خالداً إلى البراز، فبرز إليه، والتقيا فاختلفا ضربتين واحتضنه خالد فحملت حامية هرمز على خالد وأحْدَقوا به فما شغله ذلك عن قتل هرمز، وما أن لمح ذلك البطل المغوار القعقاع بن عمرو حتى حمل بجماعة من الفرسان على حامية هرمز وكان خالد يجالدهم فأناموهم( )، وحمل المسلمون من وراء القعقاع حتى هزموا الفرس، وهذا هو أول المشاهد التي ظهر فيها صدق فراسة أبي بكر حينما قال عن القعقاع: (لايهزم جيش فيه مثل هذا)( ) وأما خالد فقد ضرب أروع الأمثال في البطولة ورباطة الجأش فقد أجهز على قائد الفرس وحاميته من حوله فلم يستطيعوا تخليصه منه، ثم ظل يجالدهم حتى وصل إليه القعقاع ومن معه فقضى عليهم وقد كان الفرس ربطوا أنفسهم بالسلاسل حتى لايفروا فلم تغن عنهم شيئاً أمام الليوث البواسل، وسميت هذه المعركة بذات السلاسل( ).
وغنم المسلمون من الفرس حمل ألف بعير، وبعث خالد سرايا تفتح ماحول الحيرة من حصون، فغنموا أموالاً كثيرة، ولم يعرض خالداً لمن لم يقاتلوه من الفلاحين، بل أحسن معاملتهم كما أوصاه الصديق، وأبقاهم في الأرض التي يفلحونها، ومكنّهم من إنتاجها، ومتعهم بثمرات عملهم، فمن دخل في الإسلام حدد له نصيب الزكاة، ومن بقي على دينه فرض عليه الجزية، وهو أقل بكثير مما كان ينهبه المالكون الفرس، ولم ينتزع الأرض من أيدي أصحابها الفرس، ولكنه أنصف العاملين فيها، فأحسُّوا بأن عنصراً جديداً من العدل والإخاء الإنساني يشرف عليهم من خلال هذا الفتح المجيد، وأرسل خالد خمس الغنائم والأموال إلى الصديق، ووزع الباقي على المجاهدين، وكان مما أرسله إلى الصديق قلنسوة هرمز ولكن الصديق أهداها إلى خالد، مكافأة له على حسن بلائه( ) وكانت قيمتها مائة ألف، وكانت مفصصة بالجوهر، فقد كان أهل فارس يجعلون قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم فمن تم شرفه فقيمة قلنسوته مائة ألف، فكان هرمز ممن تم شرفه( ) في الفرس.
2-معركة المذار (الثَّني):
كان هرمز قد كتب إلى كسرى بكتاب خالد فأمده كسرى بجيش بقيادة (قارن) ولكن هرمز استخف بجيش المسلمين فسارع إليهم قبل وصول قارن فنكب ونكب جيشه، وهرب فلول المنهزمين فالتقوا بجيش (قارن) وتذامروا فيما بينهم وتشجعوا على قتال المسلمين، وعسكروا بمكان يسمى المذار وكان خالد قد بعث المثنى بن حارثة وأخاه المعنَّى في آثار القوم، ففتحا بعض الحصون، وعلما بمجئ جيش الفرس فأبلغا خالداً الخبر، وكتب خالد إلى أبي بكر بمسيره إليهم، وسار وهو مستعد للقتال حتى لايفاجأ بهم، والتقى المسلمون معهم في (المذار) فاقتتلوا والفرس قد أغضبهم وأثار حفيظتهم ماوقع لهم قبل ذلك، وخرج قائدهم (قارن) ودعا إلى البراز، فبرز إليه خالد ولكن سبقه إليه معقل بن الأعمش بن النباش فقتله، وكان قارن وضع على ميمنته (قباذ) وعلى ميسرته (أنوشجان) وهما من القواد الذين حضروا اللقاء الأول وفروا من المعركة، فتصدَّى لهما بطلان من أبطال المسلمين، فأما قباذ فقتله عاصم بن عمرو التميمي، واشتد القتال بين الفريقين ولكن الفرس انهزموا بعد مقتل قادتهم، وقتل منهم ثلاثون ألفاً ولجأ بقيتهم إلى السفن فهربوا عليها ومنع الماء المسلمين من ملاحقتهم وأقام خالد بالمذار، وسلم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت، وقسم الفئ، ونفل من الأخماس أهل البلاء، وبعث ببقية الأخماس( ) إلى المدينة.
3-معركة الولجة:
وصل نبأ نكبة الفرس في المذار إلى كسرى فبعث الأند زغر على رأس جيش عظيم واردفه بجيش آخر عليه بهمن جاذويه وتحرك الاندرزغر من المدائن حتى انتهى إلى كسكر ومنها إلى الولجة وخرج بهمن جاذويه سالكاً وسط السواد يريد أن يحضر جيش المسلمين بينه وبين الاندرزغر واستطاع أن يحشر في طريقه عدداً من الأعوان والدهاقين وتجمعت القوة الفارسية في الولجة وعندما شعر الاندرزغر ان حشوده أصبحت كبيرة قرر الزحف على خالد، ولما بلغ خالد وهو بالثني (مكان قرب البصرة ومعناه منعطف النهر والجبل) تجمع الفرس ونزولهم الولجة رأى ان من الأفضل للمسلمين أن يهاجموا هذه الحشود الكبيرة من ثلاث جهات حتى يفرقوا جموعهم وتكون المفاجأة للفرس مربكة وأخذ يعد العدة لتنفيذ خطة الهجوم، ولكي يؤمن خطوطه الخلفية أمر سويد بن مقرن بلزوم الحضيروتحرك بجيشه حتى وصل الولجة وبعد أن قام باستطلاع واف للمنطقة وجد أن ميدان المعركة ارض مستوية وواسطة تصلح للقتال وتسمح بحرية الحركة، ولما كان خالد قد قرر أن يهاجم قوات الفرس من ثلاث جبهات فقد نفذ خطته وبعث بفرقتين لمهاجمة حشود الفرس من الخلف والجانبين، وبدأت المعركة واشتد القتال بين الفريقين وشدد خالد بهجومه من المقدمة، وفي الوقت المناسب انقض الكمينان على مؤخرة جيش العدو فحلت به الهزيمة المنكرة، وفر الاندرزغر مع عدد من رجاله ولكنهم ماتوا عطشاً( ) وقام خالد في الناس خطيباً، فرغبهم في بلاد الأعاجم وزهدهم في بلاد العرب وقال: ألا ترون ماهاهنا من الأطعمات؟ وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في سبيل الله والدعاء إلى الإسلام ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي أن نقاتل على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولّي الجوع والإقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه. ثم خمس الغنيمة ، وقسم أربعة أخماسها، وبعث الخمس إلى الصديق، وأسر من أسر من ذراري المقاتلة وأقر الفلاحين بالجزية( ) وفي خطبة خالد بن الوليد للناس إشارة إلى أن العرب وهم في جاهليتهم إضافة الى أنهم ليسوا من طلاب الآخرة فإنهم لم يظفروا بالدنيا لتفرقهم وتناحرهم فيما بينهم، فخالد يقول: نحن طلاب الآخرة ولنا هدف سام نسعى إليه، من أجله ندعو ومن أجله نجاهد، ولو فرض أننا لانحمل هذا الهدف ولا نجاهد من أجله فإن العقل يقتضي أن نقاتل من أجل أن نصلح أحوالنا المعيشية وخالد حينما يذكر ذلك لايجعل هذا الموقف ثنائياً مع الهدف السامي الذي ذكره، وإنما يذكر ذلك على أنه مجرد إفتراض يفرض نفسه لو لم يوجد الهدف السامي المذكور، وكأنه يقول: إذا كنا سنقارع هؤلاء من أجل هذا الهدف الدنيوي أفلا نقارعهم من أجل الهدف الأخروي وابتغاء مرضاة الله جل وعلا؟
وهذا الكلام يشحذ الهمم ويقوي العزم، ويحي القلب ويفجر الطاقات، فتنطلق بعد ذلك النفوس المؤمنة مجاهدة في سبيل الله تعالى بكل طاقاتها وإمكاناتها وقدراتها( ).
وجاء في رواية: أن في يوم الولجة بارز خالد رجلاً من أهل فارس يعدل بألف رجل فقتله، فلما فرغ اتكأ عليه ودعا بغدائه( )، وهذا التصرف الجليل من سيف الله  فيه إذلال للفرس وتحطيم لجبروتهم وتغطرسهم وإضعاف لعزائمهم( ).
4-معركة إليس وفتح امغيشيا:
في هذه الموقعة انضم بعض نصارى العرب إلى الأعاجم وصاروا عوناً للفرس على المسلمين وكان عليهم عبدالأسود العجلي وعلى الفرس جابان وكان قد أمره بهمن جاذويه إلا ينازل المسلمين إلا أن يعجلوه وبعد ان بلغ خالد تجمع نصارى العرب وعرب الضاحية من اهل الحيرة سار إليهم وكان همه متجه لمواقعتهم ولاعلم له بانضمام الفرس لجموع العرب فلما اقبلت جنود المسلمين طلب جابان من جنده مهاجمتهم فاظهروا عدم الاكتراث بخالد والتهاون بأمره وتداعوا إلى الطعام إلا أن خالد لم يدعهم يهنأون بطعامهم واقتتلوا اشد القتال وقد زاد في كلب الأعداء وشدتهم مايتوقعون من لحاق بهمن جاذويه بهم في مدد كبير وصبر المسلمون على هذا القتال العنيف وقال خالد: اللهم ّ إنّ لك عليّ إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحداً قدْرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم ثم إن الله كشفهم للمسلمين، ومنحهم أكتافهم، فأمر خالد مناديه، فنادى في الناس: الأسر الأسر لاتقتلوا إلا من امتنع، فأقبلت الخيول بهم أفواجاً مستأسرين يساقون سَوْقاً، وقد وكَّل بهم رجالاً يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوماً وليلة، وطلبوهم الغد وبعد الغد حتى انتهوا إلى النهرين، ومقدار ذلك من كل جانب أليس، فضرب أعناقهم، وقال له القعقاع وأشباه له: لو أنك قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم، إن الدماء لاتزيد على أن ترقرق منذ نهيت عن السيلان، ونهيت الأرض عن نشف الدماء، فأرسل عليها الماء تبر يمينك، وقد كان صد الماء عن النهر فأعاده، فجرى دما عبيطا فسمي نهر الدم لذلك الشأن( ).
ولما هُزم القوم وأجلُوا عن عسكرهم، ورجع المسلمون من طلبهم ودخلوه، وقف خالد على الطعام فقال: فقد نفَّلتكموه فهو لكم. وقال: كان رسول الله  إذا أتى على طعام مصنوع نفَّله، فقعد عليه المسلمون لعشائهم بالليل، وجعل من لم يَرالأرياف ولايعرف الرّقاق يقول: ماهذه الرّقاق البيض! وجعل من قد عرفها يجيبهم، ويقول لهم مازحاً: هل سمعتم برقيق العيش؟ فيقولون: نعم، فيقول: هو هذا فسميَّ الرّقاق، وكانت العرب تسمّيه القرَى( ) وبعد أن فرغ خالد من أُليس نهض حتى أتى امغيشيا وقد جلا عنها أهلها واعجلوا عما فيها وتفرقوا في السواد فأمر بهدمها وهدم كل شيء كان في حيزها وأصابوا بها مالم يصيبوا مثله فقد بلغ سهم الفارس الف وخمسمائة درهم سوى انفال أهل البلاء ولما وصلت الأخماس واخبار النصر إلى الصديق  وماصنعه خالد والمسلمون قال: يامعشر قريش -يخبرهم بالذي أتاه- عَدَا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله( )، أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد( ) وكان خالد قد بعث بالخبر مع رجل يدعى جندلا من بني عجل، وكان دليلاً صارماً، فقدم على أبي بكر بالخبر، وبفتح أليس، وبقدر الفئ وبعدة السبي، وبما حصل من الأخماس وبأهل البلاء من الناس، فلما قدم على أبي بكر، فرأى صرامته وثبات خبره، قال: مااسمك؟ قال: جندل، قال: ويهاً جندل
نفس عصام سودت عصاما
وعودته الكر والاقداما
وأمر له بجارية من ذلك السبي، فولدت له( ).
وفي قول الصديق عن خالد: عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد( )، وسام شرف لخالد، واعتراف بالجميل، ورفع لأهل البلاء والفضل والهمم العالية، ودفع لأصحاب الهمم الضعيفة ليضاعفوا من جهودهم وينافسوا على معالي الأمور ومكارمها( ) وهذا القول من أبي بكر وكان أعلم بالرجال -أعظم شهادة، وأجل تقدير يناله رجل في تاريخ الإسلام، فالصديق وهو خليفة المسلمين الأعظم لايرى لخالد  في الناس عدلاً في عبقريته وشجاعته، ولانظيراً في بطولته ومهارته، وحسبك بها لخالد من الصديق( ).
5-فتح الحيرة:
علم مرزبان الحيرة بما صنع خالد بأمغيشيا فأيقن أنه آتيه، فاستعد لذلك وأرسل جيشاً بقيادة ابنه ثم خرج في إثره وأمر ابنه بسد الفرات ليعطل سفن المسلمين، وفوجئ المسلمون بذلك واغتموا له فأرسلوا الفلاحين فأخبروهم بضرورة سد الأنهار حتى يسيل الماء فماذا فعل خالد؟
نهض خالد في خيل يقصد ابن المرزبان فلقى خيلاً من خيله ففاجأهم فأنامهم بالمقر ثم نهض قبل أن تصل أخباره إلى المرزبان حتى لقى جنداً لابنه على فم الفرات فقاتلهم وهزمهم، وسد الأنهار وسلك الماء سبيله، ثم طلب خالد عسكره واتجه إلى الحيرة، وعلم المرزبان بموت ابنه، وخبر موت أزدشير فهاله الأمر فعبر الفرات هاربا من غير قتال فعسكر خالد مكانه، وأهل الحيرة متحصنون، وأدخل خالد الخيل من عسكره وتمت خطته حول قصور الحيرة بمحاصرتها على هذا النحو:
أ-ضرار بن الأزور لمحاصرة القصر الأبيض وفيه إياس بن قبيصة الطائي.
ب-ضرار بن الخطاب لمحاصرة قصر العدسيين وفيه عدي بن عدي العبادي.
جـ-ضرار بن مقرن لمحاصرة قصر بني مازن وفيه ابن أكال.
د-المثنى بن حارثة لمحاصرة قصر ابن بقيلة وفيه عمرو بن عبدالمسيح.
وعهد خالد إلى أمرائه أن يدعوا القوم إلى الإسلام فإن أجابوا قبلوا منهم، وإن أبوا أجلوهم يوما، وأمرهم أن لايمكنوا عدوا منهم بل عليهم أن يناجزوهم ولايمنعوا المسلمين من قتال عدوهم ففعلوا، واختار القوم المنابذة وعمدوا لرمي المسلمين بالحذف( )، فرشقهم المسلمون بالنبل، وشنوا غاراتهم، وفتحوا الدور والديارات فنادى القسيسون: ياأهل القصور مايقتلنا غيركم، فنادى أهل القصور: يامعشر العرب قبلنا واحدة من ثلاث فكفوا عنا-وخرج رؤساء القصور فقابلهم خالد كل أهل قصر على حدة، ولامهم على فعلهم، وتصالحوا مع خالد على الجزية وصالحوه على مائة وتسعين ألفاً، وبعث خالد بالفتح والهدايا إلى ابي بكر فقبل الهدايا، وعدها لأهل الحيرة من الجزية تعففاً عما لم يأذن به الشرع وقطعا لدابر العادات الأعجمية التي كان يحتال بها على سلب أموال الناس( ).
وكتب خالد في عهده لأهل الحيرة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ماعاهد عليه خالد بن الوليد عديا وعمرا بن عديا، وعمرو بن عبدالمسيح، وإياس بن قبيصة، وحيرى بن أكال، وهم نقباء أهل الحيرة، ورضى بذلك أهل الحيرة، وأمرهم به، وعاهدهم على مائة وتسعين ألف درهم تقبل في كل سنة جزاء عن أيديهم في الدنيا رهبانهم وقسيسهم إلا من كان منهم على غير ذي يد حبيساً عن الدنيا، تاركا لهما، وعلى المنعة، وإن لم يمنعهم شيء، فلاشيء عليهم حتى يمنعهم وإن غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة وكانت كتابة هذا العهد في شهر ربيع الأول سنة 12هـ( )، وقد جاء في رواية: أن خالد عرض على أهل الحيرة واحدة من ثلاث: أن تدخلوا في ديننا فلكم مالنا وعليكم ماعلينا إن نهضتم وهاجرتم وإن أقمتم في دياركم، أو الجزية، أو المنابذة والمناجزة فقد والله أتيتكم بقوم هم على الموت أحرص منكم على الحياة، فقال: بل نعطيكم الجزية، فقال خالد: تبّا لكم، ويحكم إن الكفر فلاة مضلّة فأحمق العرب من سلكها( ).
ففي حديث خالد  تتضح بعض الصفات الإيمانية التي تجسدت في جيش فتح العراق، فهذا الجيش يتحرك من أجل هدف سامي، إلا وهو دعوة الناس إلى الإسلام وتبليغ الهداية للبشرية، وليس التوسع في الممالك وفرض السلطان والتمتع بالحياة الدنيا، كما بين خالد أهم مقومات نجاح المسلمين في حروبهم ألا وهو الحرص الأكيد على طلب الشهادة وابتغاء ماعند الله تعالى في الآخرة، كما بين النص السابق حرص الصحابة رضي الله عنهم على تطبيق سنة النبي ، وذلك بالرغبة القلبية في هداية البشرية حيث إن خالداً وبَّخهم على اختيار البقاء على الكفر مع أن بقاءهم على الكفر ودفع الجزية فيه مصلحة مالية للمسلمين ولكن خالداً من قوم هانت عليهم الحياة الدنيا وفضلوا ماعند الله جل وعلا في الآخرة، وقد سنَّ رسول الله  لهم هذا المبدأ السامي( )، في قوله : لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النَّعم( ).
وفي قبول الصديق لهدية أهل الحيرة، وقد أهدوها طائعين مختارين، فعدها من الجزية عدلاً وتعففاً وخشية أن يظلم أهل ذمته أو يكلفهم شططا، درس عظيم في إقامة العدل بين الناس وقد قارن الشيخ علي طنطاوي بين فتوح الاستعمار التي أثارتها أوروبا وبين فتح المسلمين مقارنة متميزة ثم استدل بقول الشاعر:
ملكنا فكان العدل منا سجية
فلّما ملكتم سال بالدم أبطح
وحلَّلتم فكان العدل منا سجية
غدونا على الأسرى نمن ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننا
فكل إناء بالذي فيه ينضح( )
• الحيرة قاعدة الجيوش الإسلامية:
كان فتح الحيرة عملاً حربياً عظيم القيمة، وسع أمل المسلمين في فتح بلاد فارس، لمكان هذا البلد الجغرافي والأدبي من العراق والمملكة الفارسية، فقد اتخذها القائد العام للجيوش الإسلامية مقراً لقيادته العليا ومركزاً رئيسياً تتلقى منه جيوش الإسلام أوامر الهجوم والدفاع والإمداد والنظم، وكذلك جعلها قاعدة عامة للتدبير والسياسة التي يقوم عليها تنظيم من وقع في يد المسلمين، وبث خالد عماله على الولايات لجباية الخراج والجزاء، ووجه أمراء إلى الثغور لحمايتها، وأقام هو ريثما يتم ماأراده من الاستقرار والنظام، وترامت أخباره إلى الدهاقين والرؤساء فأقبلوا إليه يصالحونه حتى لم يبقى مابين قرى سواد العراق إلى أطرافه من ليس مولى للمسلمين أو على عهد منهم( ) وقد كان من عماله على الأقاليم:
1-عبدالله بن وثيمة النصري على الفلاليج.
2-جرير بن عبدالله على بانقيا.
3-بشير بن الخصاصية على النهرين.
4-سويد بن مقرن المزني على تستر.
5-أط بن أبي أط على روذستان.
وكان من قادة الثغور:
1-ضرار بن الأزور.
2-المثنى بن حارثة الشيباني.
3-ضرار بن الخطاب.
4-ضرار بن مقرن.
5-القعقاع بن عمرو.
6-بسر بن أبي رهم.
7-قتيبة بن النّهاس( ).
• الرسائل التي أرسلها خالد إلى خاصة وعامة الفرس:
أجمع خالد أمره على منازلة الفرس في ساحات ملكهم بعد أن صفا له الجو في العراق، وأمن ظهره بانحسار أمر فارس عن العرب فيما بين الحيرة ودجلة، وكان أهل فارس في هذه الفترة على خلاف شديد فيمن يولونه عليهم بعد موت كسراهم أزدشير، فانتهز خالد هذه الفرصة وكتب إلى خاصتهم يقول: من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس: أما بعد فالحمد لله الذي حل نظامكم، ووهن كيدكم، وفرق كلمتكم، وأوهن بأسكم، وسلب أموالكم، وأزال عزكم، فإذا أتاكم كتابي فأسلموا تسلموا، أو اعتقدوا منا الذمة، وأجيبوا إلى الجزية، وإلا والله الذي لا إله إلا هو لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدنيا( )، وكتب إلى عامتهم فقال: من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس: الحمد لله الذي فض خدمتكم، وفرق جمعكم، وأوهن بأسكم، وسلب أموالكم، وأزال عزكم، فإذا أتاكم كتابي فأسلموا تسلموا، أو اعتقدوا منا الذمة، وأجيبوا إلى الجزية، وإلا والله الذي لا إله إلا هو لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدنيا( ).
وبفتح الحيرة تحقق شطر من أمل أبي بكر  في فتح العراق وإخضاعه تمهيداً لغزو فارس في عقر دارهم، وقد قام خالد بن الوليد  بمهمته في ذلك خير قيام ووصل إلى الحيرة في وقت قياسي حيث بدأ صراعه مع الأعداء في شهر محرم من العام الثاني عشر في معركة الكاظمة، وانتهى من فتح الحيرة في شهر ربيع الأول من العام نفسه( ).
• كرامة لخالد بن الوليد في فتح الحيرة:
وقد أخرج الإمام الطبري بإسناده ... وكان مع ابن بُقَيْلة( )، مَنْصَف له( ) فعلق كيساً في حقوه، فتناول خالد الكيس ونثر مافيه في راحته، فقال: ماهذا ياعمرو؟ قال: هذا وأمانة الله سمُّ ساعة، قال: لم تحتقب السم؟ قال: خشيت أن تكونوا على غير مارأيت، وقد أتيت على أجلي، والموت أحب إلي من مكروه أدخله على قومي وأهل قريتي، فقال خالد: إنها لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، وقال: بسم الله خير الأسماء، رب الأرض ورب السماء، الذي ليس يضر مع اسمه داء الرحمن الرحيم، فأهووا إليه يمنعوه منه، وبادرهم فابتلعه، فقال عمرو: والله يامعشر العرب لتملكن ماأردتم مادام منكم أحد أيها القَرْن( )، وأقبل على أهل الحيرة فقال: لم أرَ كاليوم أوضح إقبالا( ) وقد ذكر هذه الرواية الحافظ بن كثير ولم يضعفها( )، وذكرها الحافظ ابن حجر وقال: رواه أبو يعلى ورواه ابن سعد من طريقين آخرين ولم يضعفها( )، وذكرها ابن تيمية مثالا من أمثلة الكرامات( ) وقد أنكر بعض الكتاب المعاصرين هذا الخبر، واعتبروه من نسج خيال بعض الرواة حول شخصية خالد، وقد ثبتت هذه الرواية من ناحية الإسناد، فقد ارتضاها الطبري، وابن سعد، وابن كثير، وابن حجر وابن تيمية ولم يضعفوا إسنادها، وهم أعلم وأنصف في علم التاريخ الإسلامي من الكتّاب المعاصرين.
إن خالد  عندما أقدم على شرب السم كان في قمة اليقين والإيمان بأن الله جل جلاله هو الذي خلق كل شئ وأودع في كل شئ خصائصه، وأنه القادر على أن يلغي مفعول هذه الخصائص إذا أراد، لحكمة عالية وهدف عظيم، كما أذهب فعالية النار حينما ألقي فيها إبراهيم عليه السلام، وجعلها عليه برداً وسلاماً، وقد حصل ذلك لغير الأنبياء عليهم السلام كما حصل لأبي مسلم الخولاني لما رفض أن يقر بنبوة الأسود العنسي الكذاب فألقاه في النار فوجدوه فيها قائماً يصلي ولم تضره( )، كما أن خالداً حينما أقدم على ذلك لم يخالج قلبه ذرة من إرادة حظ النفس وكسب السمعة والجاه، لأنه لو نوى شيئاً من ذلك لعلم أن الله تعالى سيتخلى عنه، وهو لاحول له ولاقوة على انتزاع أثر السم الضار، وهذه تجربة فذة لايُطلب من أي مسلم أن يخوضها ولو كان هدفه نفس الهدف الذي رمى إليه خالد، لأنه يندر أن يوجد من يبلغ إيمانه وثقته بالله تعالى إلى المستوى الذي بلغ إليه خالد  وأرضاه( )، هذا وقد صلى خالد عندما فتح الحيرة ثماني ركعات بتسليمة واحدة( ).
• من أدب الفتوحات العراقية:
ومما قاله القعقاع بن عمرو في فتح الحيرة:
سقى الله قتلى بالفرات مُقيمةً
وأخرى بأثباج النجَاف الكوانف( )
ونحن وطئنا بالكواظم هرمزاً
وبالثني قَرْنَي قارن بالجوارف
ويوم أحطنا بالقصور تتابعت
على الحيرة الروحاء إحدى المصارف
حططناهم منها وقد كان عرشهم
يميل بِهُمْ فعل الجبان المخالف
رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا
غبوقَ المنايا حول تلك المحارف( )
صبيحة قالوا نحن قوم تنزَّلوا
إلى الرِّيف من أرض العريب المُقانِف( )
6-فتح الأنبار (ذات العيون)
استقام الأمر لخالد في تلك الجهات فاستخلف على الحيرة القعقاع بن عمرو التميمي، واتجه بتعبئة لإغاثة عياض بن غنم الذي أرسله الصديق لفتح العراق من الشمال ويلتقي بخالد، وصل خالد إلى الأنبار فوجد القوم قد تحصنوا وخندقوا على أنفسهم وأشرفوا من أعالي الحصون( )، فضرب المسلمون عليهم الحصار وامر خالد جنوده أن يصوبوا إلى عيون أهل الأنبار فلما نشب القتال أصابوا في أول رمية الف عين من عيونهم ولذلك سميت هذه الوقعة ذات العيون( )، واخترق خالد الخندق الذي حول الأنبار بفطنة وذكاء حيث عمد إلى الضعاف من الإبل بجيشه فنحرها، وملأ الخندق في أضيق نقطة فيها بجثث الإبل، واقتحم المسلمون الخندق وجسرهم جثث الإبل، وصاروا مع عدوهم داخل الخندق، فالتجأ العدو إلى الحصن( )، واضطر شيراز قائد جند الفرس إلى قبول الصلح بشروط خالد على أن يخرج من الأنبار في عدد من الفرسان يحرسونه فقبل خالد منه ذلك بشرط ألا يأخذ معه المتاع أو من الأموال شيئاً( ).
وتعلم الصحابة ممن بها من العرب الكتابة العربية، وكان أولئك العرب قد تعلموها من عرب قبلهم وهم بنو إياد، كانوا بها في زمان بختنصر حين أباح العراق للعرب، وأنشدوا خالداً قول بعض إياد يمتدح قومه:
قومي إياد أنهم أمم
أولو أقاموا فُتْهزَلَ النعم
قوم لهم باحة العراق إذا
ساروا جميعاً واللوح والقلم( )
7-عين التمر:
استخلف خالد الزبرقان بن بدر على الأنبار وسار إلى عين التمر فوجد عقة بن أبي عقة في جمع عظيم من التمر وتغلب وإياد ومن حالفهم ومعهم من الفرس مهران بقواته( )، وطلب عقة من مهران أن يتركه لقتال خالد وقال له: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالداً، فقال له: دونكم وإياهم، وإن احتجتم إلينا أعناكم، فلامت العجم أميرهم على هذا، فقال: دعوهم فإن غلبوا خالداً فهو لكم، وإن غلبوا قاتلنا خالداً، وقد ضعفوا ونحن أقوياء، فاعترفوا له بفضل الرأي عليهم، وسار خالد وتلقاه عقة فلما تواجهوا قال خالد لمجنبته: احفظوا مكانكم فأني حامل، وأمر حماته، أن يكونوا من ورائه، وحمل على عقة وهو يسوي الصفوف فاحتضنه وأسره وانهزم جيش عقة من غير قتال فأكثروا فيهم الأسر وقصد خالد حصن عين التمر، فلما بلغ مهران هزيمة عقة وجيشه نزل من الحصن وهرب وتركه، ورجعت فلال نصارى الأعراب إلى الحصن فوجدوه مفتوحاً فدخلوه واحتموا به، فجاء خالد وأحاط بهم وحاصرهم أشد الحصار، واضطر أهل الحصن أن ينزلوا على حكم خالد، فأمر بضرب عنق عقة ومن كان أسر معه والذين نزلوا على حكمه أجمعين وغنم جميع مافي ذلك الحصن، ووجد في الكنيسة التي به أربعين غلاماً يتعلمون الانجيل وعليهم باب مغلق، فكسره خالد وفرقهم في الأمراء وأهل الغناء، وكان حمران مولى عثمان بن عفان من ذلك الخمس، ومنهم سيرين والد محمد بن سيرين أخذه مالك بن أنس، وأرسل خالد الخمس إلى الصديق ثم أرسل أبو بكر الوليد بن عقبة إلى عياض مدداً له وهو محاصر دومة الجندل فلما قدم عليه وجده في ناحية من العراق يحاصر قوماً، وهم قد أخذوا عليه الطرق فهو محصور أيضاً، فقال عياض للوليد: ان بعض الرأي خير من جيش كثيف، ماذا ترى فيما نحن فيه؟ فقال له الوليد، اكتب إلى خالد يمدك بجيش من عنده، فكتب إليه يستمده فقدم كتابه على خالد عقب وقعة عين التمر وهو يستغيث به، فكتب إليه: من خالد إلى عياض، إياك أريد.
لَبِثْ قليلاً تأتِكَ الحلائب( ) يحملن آساداً عليها القشائب( )، كتائب تتبعها كتائب( ).
8-دومة الجندل:
رحل خالد بجنده من عين التمر بعد أن خلف عليها عويم بن كاهل الاسلمي ووصلت أنباؤه إلى أهل دومة الجندل فاستنجدوا بحلفائهم من قبائل بهراء وكلب وغسان وتنوخ( )، وكان أمر أهل دومة الجندل إلى زعيمين هما: أكيدر بن عبدالملك والجودي بن ربيعة، فاختلفا فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لاأحد أيْمنُ طائراً منه، ولاأحد في حرب، ولايرى وجه خالد قوم أبداً قلوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم، فأبوا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرب خالد فشأنكم( ).
وهذه شهادة خصم في خالد والحق ماشهدت به الأعداء وقد كان خالد أسره قبل ذلك حينما أرسله إليه رسول الله  في غزوة تبوك، فأخذه وأتى به إلى النبي  فمنَّ عليه وكتب له كتاب عهد، ولكنه خان العهد بعد ذلك، ولقد بقي الرعب في نفسه منذ يوم أسره خالد إلى جانب سمعته الشهيرة في حروبه مع العرب والعجم، وخرج أكيدر مفارقاً قومه، وبلغ خالداً خبره وهو في طريقه إلى (دومة) فأرسل إليه عاصم بن عمرو معارضاً له فأخذه، فقال: إنما تلقيت الأمير خالدا، ولكن خيانته السابقة جعلت خالد ينفذ فيه حكم الإعدام وهكذا قتله الله بخيانته ونقضه العهد، ولم يُغن الحذر من القدر( ).
ونزل خالد على دومة الجندل وجعل أهلها ومشايعيهم من بهراء وكلب وتنوخ بين فكي (كماشة) ذراعها الأول عسكره، والثانية عسكر عياض بن غنم( ) وتقدم الجودي بن ربيعة بجنوده نحو خالد وتقدم ابن الحدرجان وابن الأبهم بجنودهما ناحية عياض ودارت المعركة وأنزل خالد الهزيمة بالجودي واتباعه وانتزع عياض النصر من ابن الحدرجان ومن معه بصعوبة وحاولت فلول المنهزمين الاحتماء بالحصن ولكنه كان قد عج بمن فيه فاغلقوه عليهم وتركوا اصحابهم حوله في العراء ولم يلبث خالد أن هاجم من بداخل الحصن بعد أن اقتلع بابه فقتل منهم جموعاً كثيرة( ) وبفتح دومة الجندل اصبح للمسلمين موقع استراتيجي ذو اهمية فريدة لأن دومة الجندل تقع على ملتقى الطرق الى ثلاث جهات فشبه الجزيرة العربية من الجنوب والعراق من الشمال الشرقي، والشام من الشمال الغربي ومن الطبيعي أن تنال هذه المدينة مثل هذه العناية من الخليفة ابي بكر الصديق  وجنوده تقاتل بالعراق وتقف على تخوم الشام وتلك هي العلة في ان عياضاً لم يبرحها بل ظل مرابطاً امامها إلى أن خف اليه خالد ولو ان دومة الجندل لم تذعن للمسلمين لبقي امرهم في العراق تحفه المخاطر( ).
وبذلك استطاع خالد أن يعين عياضاً على فتح دومة الجندل ولئن كانت حروب خالد  في جنوب العراق مثالا للبراعة في الهجوم السريع واغتنام الفرص وإثارة الرعب لدى الأعداء فإن ثبات عياض  هذه المدة الطويلة في وجه أعداء قد تكالبوا عليه من كل مكان دليل على تمتع الجيش الإسلامي أيضاً بالصبروالمصابرة وطول الأمل والثقة بنصر الله تعالى في النهاية، وكان عياض  من أفاضل المهاجرين، ومن سادات قريش، وكان سمحاً جواداً وقد وثق به الخلفاء وولاتهم بعد ذلك، فكان أحد قادة اليرموك، وكان على مقدمة جيش أبي عبيدة ثم فتح بعد ذلك الجزيرة بأكملها وهي المناطق التي بين الشام والعراق، واستخلفه أبو عبيدة  على الشام لما حانت وفاته، فأقره عمر  على الشام إلى أن احتاج إليه في الفتوح فوجهه إليها( ).
9-وقعة الحصيد( ):
أمر خالد الأقرع بن حابس بالرجوع إلى الأنبار وأقام بدومة الجندل فكانت اقامته مدعاة لطمع الأعاجم وظنهم به الظنون وكذلك ظنها عرب المنطقة فرصة فكاتبوا الأعاجم ليكونوا معهم على خالد غضبا لعقة الذي لم ينسوا مصرعه بعد فخرج رزمهر من بغداد ومعه روزبة يريدان الأنبار وتواعدوا في الحصيد والخنافس فوصل خبرهم الزبرقان بن بدر وهو على الأنبار فاستمد القعقاع بن عمرو خليفة خالد على الحيرة فأمده باعْبد بن فدكي السعدي (أبو ليلى) وأمره بالحصيد وبعروة بن الجعد البارقي وأمره بالخنافس، وعندما علم خالد بتحرك بعض القبائل ورغبتهم بالانضمام إلى روزبة في الحصيد جعل القعقاع اميراً على الناس في الحصيد بعد ان ترك مكانه عياض بن غنم على الحيرة فلما علم روزبة بتوجه القعقاع إليه استمد رزمهر فانضم إليه، والتقى المسلمون بجموع الفرس وقتلوا منهم مقتلة عظيمة من بينهم رزمهر وروزبة وغنموا غنائم كثيرة( )، وقد قال القعقاع بن عمرو في هذه المعركة:
ألا أبلغا اسماء أن حليلها
قضى وطراً من روزمهر الأعاجم
غدا صبحنا في حصيد جموعهم
لهندية تفري فراخ الجماجم( )
10-وقعة المصيخ:
بعد أن وصلت أخبار المسلمين في الحصيد إلى خالد واعد قادة جيوشه في ليلة وساعة يجتمعون فيها عند المُصيَّخ قرب حورات فلما توافوا في موعدهم بيتوا بعض القبائل ومن آوى إليهم من ثلاثة أوجه فاوقع بهم خسائر كبيرة( )، ثم علم خالد بتحشد بعض القبائل في (المثنى) وهو موضع قرب الرقة و (الزُميّل) في ديار بكر استعداداً لقتال المسلمين فباغتهم في (المثنى) من عدة اتجاهات فشتت جموعهم وكذلك هاجم المتحشدين في (الزميّل) فأوقع بهم خسائر هائلة( ).
يقول عدي بن حات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:14 am

الأمة المسلحة قائد احدى الجبهات التركية الألمانية في خلال الحرب العالمية الأولى (انه أستاذي في فن الحرب)( ).
2-خبر المثنى بن حارثة بالعراق بعد ذهاب خالد:
كان المثنى شجاعاً مقداماً، شهماً غيوراً، وكان ميمون النقيبة، حسن الرأي، وكان راسخ العقيدة قوي الإيمان شديد الثقة بالله، بعيد النظر، يؤثر المصلحة العامة على مصلحته الخاصة، وكان يشارك أصحابه في السراء والضراء، وكان يمتلك موهبة أعطاء القرارات الصحيحة السريعة، وكان ذا إرادة قوية ثابتة، يتحمل المسؤولية الكاملة في أخطر الظروف والأحوال، يثق بقواته وتثق به قواته ثقة لاحدود لها، ويحبهم ويحبونه حباً لامزيد عليه ذا شخصية قوية نافذة فهو بحق كما يقول عنه عمر بن الخطاب: مؤمر نفسه( )، كانت له قابلية فائقة تعينه على أعباء القتال، وله ماض ناصع مجيد، وكان دائماً أول من يهاجم وآخر من ينسحب وكان خبيراً بمناطق العراق جريئاً على الفرس سريع الحركة، واسع الحيلة، وكان أول من اجترأ على الفرس بعد الإسلام وجرأ المسلمون عليهم وأبلى في حروب العراق بلاء لم يبله أحد وهو الذي رفع معنويات المسلمين وحطم معنويات الفرس( )، وقد وصف المثنى جنود الفرس فقال: قاتلت العرب والعجم في الجاهلية والإسلام، والله لمائة من العجم في الجاهلية كانوا أشد علي من ألف من العرب، ولمائة من العرب اليوم أشد علي من ألف من العجم، إن الله أذهب بأسهم وأوهن كيدهم، فلا يروعنّكم زهاء ترونه، ولاسواد ولاقسي فج ولانبال طوال، فانهم إذا أعجلوا عنها أو فقدوها كانوا كالبهائم اينما وجهتموها اتجهت( )، كان تعيين الصديق للمثنى على العراق في محله ويدل على معرفته بأقدار الرجال ومعادنهم، وعندما حان وقت رحيل خالد بجيشه إلى الشام خرج معه المثنى لوداعه ولما حانت لحظة الفراق قال له خالد: ارجع -رحمك الله- إلى سلطانك غير مقصّر ولاوانٍ( )، واستلم المثنى قيادة العراق بعد خالد، وما أن علم كسرى بذهاب خالد حتى حشد آلاف الجنود بقيادة (هرمز جاذويه) وكتب للمثنى يهدّد ويتوعد فقال: إني قد بعثت إليكم جنداً من وحش أهل فارس، وإنما هم رعاة الدجاج والخنازير ولست أقاتلك إلا بهم( )، وأجابه المثنى بعقل وفطنة، ولم ينسَ شجاعته في الرد على هذا المجوسي، فكتب يقول في رسالة لكسرى: إنما أنت أحد رجلين، إما باغ، فذلك شرّ لك وخير لنا، وإما كاذب، فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله وعند الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي، فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي ردّ كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير( ) فجزع أهل فارس من هذا الكتاب ولاموا ملكهم على كتابه، واستهجنوا رأيه، وسار المثنى من الحيرة إلى بابل، ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عُدوة الصّراة الأولى( )، اقتتلوا قتالاً شديداً جداً، وأرسل الفرس فيلا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله، وأمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلا ذريعاً وغنموا منهم مالا عظيماً، وفرّت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة ووجدوا الملك قد مات( )، وعاد الاضطراب إلى بلاد فارس، وطارد المثنى أعداء الله، حتى بلغ أبواب المدائن ثم كتب إلى أبي بكر بانتصاره على الفرس، واستأذنه في الاستعانة بمن تابوا من أهل الردة، لكن انتظاره طال، وأبطأ عليه أبو بكر في الرد لتشاغله بأهل الشام ومافيه من حروب، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق واستناب على العراق بشير بن الخصاصية، وعلى المسالح سعيد بن مرة العِجْلي( ) فلما وصل المدينة وجد أبا بكر  على فراش المرض وقد شارف الموت، واستقبله أبو بكر واستمع إليه، واقتنع برأيه، ثم طلب عمر بن الخطاب فجاءه فقال له: اسمع ياعمر ما أقول لك، ثم اعمل به، إني لأرجوا أن أموت من يومي هذا، فإن أنا مت فلا تمسينّ حتى تندب الناس مع المثنى، ولاتشغلنكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم، وقدر رأيتني متوفَّى رسول الله وماصنعت ولم يُصَب الخلق بمثله... وإن فتح الله على أمراء الشام فاردُد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أهله وولاة أمره وحدّه، وهم أهل الضراوة بهم والجراءة عليهم( ).
































المبحث الثاني
فتوحات الصديق بالشام


كان اهتمام المسلمين بالشام من زمن النبي  حيث كتب إلى هرقل عظيم الروم كتابا يدعوه إلى الإسلام وكتب  إلى الحارث بن أبي شمّر الغساني، ملك غسان بالبلقاء( ) من ارض الشام وعامل قيصر على العرب -يدعوه إلى الإسلام، فأدركته العزة بالإثم، فأراد أن يغزو رسول الله ، فأتاه أمر من قيصر ينهاه عن ذلك وأرسل  جيشاً بقيادة زيد بن حارثة فاستشهد في موته هو وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة وتولى القيادة بعدهم خالد بن الوليد الذي قام بمناورة عسكرية ناجحة تركت أثراً بعيداً في نفوس أهالي تلك المناطق، ونستطيع أن نقول أن النبي  بتلك الغزوة وضع أسساً وقطع خطوة نحو القضاء على دولة الروم المتجبرة في بلاد الشام وهزّ هيبتها من قلوب العرب وحمّس المسلمين للإستعداد المعنوي والمادي لإتمام بقية الخطوات المباركة، بل قاد غزوة تبوك بنفسه  ومن خلال الإحتكاك الميداني استطاع المسلمون أن يتعرفوا على حقيقة قوات الروم، ومعرفة أساليبهم في القتال، وأعطت تلك الغزوات الفرصة لأهالي بلاد الشام على أن يتعرفوا على أصول هذا الدين ومبادئه وأهدافه، فآمن كثير من أهالي تلك البلاد، واستمر الصديق على المنهج الذي وضعه رسول الله  ولذلك أصرّ بعد وفاة النبي  على إنفاذ جيش أسامة، ولما عقد الصديق الألوية من ذي القصة، عقد منها لواءً لخالد بن سعيد بن العاص، ووجهه إلى مشارف الشام، ثم أمره أن يكون رِدءاً للمسلمين بتيماء( )، لايفارقها إلا بأمره، ولايقاتل إلا من قاتله، فلبغ خبره هرقل -ملك الروم- فجهز جيشاً من العرب التابعين للروم، من بَهْراء، وسَليح، وكلب، ولخم، وجُذام، وغسان، فسار إليهم خالد بن سعيد، فلقيهم على منازلهم فافترقوا، وأرسل هو لأبي بكر بالخبر، فكتب إليه يأمره بالإقدام( ).
وأن يزحف على الروم قبل تنظيم صفوفهم ونصحه أن يحافظ على خط رجعته وان لايتوغل كثيراً في بلاد العدو، وجاء في جواب الخليفة له أن (اقدم ولاتحجم واستنصر بالله) فتقدم خالد حتى بلغ القسطل في طريق البحر الميت فهزم جيشاً من الروم على الشاطئ الشرقي للبحر ثم تابع مسيرته عند ذلك هاج الروم فجمعوا قواتاً تزيد على ماجمعوه في تيماء ورأى خالد تجمعهم فكتب إلى الخليفة يستمده ليتابع تقدمه فبعث إليه عكرمة بن أبي جهل بجيش البدال( ) كما بعث إليه الوليد بن عقبة بجموع اخرى فلما وصلت هذه القوات إلى خالد بن سعيد أمر بالهجوم على الروم واخذ طريقه إلى مرج الصفر وانحدر القائد الرومي ماهان بجيشه يستدرج جيوش المسلمين التي اتجهت إلى جنوب البحر الميت ووصلت إلى مرج الصفر الشرقي بحيرة طبرية، واغتنم الروم على المسلمين الفرصة واوقعوا بهم الهزيمة وصادف باهان سعيد بن خالد بن سعيد في كتيبة من العسكر فقتلهم وقتل سعيداً في مقدمتهم وبلغ خالد مقتل ابنه ورأى نفسه قد أحيط به فخرج هارباً في كتيبة من اصحابه على ظهور الخيل وقد نجح عكرمة في سحب بقية الجيش إلى حدود الشام( ).
أولاً: عزم أبي بكر على غزو الروم ومبشرات في الطريق:
كان أبو بكر يفكر في فتح الشام ويجيل النظر، ويقلب الرأي في ذلك، وبينما كان الصديق مشغولاً بذلك الأمر جاءه شرحبيل بن حسنة أحد قواد المسلمين في حروب الردة فقال: ياخليفة رسول الله أتحدث نفسك أنك تبعث إلى الشام جنداً؟ فقال: نعم قد حدثت نفسي بذلك وما اطلعت عليه أحداً، وماسألتني عنه إلا لشيء، قال: أجل، إني رأيت ياخليفة رسول الله فيما يرى النائم كأنك تمشي في الناس فوق خَرْشفة من الجبل- يعني مسلكاً وعراً- حتى صعدت قُنَّةً من القنات العالية فأشرفت على الناس ومعك أصحابك، ثم إنك هبطت من تلك القنات إلى أرض سهلة دمثة -يعني لينة- فيها الزرع والقرى والحصون، فقلت للمسلمين: شنوا الغارة على أعداء الله وأنا ضامن لكم بالفتح والغنيمة وأنا فيهم معي راية، فتوجهت بها إلى أهل قرية، فسألوني الأمان فأمنتهم، ثم جئت فأجدك قد انتهيت إلى حصن عظيم، ففتح الله لك وألقوا إليك السَّلَم، ووضع الله لك مجلساً فجلست عليه، ثم قيل لك: يفتح الله عليك وتُنصر فاشكر ربك، واعمل بطاعته، ثم قرأ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُوَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًافَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}(سورة النصر، آية:1-3) ثم انتبهت فقال له أبو بكر: نامت عينك، خيراً رأيت وخيراً يكون إن شاء الله، ثم قال: بشَّرت بالفتح، ونعيت إلى نفسي، ثم دمعت عينا أبي بكر وقال: أما الخرشفة التي رأيتنا فيها حتى صعدنا إلى القنة العالية فأشرفنا على الناس، فإنا نكابد من أمر هذا الجند والعدو مشقة ويكابدونه، ثم نعلو بعدو يعلو أمرنا، وأما نزولنا من القنّة العالية إلى الأرض السهلة الدمثة والزرع والعيون والقرى والحصون، فإنا ننزل إلى أمر أسهل مما كنا فيه من الخصب والمعاش، وأما قولي للمسلمين: شنُّوا على أعداء الله الغارة فإني ضامن لكم الفتح والغنيمة فإن ذلك دُنُوُّ المسلمين إلى بلاد المشركين وترغيبي إياهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تُقسم لهم، وقبولهم، وأما الراية التي كانت معك فتوجهت بها إلى قرية من قراهم ودخلتها فاستأمنوا فأمَّنتهم، فإنك تكون أحد أمراء المسلمين ويفتح الله على يديك، وأما الحصن الذي فتح الله لي فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي، وأما العرش الذي رأيتني عليه جالساً، فإن الله يرفعني ويضع المشركين، وقال الله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ}(سورة يوسف، آية:100) وأما الذي أمرني بطاعة الله وقرأ عليَّ السورة فإنه نعى إليَّ نفسي، وذلك أن النبي  نعى الله إليه نفسه حين نزلت هذه السورة وعلم أن نفسه قد نُعيت إليه، ثم سالت عيناه، وقال: لآمرنّ بالمعروف ولأنهين عن المنكر، ولأجهَدنَّ فيمن ترك أمر الله، ولأجهزِّن الجنود إلى العادلين بالله -يعني المشركين به- في مشارق الأرض ومغاربها حتى يقولوا: الله أحد أحد لاشريك له، أو يؤدُّوا الجزية عن يد وهم صاغرون، هذا أمر الله وسنة رسوله ، فإذا توفاني الله عزوجل لايجدني الله عاجزاً ولاوانياً ولا في ثواب المجاهدين زاهداً( ). فهذه الرؤيا الصالحة من المبشرات التي حدث بها رسول الله  حيث قال: لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة( ). فهذه الرؤيا جاءت على قدر لتدفع الصديق إلى العزم على ماهمّ به وإعلان ما أضمره فدعا إلى عقد مجلس شورى بخصوص غزو الشام، فقد أخذ الصديق بالعزيمة والعمل والتوكل على الله واستأنس بالرؤية.
ثانياً: مشورة أبي بكر في جهاد الروم واستنفار أهل اليمن:
1-مشورة أبي بكر في جهاد الروم:
لما أراد أبو بكر  أن يجهز الجنود إلى الشام دعا عمر وعثمان وعليا وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص،وأبا عبيدة بن الجراح، ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم، فدخلوا عليه، فقال: إن الله تبارك وتعالى لاتحصى نعمه، ولاتبلغ الأعمال جزاءها، فله الحمد كثيراً على ما اصطنع عندكم من جمع كلمتكم، وأصلح ذات بينكم وهداكم إلى الإسلام، ونفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا بالله، ولا أن تتخذوا إلها غيره، فالعرب أمة واحدة، بنو أب وأم، وقد أردت أن استنفركم إلى الروم بالشام، فمن هلك هلك شهيداً وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش عاش مدافعاً عن الدين، مستوجباً على الله عزوجل ثواب المجاهدين، هذا رأيي الذي رأيت فليشر عليَّ كل امرئ بمبلغ رأيه، فقام عمر بن الخطاب  فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي، ثم قال: الحمد لله، الذي يخص بالخير من يشاء من خلقه، والله ما استبقنا إلى شئ من الخير إلا سبقتنا إليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء،قد والله أردت لقاءك لهذا الرأي الذي ذكرت، فما قضى الله أن يكون ذلك حتى ذكرته الآن، فقد أصبت أصاب الله بك سبل الرشاد، سرِّب إليهم الخيل في إثر الخيل، وابعث الرجال تتبعها الرجال والجنود تتلوها الجنود، فإن الله عزوجل ناصر دينه، ومعز الإسلام وأهله ومنجز ماوعد رسوله. ثم إن عبدالرحمن بن عوف قام، فقال: ياخليفة رسول الله، إنها الروم وبنو الأصفر حدّ حديد، وركن شديد، والله ماأرى أن تقحم الخيل إقحاماً، ولكن تبعث الخيل، فتعبر في أدنى أرضهم، ثم تبعثها فتغير، ثم ترجع إليك، فإذا فعلوا ذلك مراراً أضروا بعدوهم، وغنموا من أرضهم، فقووا بذلك على قتالهم، ثم تبعث إلى أقاصي أهل اليمن، وإلى ربيعة ومضر فتجمعهم إليك، فإن شئت عند ذلك غزوتهم بنفسك، وإن شئت بعثت على غزوهم غيرك. ثم جلس وسكت الناس، فقال لهم أبو بكر: ماذا ترون؟ رحمكم الله. فقام عثمان بن عفان رضوان الله عليه فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي، ، ثم قال: رأيي أنك ناصح لأهل هذا الدين، عليهم شفيق فإذا رأيت رأيا علمته رشداً وصلاحاً وخيراً، فاعزم على إمضائه غير ظنين ولامتهم( )، فقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد وجميع من حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار: صدق عثمان فيما قال، مارأيت من رأى فأمضه، فإنا سامعون لك مطيعون، لانخالف أمرك، ولانتهم رأيك عن دعوتك، فذكروا هذا وشبهه، وعلي بن أبي طالب  في القوم لايتكلم فقال له أبو بكر: ماترى يا أبا الحسن؟
فقال: أرى أنك مبارك الأمر، ميمون النقيبة( )، وإنك إن سرت إليهم بنفسك، أو بعثت إليهم نُصرت إن شاء الله. فقال أبو بكر: بشرك الله بخير، فمن أين علمت هذا؟ قال: سمعت رسول الله  يقول: لايزال هذا الدين ظاهراً على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون( ) فقال أبو بكر: سبحان الله، ما أحسن هذا الحديث! لقد سررتني، سرّك الله في الدنيا والآخرة. ثم إن أبا بكر  قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وذكره بما هو أهله، وصلى على النبي  ثم قال: أيها الناس، إن الله قد أنعم عليكم بالإسلام، وأعزّكم بالجهاد وفضلكم بهذا الدين على أهل كل دين، فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام، فإني مؤمّر عليكم أمراء، وعاقد لهم عليكم، فأطيعوا ربكم، ولاتخالفوا أمراءكم ولتحسن نيتكم وسيرتكم وطعمتكم، فإن الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون( ) ... وأمر أبو بكر بلالا، فنادى في الناس: أن انفروا إلى جهاد عدوكم! الروم بالشام( ).
من هذه المشورة تبين لنا منهج أبي بكر  في مواجهة الأمور الكبيرة حيث لم يكن يبتُّ فيها برأي حتى يجمع أهل الحل والعقد فيستشيرهم ثم يصدر بعد ذلك عن رأي ممحص مدروس، وهذه هي سنة رسول الله  كما مرّ معنا في السيرة النبوية، وحينما نتأمل في تفاصيل هذه المحاورة نجد أن الصحابة رضي الله عنهم قد أجمعوا على موافقة أبي بكر في غزو الروم، وإنما تنوعت وجهات نظر بعضهم في كيفية هذا الغزو، فكان رأي عمر إرسال الجيوش تلو الجيوش حتى تتجمع في الشام فتكون قوة كبيرة تستطيع أن تصمد للأعداء، وكان رأي عبدالرحمن بن عوف أن يبدأ الغزو بقوات صغيرة تغير على أطراف الشام ثم تعود إلى المدينة، حتى إذا تمَّ إرهاب العدو وإضعافه تبعث الجيوش الكبيرة، وقد أخذ أبو بكر برأي عمر في هذا الأمر واستفاد من رأي عبدالرحمن بن عوف فيما يتعلق بطلب المدد بالجيوش من قبائل العرب وخاصة أهل اليمن( ).
2-استنفار أهل اليمن:
كتب الصديق إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله وهذا هو نص الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم: من خليفة رسول الله إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل اليمن: سلام عليكم. فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد. فإن الله تعالى كتب على المؤمنين الجهاد، وأمرهم أن ينفروا خفافاً وثقالاً، ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والجهاد فريضة مفروضة والثواب عند الله عظيم. وقد استنفرنا المسلمين إلى جهاد الروم بالشام، وقد سارعوا إلى ذلك، وقد حسنت بذلك نيتهم، وعظمت حسنتهم، فسارعوا عباد الله إلى ماسارعوا إليه، ولتحسن نيتكم فيه فإنكم إلى إحدى الحسنيين إما الشهادة وإما الفتح والغنيمة فإن الله تبارك وتعالى لم يرضى من عباده بالقول دون العمل، ولايزال الجهاد لأهل عداوته حتى يدينوا بدين الحق، ويقروا لحكم الكتاب، حفظ الله دينكم، وهدى قلوبكم، وزكى أعمالكم، ورزقكم أجر المجاهدين الصابرين( ) وبعث الصديق هذا الكتاب مع أنس بن مالك  وفي هذا الكتاب يظهر دور أبي بكر  في حث المسلمين وجمعهم للجهاد في سبيل الله، وهو مايمكن أن يسمى بالتعبئة العامة( ).
ومن خطاب الصديق لأهل اليمن يتضح أن الجهاد من أجل تحقيق غرضين: تحقيق إسلام المسلمين لأن الله لايرضى لعباده بالقول دون العمل، ومقاتلة غير المسلمين حتى يدينوا بدين الحق ويقروا لحكم كتاب الله وهذا هو السبب الذي جعل أهل اليمن ينساحون من جميع أرجاء اليمن بأعداد هائلة ولم يصل إلى علمنا أن أحداً منهم خرج مستكرهاً، بل خرجوا طواعية وأقبلت جموعهم بنسائهم وأولادهم، وكانوا من أسرع المستجيبين للنداء حباً ورغبة في الجهاد، ويعبر عن هذا أنس بن مالك حامل رسالة الصديق إلى أهل اليمن والذي تنقل بين أحيائهم قبيلة قبيلة وجناحاً جناحاً يقرأ عليهم كتاب أبي بكر ويحثهم على الإسراع فقال: فكان كل من أقرأ عليه ذلك الكتاب ويسمع هذا القول يحسن الرد علي، ويقول: نحن سائرون وكأنا قد فعلنا، حتى انتهيت إلى ذي الكلاع فلما قرأت عليه الكتاب وقلت هذا المقال دعا بفرسه وسلاحه ونهض في قومه من ساعته ولم يؤخر ذلك وأمر بالعسكر فما برحنا حتى عسكر وعسكر معه جموع كثيرة من أهل اليمن، وقد قام فيهم خطيباً فقال فيما قاله... ثم قد دعاكم إخوانكم الصالحون إلى جهاد المشركين واكتساب الأجر العظيم، فلينفر من أراد النفير معي الساعة( )، فعاد أنس بن مالك في حوالي 11 رجب 12هـ وبشَّرَ أبا بكر بقدوم القوم فقال: قد أتوك شُعثا غبراً أبطال اليمن، وشجعانها، وفرسانها وقد ساروا إليك بالذراري والحرم والأموال( )، ومالبث إلا أياماً حتى قدم ذو الكلاع الحميري وقومه في حوالي 16رجب 12هـ( )، ولم تكن هذه الاستجابة الفورية الراغبة خاصة بأهل (حمير)، بل كل من جاء من اليمن كان على نفس المستوى وعلى سبيل المثال فقد قدم من (همدان) أكثر من ألفي رجل وعليهم حمزة بن مالك الهمداني( )، وعندما قدم أهل اليمن على المدينة ودخلوا المسجد على أبي بكر، فلما سمعوا القرآن، أقشعرت جلودهم من خشية الله، وجاشت أنفسهم، وجعلوا يبكون خاشعين، فبكى أبو بكر وقال: هكذا كنا ثم قست القلوب( )، وعندما رأى ذو الكلاع الحميري الصديق وجده شيخاً نحيلاً، معروق الوجه، وعليه ثوب خشن ولاشيء يسطع من ثيابه!، لاشيء على الإطلاق غير الورع يفيئ وجهه الأبيض، وكان ذو الكلاع قدم على الصديق من اليمن ومن خلفه ومن حوله ألف عبد من الفرسان، وعلى رأسه التاج، وعلى حلته الجواهر المتلألئة، وبردته تسطع بخيوط الذهب المرصع باللآلي، والياقوت والمرجان، فلما شاهد ماعليه الصديق من اللباس والزهد والتواضع والنسك وماهو عليه من الوقار والهيبة تأثر ذو الكلاع ومن معه من السادة فذهبوا مذهب الصديق ونزعوا ماكان عليهم( )، وقد تأثر ذو الكلاع بالصديق وتزيّا بزيِّه حتى إنه رُئي يوما في سوق من أسواق المدينة، على كتفيه جلد شاة، ففزعت عشيرته، وقالوا له: فضحتنا بين المهاجرين والأنصار! قال: فأردتم أن أكون جباراً في الجاهلية، جباراً في الإسلام؟ لاها الله (أي لاوالله) لاتكون طاعة الرب إلا بالتواضع والزهد في هذه الدنيا( ).
وصنعت ملوك اليمن كما صنع ذو الكلاع الحميري، فتخلوا عن التيجان المثقلة بالجواهر، وتركوا حلل المخمل الموشي بخيوط الذهب والياقوت والدر والمرجان واشتروا من سوق المدينة ثيابا خشنة ووضع الصديق في بيت المال ماتخلوا عنه جميعاً من نفائس( ).
كان أبو بكر  خير من تمثل بالإسلام في حياته بعد رسول الله وكان لسان حاله دعوة إلى الله تعالى، وأبلغ نصيحة تلك التي يشاهدها الناس من طريق العين، لا من طريق الأذن، وخير الناصحين من ينصح بأفعاله لا بأقواله.. فلما رأى ملوك اليمن أن أبا بكر خليفة رسول الله وصاحب الأمر والنهي في الجزيرة العربية يمشي في الأسواق، ويلبس العباءة والشملة، علموا أن هناك شيئاً أعظم من الثياب المزركشة والذهب واللآلئ، هو النفس العظيمة، فسعوا ليتشبهوا بأبي بكر، واستحيوا من الله والناس أن يقابلوا خليفة رسول الله بالتاج والبرود والحلي، وهو بعباءة، فقد صغرت عليهم نفوسهم وهانت، وهدأت ثورتها، وانطفأت سورتها، كما ينطفئ النجم الصغير، إذا واجه الشمس! رحم الله أبا بكر فقد كان عظيماً في تواضعه، متواضعاً في عظمته( ).
ثالثاً: عقد الصديق الألوية للقادة وتوجيه الجيوش:
عزم الصديق على تسيير الجيوش لبلاد الشام، فدعا الناس إلى الجهاد، وعقد الألوية لأربعة جيوش أرسلها لفتح الشام وهي:
1-جيش يزيد بن أبي سفيان:
وهو أول الجيوش التي تقدمت إلى بلاد الشام وكانت مهمته الوصول إلى دمشق وفتحها ومساعدة الجيوش الأربعة عند الضرورة وكان جيش يزيد أول الأمر ثلاثة آلاف ثم عززه الخليفة بالإمدادات حتى صار معه بحدود السبعة آلاف رجل، وقبل رحيل جيش يزيد أوصاه الخليفة أبو بكر وصية بليغة عالية المستوى تشتمل على حكم باهرة في مجالي الحرب والسلم، وشيّعه ماشياً وأوصاه بما يأتي: إني قد وليتك لأبلوك وأجرِّبك وأخَرجِّك، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، وإن أسأت عزلتك، فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك، وإن أولى الناس بالله أشدُّهم توليا له، وأقرب الناس من الله أشدُّهم تقربا بعمله، وقد وليتك عمل خالد( )، فإياك وعبِّية الجاهلية( )، فإن الله يبغضها ويبغض أهلها، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم، وابدأهم بالخير وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصلِّ الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإذا قدم عليكم رسل عدوك فأكرمهم، وأقْلل لُبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به، ولاترينَّهم فيروا خَلَكَ( )، ويعملوا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك( )، وامنع من قبَلَك من محادثتهم وكن أنت المتولي لكلامهم، ولاتجعل سرك لعلانتيك فيخلط أمرك، وإذا استشرت فاصدق الحديث تُصدق المشورة، ولاتخزُن عن المشير خبرك فتُوْتى من قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار، وتنكشف عندك الأستار وأكثر حرسك، وبدِّدهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه، وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل، واجعل النَّوبة الأولى أطول من الأخيرة، فإنها أيسرهما لقربهما من النهار، ولاتَخَفْ من عقوبة المستحق، ولاتلجَّنَّ فيها، ولاتسرع إليها، ولاتتخذ لها مدفعا، ولاتغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولاتجسسّ عليهم فتفضحهم، ولاتكشف الناس عن أسرارهم، واكتف بعلانيتهم، ولاتجالس العبَّاثين، وجالس أهل الصدق والوفاء،واصدق اللقاء ولاتجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر، ويدفع النصر، وستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وماحبسوا أنفسهم له قال ابن الاثير وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعا لولاة الأمر( ) ومن فوائد هذه الوصية:
• أن الولايات والمناصب ليست حقا ثابتاً لأصحابها وإنما بقاؤهم فيها مرهون بالإحسان والنجاح في العمل، ومن واجب المسئول الأعلى أن يَعْزلهم إذا أساؤوا، وإن هذا الشعور يدفع صاحب العمل إلى مضاعفة الجهد في بذل الطاقة ليصل إلى مستوى أعلى من النجاح في العمل، أما إذا ضمن البقاء فإنه قد يميل إلى الكسل والاشتغال بمتاع الدنيا، فيخل بمسئوليته ويعرَّض من تحت ولايته إلى أنواع من الفساد والفوضى والنزاع.
• إن تقوى الله عزوجل هي أهم عوامل النجاح في العمل، لأن الله تعالى مطلع على ظاهر أعمال الناس وباطنهم، فإذا اتقوه في باطنهم فَحَريٌّ بهم أن يتقوه في ظاهرهم، وبذلك يتجنب الوالي كل مظاهر الفساد والإفساد، التي تكون عادة من الاستجابة للعواطف الجامحة التي لاتلتزم بتقوى الله تعالى.
• التحذير من التعصب للآباء والأجداد والأقوام، فإن التعصب لذلك قد يحمل الإنسان على الإنحراف على الطريق المستقيم، إذا كان ماعليه الآباء والأجداد مخالفاً للاستقامة، إضافة إلى أنه يضعف من الانتماء للرابطة الإسلامية الوحيدة وهي الأخوة في الله تعالى.
• الإيجاز في الموعظة فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا، فيضيع المقصود، ويغلب على السامع الإعجاب ببلاغة المتكلم إن كان بليغاً عن استيعاب مايقول والاستفادة من مواعظه، وإن لم يكن بليغاً فإن الملل يأخذ بالسامع فلايعي مايقول المتكلم.
• إذا أصلح المسئول نفسه وتفقد عيوبه وجعل من نفسه نموذجاً صالحاً للقدوة الحسنة فإن ذلك يكون سبباً في صلاح من هم تحت رعايته.
• الاهتمام بإقامة الصلاة كاملة مظهراً ومَخْبَراً، مَظْهَراً من ناحية إكمال أقوالها وأفعالها، ومَخْبَراً من ناحية الخشوع فيها وحضور القلب مع الله تعالى، فإن هذه الصلاة الكاملة يقام بها ذكر الله في الأرض، وتهذّب السلوك، وتقوِّي القلوب، وتبعث على ارتياح النفوس، وتعتبر ملاذاً للمسلم عند الشدائد.
• إكرام رسل العدو إذا قدموا، مع الاحتراس منهم، وعدم تمكينهم من معرفة واقع الجيش الإسلامي، فإكرامهم نوع من الدعوة إلى الإسلام فيما إذا عرف العالم مايتحلى به المسلمون من مكارم الأخلاق، ولكن لايصل هذا الإكرام إلى حد إطلاعهم على بطانة أمور المسلمين، بل ينبغي إطلاعهم على قوة جيش المسلمين ليُرهبوا بذلك أقوامهم( ).
• الاحتفاظ بالأسرار، وعدم التهاون بإفشائها، خاصة فيما يتعلق بأمور المسلمين العامة، فإن الحكيم يستطيع التصرف في الأمور وإن تغيرت وجوهها مادام سرُّه حبيساً في ضميره، فإذا أفشاه اختلطت عليه الأمور ولم يستطع التحكم فيها.
• إتقان المشورة أهم من النظر في نتائجها فإن المستشار وإن كان حصيف الرأي ثاقب الفكر فإنه لايستطيع أن يفيد من استشاره حتى ينكشف له أمره بغاية الوضوح، فإذا أخفى المستشير بعض تفاصيل القضية فإنه يكون قد جنى على نفسه، حيث قد يتضرر بهذه المشورة.
• أن على القائد وكل مسئول أن يكون مخالطاً لمن ولي أمرهم على مختلف طبقاتهم ليكون دقيق الخبرة بأمورهم، وفي هذا أكبر العون له على تصور مشكلاتهم والمبادرة بإيجاد الحلول لها، أما المسئول الذي يعيش في عزلة ولايختلط إلا بأفراد من كبار رعيته، فإنه لايصل إليه من المعلومات إلا من كان من طريق هؤلاء، وقد لايكشفون له الأمور بكل تفصيلاتها، وقد يحللون له الأمور على غير وجهها الصحيح.
• الاهتمام بأمر حراسة المسلمين خاصة من مكامن الخطر، واختبار الحراس الأمناء من ذوي النباهة، وعدم وضع الثقة الكاملة بهم، بل لابد من الرقابة عليهم حتى لايُؤتي المسلمون من قبلهم.
• أن يسلك المسئول في عقاب المخالف مسلكاً وسطا، فلايتهاون فيترك عقوبة المستحق، فإن ذلك يجرِّئه على مزيد من المخالفة، ويجرئ غيره على ارتكاب المخالفات، فتسود الفوضى وينفلت الأمر، ولايشتدُّ في العقوبة فينفِّر الرعية، ويدفعهم إلى التسخط والتحزب، بل تكون عقوبته بحكمة واتزان وبعد النظر والتروي بحيث تؤدي غرضها التربوي بدون إثارة ضجة، ولادفع إلى النقد والتسخط( ).
• أن يكون لدى المسئول يقظة وانتباه لكل مايجري في حدود المسئولية المناطة به حتى يشعر أفراد الرعية بأن هناك اهتماماً بأمورهم فيزيد المحسن إحساناً ويقتصر المسئ عن الإساءة، ولكن بدون تجسس عليهم فإن ذلك يعتبر فضيحة لهم، وقد ينقطع بذلك خيط العلاقة الذي يربط المسئول بأفراد رعيته، من المودة والإعجاب والشكر على الجميل، وهذا الخيط مادام قائماً فإنه يمنع أصحاب الجنوح من إرتكاب المخالفات التي تفسد المجتمع وتحدث الفوضى، فإذا انقطع ولم يكن هناك عاصم من تقوى الله تعالى فإن أهم الحواجز التي تحول دون الإنطلاق وراء الشهوات تكون قد تحطمت، ويصعب بعد ذلك علاج الأمور لأنها تحتاج الى قوة رادعة وهذه لها سلبياتها المعروفة.
• أن يحرص المسئول على مجالسة أهل الصدق والوفاء والعقول الراجحة، وإن سمع منهم مايكره أحياناً من النقد والتوجيه، فإن ذلك يعود عليه وعلى من استرعاه الله أمرهم بالنفع، وأن يجالس أصحاب اللهو والأهداف الدنيوية فإن هؤلاء وإن أنس بكلامهم وثنائهم فإنهم يحولون بينه وبين التفكير في الأمور الجادة، فلا يستفيق بعد ذلك إلا والنكبات قد حلت به وبمن ولي أمورهم.
• أن يصدق القائد في لقاء الأعداء وأن لايجبن، فإن جُبنه يسري على جنده فيقع بذلك الفشل والهزيمة، وفي غير الحرب أن يكون المسؤول شجاعاً في مواجهة المواقف، وأن لايضعف فيسري ضعفه على من هم تحت إدارته من العاملين، فيقل بذلك مستوى الأداء ويضعف الإنتاج.
• أن يتجنب القائد الغلول، وهو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها هذا في مجال الحرب، وفي مجالات السلم أن يتجنب المسؤول أية استفادة دنيوية من علمه لا تحل له شرعاً، مثل أخذ الهدايا التي يقصد لها دفعها الاستفادة من المسؤول في مجانبة الحق، فإن ذلك من الغلول، والغلول كما جاء في هذه الوصية يقرب الى الفقر، ويدفع النصر.
• ومن هذه الفوائد تبين لنا عظمة هذه الوصية التي أوصى بها أبوبكر  أحد قواده، وهي تبين لنا أنه كان يعيش بفكره مع قضايا المسلمين وأنه كان يتصور ماقد يواجهه قواده فيحاول تزويدهم بما ينفعهم في تلافي الوقوع في المشكلات، وحلها إذا وقعت، وهذه الوصية وأمثالها تسجِّل إضافة جديدة لمواقف أبي بكر المتعددة( ) الأنواع، فإذا تأملت إدارته للحكم وجدت رجلاً بارعاً في أمور السياسة، وإذا رأيت توجيهه للقادة العسكريين تجده رجلاً بارعاً في شؤون الحرب، وكأنه مع القادة في الميادين، وإذا رأيت رحمته وتأليفه للقلوب رأيت رجلاً بارعاً في الدعوة الى الله تعالى، فهو الرجل الرحيم بالمؤمنين، الرافع لشأن أهل البلاء والصدق منهم، الخبير بأهل الكفاءة والقدرة، القوي الحازم على أعداء الله من المنافقين والكافرين( ).
2- جيش شرحبيل بن حسنة:
حدد أبوبكر الصديق لمسير شرحبيل ثلاثة أيام بعد مسير يزيد بن أبي سفيان فلما مضى اليوم الثالث ودع أبوبكر شرحبيل وقال له: ياشرحبيل ألم تسمع وصيتي ليزيد بن أبي سفيان؟ قال: بلى، قال: فإني أوصيك بمثلها، وأوصيك بخصال أغفلت ذكرهن ليزيد، أوصيك بالصلاة في وقتها، وبالصبر يوم البأس حتى تظفر، أو تُقتل، وبعيادة المرضى وبحضور الجنائز، وذكر الله كثيراً على كل حال، فقال شرحبيل: الله المستعان وماشاء الله أن يكون كان( )، وكان جيش شرحبيل مابين ثلاثة آلاف الى أربعة آلاف وأمره أن يسير الى تبوك والبلقاء ثم بصرى وهي آخر مرحلة وتقدم شرحبيل نحو البلقاء حيث لم يلق مقاومة تذكر وكان يسير على الجناح الأيسر لجيش أبي عبيدة والجناح الأيمن لجيش عمرو بن العاص في فلسطين فأوغل في البلقاء حتى بلغ بصرى فأخذ يحاصرها فلم يوفق في فتحها لانها كانت من المراكز الحصينة( ).
3- جيش أبي عبيدة بن الجراح:
لما عزم الصديق على بعث أبي عبيدة بن الجراح بجيشه دعاه فودعه ثم قال له: اسمع سماع من يريد أن يفهم ماقيل له، ثم يعمل بما أمر به، إنك تخرج في إشراف الناس، وبيوتات العرب، وصلحاء المسلمين، وفرسان الجاهلية، كانوا يقاتلون إذ ذاك على الحمية، وهم اليوم يقاتلون على الحسبة، والنية الحسنة، أحسن صحبة من صحبك، وليكن الناس عندك في الحق سواء، واستعن بالله وكفى بالله معيناً، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً، أخُرج من غد إن شاء الله( )، وكان جيشه يترواح مابين 3-4 آلاف مجاهد وهدف ذلك الجيش حمص، سار أبو عبيدة من المدينة، ماراً بوادي القرى ثم اطلع الى الحجر (مدن صالح) ثم الى ذات منار ثم الى زيزا ومنها الى مأمؤاب فالتقى بقوة للعدو فقاتلهم ثم صالحوه فكان أول صلح عقد في الشام ثم واصل تقدمه نحو الجابية( )، وكان هذا الجيش الجناح الأيسر للجيش الأول، والجناح الأيمن للجيش الثاني( )، وكان في صحبة أبي عبيدة بن الجراح فارس من فرسان العرب المشهورين، قيس بن هبيرة بن مسعود المرادي فأوصى به الصديق أباعبيدة قبل سفره وقال له: إنه قد صحبك رجل عظيم الشرف، فارس من فرسان العرب، ليس بالمسلمين غناء عن رأيه ومشورته وبأسه في الحرب فأدنه وألطفه وأره أنك غير مستغن عنه، ولا مستهين بأمره، فإنك تستخرج بذلك نصحيته لك وجهده وجدّه على عدوك، ودعا أبوبكر قيس بن هبيرة فقال: إن بعثتك مع ابي عبيدة الأمين، الذي إذا ظُلم لم يظلم، وإذا أسيء إليه غفر، وإذا قطع وصل، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، فلا تعصين له أمراً، ولا تخالفن له راياً، فإنه لن يأمرك إلا بخير، وقد أمرته أن يسمع منك، فلا تأمره إلا بتقوى الله، فقد كنا نسمع أنك شريف ذو بأس، سيّد مجرَّب في زمان الجاهلية الجهلاء، إذ ليس فيهم إلا الإثم، فاجعل بأسك وشدتك ونجدتك في الاسلام على المشركين، وعلى من كفر بالله وعبد معه غيره فقد جعل الله في ذلك الأجر العظيم والثواب الجزيل، والعزّ للمسلمين، فقال قيس بن هبيرة: إن بقيتَ وأبقاك الله فسيبلغك عني من حيطتي على المسلم، وجهدي على الكافر ماتحب ويسرك ويرضيك، فقال له أبوبكر : إفعل ذلك، رحمك الله . قال، فلما بلغ أبابكر مبارزة قيس بن هبيرة البطرقين بالجابية وقتله إياهما قال: صدق قيس وبرّ، ووفى( ).
ونلحظ أن أبابكر  يشحذ همة قيس بن هبيرة، وفجّر طاقاته الكامنة في نفسه، واستخرج منه أعلى ما أمكن من طاقة وصرفها في حماية الاسلام والجهاد في سبيله، ولا شك أن الثناء على العظماء والنبلاء بذكر فضائلهم يرفع من معنوياتهم، ويمنحهم قوة عالية تدفعهم الى التضحية والفداء( ).
4-جيش عمرو بن العاص:
وجّه الصديق عمرو بن العاص بجيش إلى فلسطين، وكان الصديق قد خيّره بين البقاء في عمله الذي أسنده إليه رسول الله وبين أن يختار له ماهو خير له في الدنيا والآخرة إلا أن يكون الذي هو فيه أحب إليه، فكتب إليه عمرو بن العاص: إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي، بها والجامع لها، فانظر أشدّها وأخشاها وأفضلها، فارم به( )، فلما قدم المدينة أمره أبو بكر  أن يخرج من المدينة وأن يعسكر حتى يندب معه الناس، وقد خرج معه عدد من أشراف قريش، منهم الحارث بن هشام وسهيل ابن عمرو وعكرمة بن أبي جهل، فلما أراد المسير خرج معه أبو بكر يشيعه وقال: ياعمرو إنك ذو رأي وتجربة بالأمور وبصر بالحرب، وقد خرجت مع أشراف قومك ورجال من صلحاء المسلمين وأنت قادم على إخوانك فلا تألُهم نصيحة ولاتدخر عنهم صالح مشورة، فرب رأي لك محمود في الحرب مبارك في عواقب الأمور، فقال عمرو بن العاص: ما أخْلَقَني أن أصدق ظنك، وأن لا أفيِّل رأيك( )، وخرج عمرو بقواته وكان تعداده يتراوح من 6-7 آلاف مجاهد وهدفها فلسطين وسلكت طريق لساحل البحر الأحمر حتى وادي عربه في البحر الميت، ونظم عمرو بن العاص قوة استطلاع مؤلفة من ألف مجاهد ودفعها باتجاه محور تقدم الروم ووضع على قيادتها عبدالله بن عمر بن الخطاب  واصدمت هذه القوة بقوات الروم واستطاعت انتزاع النصر وتمزيق قوة العدو وعادت ببعض الأسرى فاستنطقهم عمرو بن العاص وعلم منهم أن جيش العدو بقيادة (رويس) يحاول مباغتة المسلمين بالقيام بالهجوم وعلى ضوء المعلومات الجديدة نظم عمرو قواته، وشن الروم هجومهم واستطاع المسلمون صده ونجحوا في رد قوات الروم وبعد ذلك شنوا هجومهم المضاد ودمروا قوة العدو، وارغموهم على الفرار وترك ميدان المعركة وتابع الفرسان المطاردة وانتهت المعركة بسقوط الألوف القتلى من الروم( ).
وأمر الصديق  كل أمير أن يسلك طريقاً غير طريق الآخر، لما لحظ من ذلك من المصالح، وكأن الصديق اقتدى في ذلك بنبي الله يعقوب( )، حين قال لبنيه: {وَقَالَ يَابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}(سورة يوسف، آية:67).
رابعاً: تأزم الموقف في بلاد الشام:
كانت الجيوش المكلفة بفتح بلاد الشام تلاقي صعوبة في تنفيذ المهمات الموكلة إليها، فقد كانت تواجه جيوش الإمبراطورية الرومانية التي تمتاز بقوتها وكثرة عددها وقد بنت الحصون والقلاع للدفاع عن مراكز المدن واستخدمت اسلوب الكراديس في تنظيم جيوشها، لقد كان للروم في الشام جيشان كبيران احدهما في فلسطين والآخر في انطاكية وتمركز هذان الجيشان في ست مواضع على الشكل الآتي:
أ-انطاكية: وهي عاصمة الشام في العهد الرومي.
ب-قنسرين: وتقع بين حماة وحلب على مسافة 25كم جنوبي غربي حلب وهي حدود بلاد الشام التي تحاذي فارس في الشمال الغربي.
ت-حمص: ويمتد نفوذها العسكري حتى تدمر وصحراء الشام وهي حدود بلاد الشام التي تحاذي فارس من الشمال الشرقي.
جـ-عمان: قاعدة البلقاء وفيها قلعة محصنة.
د- اجنادين: قاعدة الروم العسكرية في جنوب فلسطين وعلى حدود بلاد العرب الشرقية والغربية وعلى حدود مصر.
هـ- قيسارية: في شمال فلسطين وتبعد عن حيفا 13كم ولاتزال انقاضها قائمة، أما مقر القيادة العامة فهي انطاكية أو حمص وعندما شهد قائد الروم هرقل الذي كان يشرف على الموقف بنفسه في (ايليا) توغل الجيوش الإسلامية اصدر اوامره الى قواته بالتوجه لتدمير هذه الجيوش وكانت خطة مواجهة الجيوش الإسلامية كالآتي:
-يتراجع الروم امام المسلمين ويتخلوا لهم عن الحدود الشامية الحجازية.
-تتجمع وحدات الجيش الأول في فلسطين بعد تقريرها بقيادة سرجون.
-تتجمع وحدات الجيش الثاني في انطاكيا بقيادة تيدور.
-تتحرك هذه الجيوش وتهاجم امراء الإسلام الأربعة الواحد بعد الآخر وذلك لتسهيل تصفية جيوش الإسلام على انفراد وعلى أساس هذه الخطة التي وضعها هرقل تحركت جيوش الروم وحسب الترتيب الآتي( ):
-توجيه اخاه تذارق في تسعين ألفا للقضاء على جيش عمرو بن العاص.
-توجيه بن توذر إلى يزيد بن أبي سفيان.
-توجيه القبقار بن ننطوس في ستين ألفا إلى جيش أبي عبيدة.
-الدارقص نحو شرحبيل بن حسنة( ).
استطاع المسلمون الحصول على المعلومات الدقيقة عن هذه الجيوش، ونواياها بكل تفاصيلها وعن تفاصيل الخطة الرومية التي كان قد وضعها هرقل لتدمير الجيوش الإسلامية كل على انفراد، وراسل قادة المسلمين الخليفة بالمدينة، فكتب أبو عبيدة إلى أبي بكر رضي الله عنهما يخبره بما بلغه مما جمع هرقل ملك الروم من الجموع وهذا نص كتاب أمين الأمة إلى الصديق: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أبي بكر، خليفة رسول الله، من أبي عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنا نسأل الله أن يعز الإسلام وأهله عزاً متيناً، وأن يفتح لهم فتحاً يسيراً، فإنه بلغني أن هرقل ملك الروم نزل قرية من قرى الشام، تدعى أنطاكية وأنه بعث إلى أهل مملكته فحشرهم إليه، وأنهم نفروا إليه على الصعب والذلول( )، وقد رأيت أن أعلمك ذلك، فترى فيه رأيك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فكتب إليه أبو بكر : بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد بلغني كتابك، وفهمت ماذكرت فيه من أمر هرقل ملك الروم، فأما منزله بأنطاكية فهزيمة له ولأصحابه، وفتح من الله عليك وعلى المسلمين، وأما ماذكرت من حشره لكم أهل مملكته، وجمعه لكم الجموع، فإن ذلك ماقد كنا وكنتم تعلمون أنه سيكون منهم، وما كان قوم ليدعوا سلطانهم ويخرجوا من ملكهم بغير قتال، وقد علمت والحمد لله، قد غزاهم رجال كثير من المسلمين يحبون الموت حب عدوهم للحياة، ويرجون من الله في قتالهم الأجر العظيم، ويحبون الجهاد في سبيل الله أشد من حبهم أبكار نسائهم وعقائل اموالهم، الرجل منهم عند الفتح خير من ألف رجل من المشركين، فالقهم بجنودك، ولاتستوحش لمن غاب عنك من المسلمين فإن الله معك، وأنا مع ذلك مُمدُّك بالرجال حتى تكتفي ولاتريد أن تزداد إن شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته( ).
وكتب يزيد بن أبي سفيان إلى أبي بكر  بنفس مضمون كتاب أبي عبيدة بن الجراح وردّ الصديق على يزيد رضي الله عنهم جميعاً وهذا نص الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه تحوُّل ملك الروم إلى أنطاكية، وأن الله القى الرعب في قلبه من جموع المسلمين، فإن الله -وله الحمد- قد نصرنا ونحن مع رسول الله بالرُّعب، وأمدنا بملائكته الكرام، وإن ذلك الدين الذي نصرنا الله به بالرعب، هو هذا الدين الذي ندعو الناس إليه اليوم، فوربك لايجعل الله المسلمين كالمجرمين، ولامن يشهد أن لا إله إلا الله كمن يعبد معه آلهة أخرين، ويدين بعبادة شتى، فإذا لقيتموهم فانهد إليهم بمن معك، وقاتلهم، فإن الله لن يخذلك، وقد نبأنا الله تبارك وتعالى أن الفئة القليلة مما تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، وأنا مع ذلك مُمدُّك بالرجال في إثر الرجال، حتى تكتفوا ولاتحتاجوا إلى زيادة إنسان، إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله، وبعث الصديق بهذا الكتاب مع عبدالله بن قرْط الثمالي حتى قدم على يزيد فقرأه على المسلمين، ففرحوا به وسُرُّوا( )، وجاء كتاب من عمرو بن العاص بخصوص جموع الروم ورد عليه الصديق فقال: سلام عليك، أما بعد .. فقد جاءني كتابك تذكر ماجمعت الروم من الجموع، وإن الله لم ينصرنا مع نبيه  بكثرة جنود، وقد كنا نغزو مع رسول الله  ومامعنا إلا فَرَسان، وإن نحن إلا نتعاقب الإبل، وكنا يوم أحد مع رسول الله ومامعنا إلا فرس واحد، كان رسول الله يركبه، ولقد كان يظهرنا ويعيننا على من خالفنا، واعلم ياعمرو أن أطوع الناس لله أشدهم بغضاً للمعاصي، فأطع الله، ومر أصحابك بطاعته( )، وشرع الصديق في إمداد الجيوش الإسلامية ببلاد الشام، بالرجال، والسلاح، والخيول، ومايحتاجونه ودعا هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وقال له: ياهاشم، إن من سعادة جدِّك، ووفاء حظك أنك أصبحت ممن تستعين به الأمة على جهاد عدوها من المشركين، وممن يثق الوالي بنصيحته ووفائه وعفافه وبأسه، وقد بعث إليّ المسلمون يستنصرون على عدوهم من الكفار، فسر إليهم فيمن تبعك، فإني نادب الناس معك، فاخرج حتى تقدم على أبي عبيدة أو يزيد، قال: لا، بل على أبي عبيدة، قال: فاقدم على ابي عبيدة. وقام أبو بكر  في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن إخوانكم من المسلمين معافون، مدفوع عنهم، مصنوع لهم، وقد ألقى الله الرعب في قلوب عدوهم منهم، وقد اعتصموا بحصونهم، وأغلقوا أبوابها دونهم عليهم، وقد جاءتني رسلهم يخبرونني بهرب هرقل ملك الروم من بين أيديهم حتى نزل قرية من قرى الشام في أقصى الشام، وقد بعثوا إليَّ يخبرونني أنه قد وجه إليهم هرقل جنداً من مكانه ذلك، فرأيت أن أمد إخوانكم المسلمين بجند منكم، يشدد الله بهم ظهورهم، ويكبت بهم عدوهم، ويلقي بهم الرعب في قلوبهم، فانتدبوا -رحمكم الله- مع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، واحتسبوا في ذلك الأجر والخير، فإنكم إن نصرتم فهو الفتح والغنيمة وإن تهلكوا فهي الشهادة والكرامة ثم انصرف أبو بكر  إلى منزله، ومال الناس على هاشم حتى كثروا عليه، فلما أتموا ألفاً أمره أبو بكر أن يسير، فجاءه فسلم عليه وودّعه، فقال له أبو بكر : ياهاشم، إنا إنما كنا ننتفع من الشيخ الكبير برأيه ومشورته وحسن تدبيره، وكنا ننتفع من الشاب بصبره وبأسه ونجدته، وإن الله-عزوجل- قد جمع لك الخصال كلها، وأنت حديث السن، مستقبل الخير، فإذا لقيت عدوك فاصبر وصابر، واعلم أنك لاتخطو خطوة، ولا تنفق نفقة ولايصيبك ظمأ ولانصب ولامخمصة في سبيل الله إلا كتب الله لك به عملاً صالحاً، إن الله لايضيع أجر المحسنين فقال هاشم: إن يرد الله بي خيراً يجعلني كذلك، وأنا أفعل ولاقوة إلا بالله، وأنا أرجو إن أنا لم أقْتَل أن أقْتُل، ثم أقْتَل إن شاء الله، فقال له عمه سعد بن أبي وقاص : يابن أخي، لاتطعن طعنة، ولاتضربن ضربة إلا وأنت تريد بها وجه الله، واعلم أنك خارج من الدنيا رشيداً، وراجع إلى الله قريباً، ولن يصحبك من الدنيا إلى الآخرة إلا قدم صدق قدّمته، أو عمل صالح أسلفته، فقال: أيْ عم، لاتخافن مني غير هذا، إني إذا لمن الخاسرين، إن جعلت حليَّ وارتحالي، وغدوي ورواحي، وسيفي وطعني برمحي، وضربي بسيفي رياء للناس ثم خرج من عند أبي بكر  فلزم طريق أبي عبيدة حتى قدم عليه، فتباشر بمقدمه المسلمون، وسُرُّوا به( )، وبعد ذهاب هاشم بن عتبة بمدة، أمر أبو بكر بلالا، فنادى في الناس ألا انتدبوا أيها المسلمون مع سعيد بن عامر بن حذيم إلى الشام فانتدب معه سبعمائة رجل في أيام يسيرة، فلما أراد سعيد بن عامر الشخوص بالناس أتى بلال أبا بكر. فقال: ياخليفة رسول الله، إن كنت إنما اعتقتني لأقيم معك، وتمنعني مما أرجو لنفسي فيه الخير أقمت معك وإن كنت إنما اعتقتني لله لأملك نفسي وأضرب فيما ينفعني فخلّ سبيلي حتى أجاهد في سبيل ربي، فإن الجهاد أحب إليَّ من المقام... فقال له أبو بكر: أما إذ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:14 am



المبحث الثالث
أهم الدروس والعبر والفوائد


أولاً: من معالم السياسة الخارجية في دولة الصديق:
رسمت خلافة الصديق  أهدافاً في السياسة الخارجية، للدولة الإسلامية والتي كان من أهمها:
1-بذر هيبة الدولة في نفوس الأمم الأخرى:
فقد حققت سياسة الصديق هذا الهدف، بطرق عديدة منها:
أ-وصول أخبار الانتصارات التي أيد الله بها الأمة المسلمة في حروب الردة مما ساعد على وأد هذه الفتنة وتثبيت أركان الدولة، ومثل هذه الأخبار تصل إلى الدول المجاورة وبخاصة إذا كانت تتابع أنباء الدولة الإسلامية وترقب حركتها وترى فيها خطراً جديداً يهددها، وللفرس والروم في ذلك الوقت قدرة على معرفة الحوادث والأمور فلما وصلت أنباء المرتدين وثبات الناس على الدين أدركت الدولتان أن بنيان هذه الأمة الجديدة يستعصي على المؤامرات ويتجاوز المحن والابتلاءات، وهذا له وقعة في نشر هيبة دولة الإسلام.
ب-جيش أسامة: ظهر لجيش أسامة الذي أنفذه الصديق أثر بالغ في نشر هيبة الدولة الإسلامية، وقد جعل الروم يتساءلون عن الجيش الذي حاربهم وعاد منتصراً إلى عاصمة دولته فامتلأت قلوبهم فزعا حتى حشد هرقل عشرات الألوف من جيشه على الحدود، فقد نقلت تلك الأخبار إلى بلاد كسرى وتناقلها الناس مما كان له الأثر في هيبة المسلمين في قلوب هذه الدول( ).
2-مواصلة الجهاد الذي أمر به النبي :
قام الصديق بمواصلة الجهاد لتأمين الدعوة ووصولها للناس، فجهز الجيوش وندب الناس للخروج إلى الجهاد في سبيل الله لنشر دعوة الحق، وإزاحة الطواغيت الذين رفضوا دعوة النبي  لهم بالإسلام، وصمموا على حجب نور الحق عن شعوبهم، وقد خرج الناس يلبون هذه الدعوة الحبيبة إلى النفوس تحت لواء قادة أصحاب بلاء وجهاد في سبيل الله أمثال خالد، وأبي عبيدة، وعمرو، وشرحبيل، ويزيد رضي الله عنهم اختارهم خليفة محنك مجرب ذو ملكة عسكرية عجيبة صقلتها الظروف التي أحاطت به والأزمات الخطيرة التي أحدقت بأمته مما دفعه إلى العناية بهذه الناحية فاختار القواد أحسن اختيار وأمدهم بتوجيهاته وإرشاداته ففتحوا الشام والعراق في أقصر وقت ممكن وبأقل كلفة متاحة( ).
3-العدل بين الأمم المفتوحة والرفق بأهلها:
كانت السياسة الخارجية للصديق قائمة على بسط لواء العدل على الديار المفتوحة ونشر الأمن والطمأنينة بين أهلها حتى يحس الناس بالفرق بين دولة الحق ودولة الباطل، وحتى لايظن الناس أنه قد ذهب جبار ظالم ليحل مكانه من هو أشد منه أو مثله في ظلمه وجبروته، ووصى أبو بكر قواده بالرحمة والعدل، والإحسان إلى الناس، فإن المغلوب يحتاج إلى الرأفة، وتجنب مايثير فيه حمية القتال، وحافظ المسلمون الفاتحون على الإنسان والعمران فشاهدت الشعوب المفتوحة خلقاً جديداً في ذوق رفيع، وإنسانية صادقة، فقام ميزان الشريعة بين الأمم المغلوبة بالقسط، وانتشر نور الإسلام فأخذ يعد له مجامع القلوب، فسارعت الشعوب إلى اعتناق هذا الدين والإنضواء تحت لوائه، وكان جند الأعاجم من الفرس أو الروم إذا وطئوا أرضا دنسوها، ونشروا فيها الرعب والفزع وانتهكوا الحرمات مما قاسى منه الناس الويل والثبور وتناقلت الأجيال قصصه المرعبة والمفزعة جيلاً بعد جيل وقبيلاً إثر قبيل فلما جاء الإسلام ودخل جنده هذه الديار، فإذا بالناس يجدون العدل يبسط رداءه فوق رؤوسهم ويعيد إليهم آدميتهم التي انتزعها الظلم والطغيان، وقد حرص الصديق على هذه السياسة حرصا عظيما وكان يقوم أي عوج يظهر أو خطأ يقع روى البيهقي: أن الأعاجم كانوا إذا انتصروا على عدو استباحوا كل شيء من ملك أو أمير وكانوا يحملون رؤوس البشر إلى ملوكهم كبشائر للنصر وإعلان للفخر، فرأى أمراء المسلمين في حروب الروم أن يعاملوهم بنفس معاملتهم، فبعث عمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة برأس (بنان) أحد بطارقة الشام إلى أبي بكر مع عُقبة بن عامر فلما قدم عليه أنكر ذلك فقال له عقبة: ياخليفة رسول الله إنهم يصنعون ذلك بنا فقال: أفيستنان بفارس والروم، لايحمل إلي رأس إنما يكفي الكتاب والخبر( ).
4-رفع الإكراه على الأمم المفتوحة:
من معالم السياسة الخارجية عند الصديق  رفع الإكراه عن الأمم المفتوحة فلم يكره أحد من الأمم أو الشعوب على دينه بالقوة، وهو في هذا ينطلق من قول الله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}(سورة يونس، آية:99). والمسلمون أرادوا من الفتوحات إزالة الطغاة وفتح الأبواب أمام الشعوب لترى نور الإسلام أما وقد أزيل كابوس الظلم عن الناس فليتركوا أحراراً ولايكرهوا على شيء طالما حافظوا على عهدهم مع المسلمين والذي كان يشمل في بنوده:
أ-أن يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ب-أن لايكون لهم مكان في بعض الوظائف كالجيش.
جـ-أن لايُكوِّنوا جهة معادية للإسلام في شعائره أو عباداته أو شريعته.
هـ-إذا غير أحدهم دينه السابق فلا يقبل منه إلا الإسلام.
وتقوم دولة الإسلام بتفسير الإسلام لهم عملياً ونظرياً بحيث يؤدي ذلك إلى إقتناعهم بهذا الدين ليدخلوا فيه عن رغبة فإن العقائد لاتستقر بالإكراه( ).
ثانيا: من معالم التخطيط الحربي عند الصديق:
إن المطالع للفتوحات في عهد الصديق  يمكن له أن يستنتج خطوطاً رئيسة للخطة الحربية التي سار عليه وكيف تعامل هذا الخليفة العظيم مع سنة الأخذ بالأسباب؟ وكيف كانت هذه الخطة المحكمة عاملاً من عوامل نزول النصر والتمكين من الله عزوجل للمسلمين ومن هذه الخطوط مايلي:
1-عدم الإيغال في بلاد العدو حتى تدين للمسلمين:
كان الصديق  حريصاً أشد الحرص على عدم الإيغال في بلاد العدو حتى تدين للمسلمين، وقد كان ذلك واضحاً تمام الوضوح في جبهات العراق والشام، ففي فتوح العراق، أرسل الصديق  إلى خالد وعياض بتكليفهما بغزو العراق من جنوبه وشماله وجاء في الكتاب: وأيكما ماسبق إلى الحيرة فهو أمير على الحيرة فإذا اجتمعتما بالحيرة إن شاء الله وقد فَضَضتُما مسالح مابين العرب وفارس( )، وأمنتم أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليُقم بالحيرة أحدكم وليقتحكم الآخر على القوم وجالدوهم عما في أيديهم واستعينوا بالله واتقوه، وآثروا أمر الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم، ولاتؤثروا الدنيا فتسلبوهما واحذروا ماحذركم الله بترك المعاصي ومعاجلة التوبة، وإياكم والإصرار وتأخير التوبة( )، وهذا الكتاب الجليل يدل على فكر أبي بكر العالي وتخطيطه الدقيق، وقبل ذلك توفيق الله له، فقد جاء تخطيطه الحربي موافقاً تماماً لما اقتضته مصلحة الجيوش الإسلامية أثناء تطبيق هذه الخطة الحكيمة، وقد شهد ببراعة أبي بكر في التخطيط الحربي أخبر الناس بالحروب آنذاك وهو خالد بن الوليد، فإنه لما نهض للقيام بمهمة عياض في فتح شمال العراق ونزل بكربلاء واشتكى إليه المسلمون ماوقعوا فيه من التأذي بذُبابها الكثيف قال لعبدالله بن وثيمة: اصبر فإني إنما أريد أن أستفرغ المسالح التي أمر بها عياض فنُسكنها العرب فتأمن جنود المسلمين أن يؤتوا من خلفهم، وتجيئنا العرب آمنة وغير متعتعة، وبذلك أمرنا الخليفة، ورأيه يعدل نجدة الأمة( )، وقد سار على هذه الخطة بالعراق المثنى بن حارثة حيث يقول ذلك القائد الفذ: قاتلوا الفرس على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب، ولاتقاتلوهم بعقر دارهم، فإن يظهر الله المسلمين فلهم ماوراءهم، وإن كانت الأخرى رجعوا إلى فئة ثم يكونون أعلم بسبيلهم وأجرأ على أرضهم إلى أن يرد الله الكرة عليهم( )، وأما في فتوحات الشام، فقد كانت الصحراء من خلف المسلمين حماية لهم ومع هذا كان المسلمون يتأكدون أولا من أن عدوهم قد انقطع أمله في مفاجأتهم من خلف ظهورهم، وأن يستولوا على مايقع بيمينهم وشمالهم من المدن والبلاد، وسدَّ كل ثغر بالمقاتلة، وقد كانت تلك القاعدة مرعية عندهم يحرصون عليها أشد الحرص( ).
2- التعبئة وحشد القوات:
عندما تولى الصديق الخلافة وضع من خطوط الإعداد الحربي: التعبئة وحشد القوات، وقد ناد المسلمين لحروب الردة ثم استنفرهم بعدها للفتوحات وأرسل الى أهل اليمن كتابه المعروف في ذلك( ).
3- تنظيم عملية الإمداد للجيوش:
حينما تطورت معارك الجبهة الشرقية ووجد قائدا الجبهة -خالد والمثنى- أنهما في حاجة الى مدد بشري لأن الطاقة التي معهما لاتستطيع تلبية المعركة في متطلباتها وواجباتها فكتبا إلى الصديق  يلتمسان المدد فقال لهما: استنفرا من قاتل أهل الردة، ومن بقى على الإسلام بعد رسول الله  ولايغزون أحد ارتد حتى أرى رأيي( ) وشرع في إمداد جبهات العراق والشام حتى اللحظات الأخيرة من حياته.
4-تحديد الهدف من الحرب:
وضعت هذه النقطة في خطة الحرب الإسلامية في الفتوحات لتكون هدف العمليات الذي يسعى إليه الجميع، وقد وضع الصديق خطته في هذه القضية على أساس أن يعلم كل فرد مقاتل أن هدف المسلمين من هذه الفتوحات نشر الإسلام وتبليغه إلى الشعوب بإزالة الطواغيت الذين يحرمون شعوبهم من هذا الخير العميم، فقد كان القادة يعرضون على عدوهم قبل المعركة واحدة من ثلاث: الإسلام أو الجزية أو الحرب( ).
5-إعطاء الأفضلية لمسارح العمليات:
قاد الصديق  بنفسه أولى العمليات الحربية ضد المرتدين، ونظم الجيوش لحربهم ولم يهمل بقية المسارح فوجه أسامة إلى الشام، والمثنى إلى العراق، وكرس جهود المسلمين في السنة الأولى للقضاء على الردة، وعندما تمت عملية إعادة توحيد الجزيرة وأصبح بالإمكان الانطلاق من قاعدة قوية ومأمونة، وجه ثقل العمليات إلى الجبهتين العراقية والشامية، وعندما احتاجت الجبهة الشامية إلى المدد، نقل الصديق محور ثقل الهجوم إلى الشام، ووجه خالداً إليه-وترك المثنى في الجبهة العراقية.
6-عزل ميدان المعركة:
عندما بدأ الصديق  باستنفار القوات لحرب الروم والفرس أرسل خالد بن سعيد إلى تبوك بمهمة الى مناطق الحشد، ومحاور التقدم، وأمره أن يكون ردءاً للمسلمين، وعندما فشل في هذا الواجب وتجاوزه قام عكرمة بن أبي جهل به( ).
7-التطور في أساليب القتال:
كتب الصديق إلى أبي عبيدة عندما بلغه تقدم جيوش الروم وانضمام أهل دمشق إليهم مايلي: بث خيولك في القرى والسواد، وضيق عليهم الميرة والمادة، ولاتحاصرن المدائن حتى يأتيك أمري( )، وعندما دعمه بقوات كافية كتب له:فإن ناهضوك، فانهد لهم واستعن بالله عليه فإنه ليس يأتيهم مدد إلا أمددناك بمثلهم( ).
8-سلامة خطوط الاتصال مع القادة:
كانت خطوط الاتصال بين الصديق وقادة المعارك منظمة ومنتظمة بحيث تصل المكاتبات من القادة في أمان، وتصل ردود الخليفة في سرية تامة وسرعة متقدمة لاتسمح للعدو أن يفاجأ المسلمين بشيء لايتوقعونه، وهكذا كانت الخطط الحربية عند المسلمين محكمة دقيقة مما كان عاملاً من عوامل دحر الأعداء والتغلب عليهم بفضل الله في حركة الفتوح( ).
9-ذكاء الخليفة وفطنته:
امتازت الخطط الحربية الإسلامية في بداية الفتوحات بوجود العقل المدبر، ذي الفطنة والذكاء، والكياسة والفراسة، وهو الصديق وقد ساعد أبو بكر على فهمه الواسع للتخطيط العسكري طول ملازمته للنبي ، فقد تربى على تعليمه وتوجيهاته، فكسب علوماً شتى، وخبرات متنوعة، فقام بعد رحيل رسول  في مقام الخلافة خير قيام، فحمل البصيرة الواعية، وزود الجيش بالنصائح الغالية، وأرسل الإمدادات في أوقاتها تسعف المجاهدين، وتمدهم بالهمة والعزيمة الماضية( ).
ثالثا: حقوق الله، والقادة، والجنود من خلال وصايا الصديق:
1-حقوق الله:
بين الخليفة في توجيهاته للقادة والجنود حقوق الله تعالى، كمصابرة العدو، واخلاص قتالهم لله، وأداء الأمانة، وعدم الممالئة والمحاباة في نصرة دين الله.
أ-مصابرة العدو:
حين وجه أبو بكر  عكرمة بن أبي جهل  إلى عمان كان مما أوصاه به قوله: واتق الله فإذا لقيت العدو فاصبر( )، كما قال الصديق  لهاشم بن عتبة بن أبي وقاص: عندما وجهه مدداً لجند الشام: إذا لقيت عدوك فاصبر وصابر واعلم أنك لاتخطو خطوة ولاتنفق نفقة ولايصيبك ظمأ ولامخمصة في سبيل الله إلا كتب الله لك به عملاً صالحاً إن الله لايضيع أجر المحسنين( ).
ب-أن يقصدوا بقتالهم نصرة دين الله:
فقد جاء في خطاب الصديق لخالد حين أمره بالذهاب للشام مايفيد هذا المعنى حيث ذكره بأن يجتهد ويخلص النية لله وحده، وحذره من العجب بالنفس والزهو والفخر فذلك حظ النفس الذي يفسد العمل على العامل ويرده في وجهه، كما حذره أن يدل ويمن على الله بالعمل الذي يعمله فإن الله هو المان به إذ التوفيق بيده سبحانه( ) وهذا بعض ماجاء في تلك الرسالة:... فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم يتم الله لك، ولايدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن وهو ولي الجزاء( ).
جـ-أداء الأمانة:
وقد كانت توجيهات الصديق لأمرائه وجنوده واضحة في وجوب أن يؤدوا الأمانة فيما حازوه من الغنائم ولايغل أحد منهم شيئاً بل يحمل جميعه إلى المغنم ليقسم بين جميع الغانمين ممن شهدوا الواقعة وكانوا على العدو يداً واحدة( )، وعلى سبيل المثال ماجاء في وصية الصديق ليزيد بن أبي سفيان في النهي عن الغلول( )، هذه بعض توجيهات الصديق مما يتعلق ببعض حقوق الله على القادة والجنود.
2-حقوق القائد:
وقد بين الخليفة الصديق حقوق القادة على الجنود والرعية، كالتزام طاعته، والمسارعة إلى امتثال أمره، وعدم منازعته في شيء من قسمة الغنائم وغير ذلك.
أ-التزام طاعته:
فعندما تولى أبو بكر  بعد أن تولى الخلافة كان أول شيء نبه المسلمين إليه في خطاب التولية أنه سائر على نهج رسول الله  كما ذكّر بالطاعة حيث قال: واعلموا أن ماأخلفتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها( )، والزم قادته بالطاعة لبعضهم فمن ذلك ماكتبه إلى المثنى بن حارثة الشيباني بقوله: إني قد بعثت إليك خالد بن الوليد إلى أرض العراق فاستقبله بمن معك من قومك ثم ساعده ووازره وكاتفه ولاتعصين له أمراً ولاتخالفوا له رأيا فإنه من الذين وصف الله تبارك وتعالى في كتابه فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا....}( ) (سورة الفتح، آية:29) كذلك أخذ أبو بكر  يوصي في خلافته جيوش المسلمين المتجهة لفتح بلاد الشام بالطاعة فقال لهم: أيها الناس إن الله قد أنعم عليكم بالإسلام وأكرمكم بالجهاد وفضلكم بهذا الدين عن كل دين فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام فإني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لكم ألوية فأطيعوا ربكم ولاتخالفوا أمراءكم لتحسن نيتكم وأشربتكم وأطعمتكم فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون( )، فكان جوابهم له بقولهم: أنت أميرنا ونحن رعيتك فمنك الأمر ومنا الطاعة فنحن مطيعون لأمرك وحيثما توجهنا نتوجه( )، وعندما عين الصديق خالد بن الوليد إدارة جيوش الشام طلب من أبي عبيدة بأن يسمع ويطيع لأمر خالد بن الوليد لفطنته وعلمه بالحرب، ولما وصل خالد بن الوليد للشام طلب من أبي عبيدة بن الجراح بأن يبعث إلى أهل كل راية ويأمرهم أن يطيعوه فدعا أبو عبيدة الضحاك بن قيس، فأمره بذلك فخرج الضحاك يسير في الناس طالبا منهم طاعة القائد الجديد لجيوش الشام خالد بن الوليد فيما يأمرهم به، فأجاب الناس بالسمع والطاعة( ).
ب-أن يفوضوا أمرهم إلى رأيه:
قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}(سورة النساء، آية:83). جعل الله تفويض الرعية الأمر إلى ولي الأمر سببا لحصول العلم وسداد الرأي، فإن ظهر لهم صواب خفي عليه بينوه له وأشاروا به عليه ولذلك ندب إلى المشاورة ليرجع بها إلى الصواب( )، وفي خلافة الصديق نرى أبا بكر  كلف أمراء وقادة جيوشه بالتوجه إلى الشام، وفوض لهم أمر الجيوش حيث قال لهم: يا أبا عبيدة ويامعاذ وياشرحبيل، ويايزيد، أنتم من حماة هذا الدين وقد فوضت إليكم أمر هذه الجيوش فاجتهدوا في الأمر واثبتوا وكونوا يداً واحدة في مواجهة عدوكم( )، ثم أمر القادة بمراعاة أحوال الجنود وتقديم الإخلاص، والإتحاد حتى لاتختلف آراؤهم( )، وأضاف الصديق قائلاً: فإذا قدمتم البلد ولقيتم العدو واجتمعتم على قتالهم فأميركم أبو عبيدة بن الجراح وإن لم يلقكم أبو عبيدة وجمعتكم حرب فأميركم يزيد بن أبي سفيان( )، وهكذا فوض خليفة رسول الله  إدارة العسكر إلى رأي أحد قادته ووكله إلى تدبيره حتى لاتختلف آراؤهم، وأكد على ذلك عندما قال لعمرو بن العاص: أنت أحد أمرائنا هناك فإن جمعتكم حرب فأميركم أبو عبيدة بن الجراح( )، وكان ذلك رأيه أيضاً مع قادة العراق حيث قال للمثنى بن حارثة: إني بعثت إليك خالد بن الوليد إلى أرض العراق... فما أقام معك فهو الأمير فإن شخص عنك فأنت على ماكنت عليه والسلام عليك( ).
جـ-المسارعة إلى امتثال أمره:
ففي حروب الردة كتب أبو بكر الصديق  إلى خالد ابن الوليد في أمر مسيلمة الكذاب فقد أمره بالمسير إليه فجمع خالد بن الوليد أصحابه وقرأ عليهم الكتاب وسألهم الرأي فأجابوه بقولهم: الرأي رأيك وليس فينا أحد يخالف أوامرك( )، كما كتب الصديق  لخالد بن الوليد أثناء مقامه بالعراق بالخروج في شطر الناس إلى الشام وأن يخلف على الشطر الباقي المثنى بن حارثة وقال له: لاتأخذ نجداً إلا خلفت له نجداً، فامتثل خالد للأمر وقسم الجند نصفين( )، وكتب إلى عمرو بن العاص بالسير من بلاد قضاعة إلى اليرموك، ففعل، وبعث بأبي عبيدة ويزيد وأمرهما بالإغارة وألا يوغلوا في بلاد الشام حتى لايكون وراءهم أحد من العدو، وقد استجاب القادة والجنود لتوجيهاته، وأوامر الصديق ( ).
د-عدم منازعته في شيء من قسمة الغنائم:
سار أبو بكر  في خلافته على نهج الرسول  في تقسيم الغنائم، فبعد انتهاء خالد بن الوليد  من معركة اليمامة كتب إلى الصديق  يخبره بما فتح الله عليه وما أغنمه منهم فكتب إليه أبو بكر قائلاً: اجمع الغنائم والسبي وما أفاء الله عليك من مال بني حنيفة فأخرج من ذلك الخمس ووجه به إلينا ليقسم فيمن بحضرتنا من المسلمين وادفع إلى كل ذي حق حقه والسلام، وهذا ماكان يفعله جميع قادة أبي بكر  في إدارتهم العسكرية في قسمة الغنائم ولم ينازعهم الجند في شيء من قسمتها والتسوية بينهم فيها( ).
3-حقوق الجند:
بين الصديق  من خلال وصاياه ورسائله حقوق الجند، كاستعراضهم، وتفقد أحوالهم، والرفق بهم في السير، وأن يقيم عليهم العرفاء والنقباء، واختيار مواضع نزولهم لمحاربة العدو، وإعداد مايحتاج إليه الجند من زاد وعلوفة، والتعرف على أخبار العدو بالجواسيس الثقات لسلامة الجند، وتحريضهم على الجهاد، وتذكيرهم بثواب الله وفضل الشهادة، ومشاورة ذوي الرأي منهم، وأن يلزمهم بما أوجبه الله من حقوق، وأن ينهاهم عن الإشتغال عن الجهاد بتجارة وزراعة ونحوها( ) وإليك تفصيل بعض هذه النقاط:
أ-إستعراضهم وتفقد أحوالهم:
فقد رأينا ابو بكر الصديق  عندما طرق المرتدين المدينة المنورة أخذ أهلها بحضور المسجد وقال لهم: إن الأرض كافرة وقد رأى وفدهم منكم قلة وإنكم لاتدرون أليلاً تؤتون أم نهاراً وأدناهم منكم على بريد( )، وأخذ  يعرض أصحابه ثم يعين منهم على أنفاق المدينة نفراً للحراسة( )، وعندما اجتمع جيش فتوح الشام عد أبو بكر  على دابته حتى أشرف على الجيش فنظر إليهم وقد ملأوا الأرض فتهلل وجهه وأخذ يعرضهم قبل سيرهم ويوصيهم ويدعو لهم وعقد لهم الألوية ومشى معهم نحوا من ميلين( ).
ب-الرفق بالجند في السير:
فقد أوصى أبو بكر خالد بن الوليد في حروب الردة بالرفق بمن معه وأن يتخذ الأدلاء في مسيره( )، وأوصى سائر أمراء الردة بذلك( )، وفي فتوح العراق عندما عقد خالد بن الوليد معاهدة الصلح مع أهل أليس( )، وغيرهم كان من ضمن شروط المعاهدة يبذرقوا( ) المسلمين ويكونوا أدلاء وأعوانا لهم على الفرس لأنهم أعرف وأعلم بطرق بلادهم من غيرهم( )، وحين كلف أبو بكر  خالد بن الوليد بالتوجه من العراق إلى الشام مدداً وعونا لهم دعا خالد الأدلاء وتشاور معهم حول سيرهم في طريق المفازة إلى الشام لأنه أسرع الطرق وأسرعها لنجدة إخوانه ثم رافقه منهم رافع بن عميرة الطائي دليلاً( )، وأوصى الصديق  يزيد بن أبي سفيان عندما وجهه إلى الشام بقوله: إذا سرت فلا تضيق على نفسك ولاعلى أصحابك في مسيرك( )، وعندما جد الجند في السير ذكر أحدهم يزيد بوصية أبي بكر له بالرفق بهم في السير وأن يلتزم بها( ) كما أوصى الصديق عمرو بن العاص عندما وجهه إلى فلسطين بقوله له: وكن والداً لمن معك وأرفق بهم في السير فإن فيهم أهل ضعف( )، وقد امتثل قادة الصديق  لأمره بالرفق بالجند في مسيرهم وأصبحوا لايسيرون إلى قتال الأعداء إلا ومعهم أدلاء يدلونهم على أسهل الطرق وأوفرها ماء وعشبا حتى يتمكنوا من مواصلة سيرهم نحو العدو، من غير إهدار لقوتهم أو تحطيم لمعنوياتهم( ).
ت-أن يجعل لكل طائفة شعاراً يتداعون به:
ففي بعثة جيش أسامة لقتال الروم كان شعارهم: يامنصور أمت( )، وفي حروب الردة عند مسير خالد بن الوليد نحو مسيلمة الكذاب باليمامة كان شعارهم يومئذ: يامحمداه، يامحمداه( )، وشعار تنوخ في فتوح العراق (يا آل عباد الله)( )، وفي فتوح الشام باليرموك نجد أن لكل قائد وقبيلة شعاراً مميزاً يميزها عن غيرها اتخذته ليستدل به عليها وكانوا يجهرون به عند القتال ويتعارفون به، فكان شعار أبي عبيدة: أمت أمت، وشعار خالد بن الوليد ومن معه: ياحزب الله، وشعار قبيلة عبس يالعبس، وشعار اليمن من أخلاط الناس ياأنصار الله، وشعار حمير الفتح، وشعار دارم والسكاسك (الصبر الصبر)، وشعار بني مراد يانصر الله انزل، فهذه كانت أبرز الشعارات في معركة اليرموك( ).
ث-أن يتصفحهم عند مسيرهم:
ومن وصايا أبي بكر الصديق  لقواده حين بعث بهم في حروب الردة: وان يمنع أصحابه العجلة والفساد وألا يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم ويعلم ماهم، لئلا يكونوا عيوناً، ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم( )، كما أمر قادته بعدم الإستعانة بالمرتدين في جهاد العدو وذلك احتراساً وحرصاً على سلامة جند المسلمين( )، كذلك أوصى الصديق  قادة فتوح الشام بالحذر والحيطة والتيقظ من رسل العدو حتى لايتعرفوا على مابجيشهم من ثغرات، ومكامن ضعف وأمرهم بأن لايخالطوا العسكر ولايحدثوهم فمن ذلك قوله ليزيد بن أبي سفيان: وإذا قدمت عليك رسل عدوك فأكرم منزلتهم فإنه أول خبرك إليهم، وأقلل حبسهم حتى يخرجوا وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك من محادثتهم وكن أنت الذي تلي كلامهم ولاتجعل سرك مع علانيتك فيمرج( ) عملك( ).
جـ-حراستهم من غرة يظفر بها العدو في مقامهم ومسيرهم:
وظهر ذلك عندما وضع الصديق الحرس على أنقاب المدينة خشية أن تطرقها بعض القبائل المرتدة، وحين وجه  خالد بن الوليد إلى حرب أهل الردة حذره من البيات والغرة وقال له: واحترس من البيات فإن في العرب غرة( )، كما أوصى أمراء وقادة فتوح الشام بالإحتراس ونشر الحرس على العسكر لحفظهم من الأعداء وأن يقوموا بالتفتيش المفاجئ على الحرس حتى يتأكدوا من قيامهم بمهامهم المعدين لها فمن ذلك ماقاله ليزيد بن أبي سفيان: وأكثر حرسك وأكثر مفاجأتهم في ليلك ونهارك( )، وقال لعمرو بن العاص: وأمر أصحابك بالحرس ولتكن أنت بعد ذلك مطلعاً عليهم وأطل الجلوس بالليل على أصحابك، وأقم بينهم وأجلس معهم( )، وحذى قادة الصديق  حذوه في إتخاذ الحرس على العسكر في مقامهم وسيرهم( ).
ح-إعداد مايحتاج إليه العسكر من زاد وعلوفة:
فقد كان الصديق  يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعلها في سبيل الله( )، إلى جانب مايكسبه ويغنمه العسكر من العدو( )، وحينما كلف الصديق خالد بن الوليد بمحاربة المرتدين كان مما أوصاه به إذا دخل على أرض العدو أن لايسير إليهم إلا وهو مستظهر بالزاد( )، وكان قادة الصديق أثناء مصالحتهم للعدو يشترطون عليهم أن يضيفوا من مر بهم من المسلمين بما يحل من طعامهم وشرابهم( )، وقد سمح أبو بكر  لجند الشام أثناء ماأوصاهم بأنهم إذا عقروا شاة أو بعيراً للعدو لايعقرونها إلا للأكل( ).
خ-ترتيب الجند في مصاف الحرب:
استعمل قادة الصديق في معاركهم الحربية نظام الصف، والصفوف تزيد وتنقص بحسب مايقتضيه الموقف ويراه القائد في ميدان القتال( ) إلا أن خالد بن الوليد في معركة اليرموك أدخل نظام الكراديس في أعينهم وذلك لأن نظام الكراديس عبارة عن مجموعة من الجند تقف في صفوف لاتكون منفصلة عن الأخرى بينهما مسافات متباعدة مما يسهل ذلك عليها عملية الحركة وزيادة الانتشار فمن قول خالد للجند لإستخدامه لنظام الكراديس: إن عدوكم قد كثر وطغى وليس من التعبئة تعبئة أكثر في رأي العين من الكراديس( )، فجعل القلب كراديس وأقام فيه أبا عبيدة وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاص وفيها شرحبيل بن حسنة، وجعل الميسرة وعليها يزيد بن أبي سفيان وهكذا حيث خرج في ستة وثلاثين كردوساً إلى الأربعين، وخرج في تعبئة لم تعبئها العرب قبل ذلك ووزع المهام الإدارية بين القيادة( )، إلا أن نظام الصف ظل قائماً ومعمولاً به في النظام الحربي الإسلامي بعد اليرموك( ).
د-تحريضهم على القتال:
كان الصديق  يحرّض المجاهدين على القتال ويقوي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر ويذكر لهم أسباب النصر ليقل العدو في أعينهم فيكونوا عليه أجرأ وبالجرأة يسهل الظفر( )، فقد حرض وحض أبو بكر خالد بن الوليد على القتال بقوله: احرص على الموت توهب لك الحياة( )، وعندما عقد الألوية لجيوش الشام أخذ يحرضهم ويحضهم على الجهاد في سبيل الله ويوصيهم، ويدعو لهم بالنصر على الأعداء( ).
ذ-أن يذكرهم بثواب الله وفضل الشهادة:
فمما قاله أبو بكر الصديق  في تلك الجيوش المتوجهة إلى الشام قوله: ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سيبل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به هي التجارة التي دل عليها ونجى بها من الخزي وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة( ).
ر-أن يشاور ذوي الرأي منهم:
وهذا مافعله الصديق في حروب الردة، وفتوحات الشام، وكثير من القضايا الفقهية والمستجدات التي تحدث في المجتمع المسلم، وقد طلب من القادة أن يتناصحوا ويتشاورا( ) وقد كان الصديق قدوة في ذلك، ففي حروب الردة دعا عمرو بن العاص وقال له ياعمرو إنك ذو رأي في قريش وقد تنبأ طليحة فما ترى واستشاره ثم سأله عن خالد بن الوليد عند اختياره لقيادة الجند فأجابه يسوس للحرب نصير للموت له أناة القطاة ووثوب الأسد فعقد له( )، وسار خالد بن الوليد لما كلف به وأخذ يستشير من معه لإعداد الخطة لمحاربة المرتدين ويخبر القيادة العليا بما استقر عليه رأي الجند( )، وحين أراد أبو بكر  أن يغزو الروم ويعد الجيوش لفتح بلاد الشام شاور في ذلك جماعة من أصحاب رسول الله وبعد أن أخذ رأيهم وما أجمعوا عليه أمر الجند بالتجهيز للتوجه لما أمروا به( )، وكان مما أوصى به الصديق  أمراء وقادة جند الشام بأن يعملوا بالمشورة، فمن ذلك ماقاله ليزيد بن أبي سفيان: هذا ربيعة بن عامر( ) من ذوي العلاء والمفاخر قد علمت صولته وقد ضممته إليك وأمرتك عليه فاجعله في مقدمتك وشاوره في أمرك ولاتخالفه( )، قال يزيد حباً وكرامة، وأضاف أبو بكر  قائلاً: إذا سرت فلا تضيق على نفسك ولا على أصحابك في مسيرك ولاتغضب على قومك ولا على أصحابك وشاورهم في الأمر واستعمل العدل( ) كما قال ليزيد: وإذا استشرت فاصدق الخبر تصدق لك المشورة، ولاتكتم المستشار فتؤتى من قبل نفسك( )، إلى غير ذلك مما قاله ليزيد بن أبي سفيان حول مبدأ الشورى والإلتزام بها وقد أوصى أمراء جند الشام بما لايخرج عن ذلك( )، وامتثل قادة الصديق بما أمروا به من إجراء المشورة فيما بينهم فقد قال أبو عبيدة بن الجراح لعمرو بن العاص: ياعمرو لرب يوم لك قد شهدته فبورك فيه للمسلمين برأيك ومحضرك وإنما أنا رجل منكم ولست وإن كنت الوالي عليكم بقاطع أمراً دونكم فاحضرني رأيك في كل يوم بما ترى فإنه ليس بي عنك غنى( ) هذا بالإضافة إلى طلب القادة في أرض المعركة من القيادة العليا المركزية المشورة فيما أشكل عليهم من أمور الإدارة العسكرية لمرحلة وضع الخطط الحربية والتنفيذ ومعاملة الأسرى( ).
ز-أن يلزمهم بما أوجبه الله من حقوق:
فقد كان أبو بكر  يوصي قادته بذلك، فحين بعث عمرو بن العاص إلى أرض فلسطين قال له: اتق الله في سرك وعلانيتك واستحيه في خلواتك فإنه يراك في عملك وقد رأيت تقدمي لك على من هو أقدم منك سابقة وأقدم حرمة فكن من عمال الآخرة وأرد بعملك وجه الله وكن والداً لمن معك والصلاة ثم الصلاة أذن بها إذا دخل وقتها ولاتصل صلاة إلا بأذان يسمعه أهل العسكر واتق الله إذا لقيت العدو والزم أصحابك قراءة القرآن وأنههم عن ذكر الجاهلية وماكان منها فإن ذلك يورث العداوة بينهم، وأعرض عن زهرة الدنيا حتى تلتقي بمن مضى من سلفك وكن من الأئمة الممدوحين في القرآن إذ يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}(سورة الأنبياء، آية:73) ( ).
هذه أهم حقوق الله، والقادة والجند، التي تحدث عنها الصديق في وصاياه ورسائله لقادته .
رابعاً: السر في اكتساح المسلمين لقوات الفرس والروم:
إن المتأمل في حركة الفتح الإسلامي يرى توفيق الله تعالى لجيوش الخليفة أبي بكر ، فقد اندفعت تلك الجيوش المظفرة نحو العراق والشام واستطاعت أن تكسر شوكة الرومان والفرس وتفتح تلك الديار في وقت قياسي في تاريخ الحروب والسبب في سرعة هذا الفتح، عوامل تتعلق بالمسلمين الفاتحين، وأخرى ترجع إلى الأمم التي فتح المسلمون ديارهم، فمن العوامل التي تتعلق بالمسلمين:
1-إيمان المسلمين بالحق الذي يقاتلون من أجله.
2-يقين المسلمين بربهم في قضيتي الرزق والأجل والقضاء والقدر.
3-تأصل الصفات الحربية في المسلمين.
4-سماحة المسلمين وعدالتهم مع الشعوب.
5-رحمة المسلمين في تقدير الجزية والخراج ووفائهم بعهودهم.
6-ثروة المسلمين الواسعة من الرجال والقواد العظام.
7-إحكام الخطة الحربية الإسلامية( ).
وأما الأسباب التي تتعلق بالبلاد المفتوحة فأهمها، ضعف الروم والفرس، فقد ضعفوا وانتشر بينهم الظلم وعم الفساد، ودب فيهم سوء الأخلاق، وأصابت حضارتهم الشيخوخة، وقضى عليها إسراف ملوكها، وانحرفوا عن منهج الله، ومضت فيهم سننه التي لاترحم ولاتجامل ولاتتبدل وأما المسلمون، فقد أكرمهم الله بمنهجه فساروا عليه وأخذوا بأسباب التمكين وحققوا شروطه، وتعاملوا مع سنن الله في الشعوب، وبناء الدول، وإصلاح المجتمعات ولايفهم من كلامي أن ضعف الروم والفرس سهل السبيل أمام المسلمين بشكل كبير، فرغم ضعف الدولتين بسبب العوامل السابقة إلا أنه لم يمنعها من الإعداد الهائل لملاقاة المسلمين فجهزتا مئات الآلاف من الجند المدربين الذين يفوقون جند المسلمين عدداً وعدة، كما أنهما أبرزتا أسلحة غير معهودة عند المسلمين كالفيلة والكلاليب المحماة التي كانوا يرسلونها من خلف الحصون يصطادون بها من تقع عليه من المسلمين، كما أن الظن بأن الروم استهانوا بالمسلمين ولم يستعدوا لهم يدفعه الكلام السابق وترده رواية ابن عساكر: أن هرقل جمع بطارقته وهو بحمص وقال لهم: هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن تقبلوه مني!! قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر فتغير عليكم، ثم تخرج من ساعتها ولم تكلم، قال أخوه: ابعث رباطا إلى البلقاء فبعث رباطا واستعمل عليه رجلاً من أصحابه فلم يزل حتى تقدمت الجيوش إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما( ).



المبحث الرابع
استخلاف الصديق لعمر بن الخطاب ووفاته


أولاً: استخلافه لعمر:
في شهر جمادي الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة النبوية مرض الخليفة أبو بكر ، واشتد به المرض( ) فلما ثقل واستبان له من نفسه -جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ماقد ترون ولا أظنني إلا ميت لما بي وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم فأمَّروا عليكم من أحببتم فإنكم إن أمرتم في حياة منِّي كان أجدر أن لاتختلفوا بعدي( ).
وقد قام أبو بكر  بعدة إجراءات لتتم عملية اختيار الخليفة القادم:
1-استشارة أبي بكر كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار:
وتشاور الصحابة رضي الله عنهم، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، لذا رجعوا إليه، فقالوا: رأينا ياخليفة رسول الله رأيك، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده، فدعا أبو بكر عبدالرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال له: ماتسألني عن أمرإلا وأنت أعلم به مني: فقال أبو بكر: وإن فقال عبدالرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان. فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب. فقال: أنت أخبرنا به. فقال: على ذلك يا أبا عبدالله فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله. فقال أبو بكر: يرحمك الله والله لو تركته ماعَدَتْك ثم دعا أسيد بن حضير فقال له: مثل ذلك، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك، يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسر خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه، وكذلك استشار سعيد بن زيد وعدداً من الأنصار والمهاجرين، وكلهم تقريباً كانوا برأي واحد في عمر إلا طلحة بن عبيدالله خاف من شدته، فقد قال لأبي بكر ماأنت قائل لرَبِّك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني أبالله تخوفوني؟ خاب من تزوَّدَ من أمركم بظلم أقول اللهم استخلفت عليهم خيْرَ أهْلكَ( ).
وبين لمن نبهه إلى غلظة عمر وشدته فقال: ذلك لأنه يراني رقيقاً ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما عليه( ).
2-ثم كتب عهداً مكتوباً يقرأ على الناس في المدينة وفي الأنصار عن طريق أمراء الأجناد فكان نص العهد:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ماعهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني أستخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاستمعوا له وأطيعوا، وإني لم آلُ الله ورسوله ودينه ونفسي، وإياكم خيراً، فإن عَدَلَ فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ مااكتسب، والخير أردت ولاأعلم الغيب {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}( ) (سورة الشعراء، آية:227).
إن عمر هو نصح أبي بكر الأخير للأمة، فقد أبصر الدنيا مقبلة تتهادى وفي قومه فاقة قديمة يعرفها، فإذا ماأطلوا لها استشرفتهم شهواتها، فنكلت بهم واستبدت، وذاك ماحذرهم رسول الله  إياه( )، قال رسول الله : فوالله لا الفقر اخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم( ). لقد أبصر أبو بكر الداء فأتى لهم  بدوء ناجع.. جبل شاهق، إذا مارأته الدنيا أيست وولت عنهم مدبرة، إنه الرجل الذي قال فيه النبي : أيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده مالقيك الشيطان سالكا فجاً قط إلا سلك فجّاً غير فجّك( ). إن الأحداث الجسام التي مرت بالأمة، قد بدأت بقتل عمر، هذه القواصم خير شاهد على فراسة أبي بكر وصدق رؤيته في العهد لعمر، فعن عبدالله بن مسعود  قال: أفرس الناس ثلاثة صاحبة موسى التي قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، وصاحب يوسف حيث قال: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، وأبو بكر حين استخلف عمر( )، فقد كان عمر هو سد الأمة المنيع الذي حال بينها وبين أمواج الفتن( ).
3-أنه أخبر عمر بن الخطاب بخطواته القادمة فقد دخل عليه عمر فعرّفه أبو بكر بما عزم فأبى أن يقبل، فتهدده أبو بكر بالسيف فما كان أمام عمر إلا أن يقبل( ).
4-أنه أراد إبلاغ الناس بلسانه واعياً مدركاً حتى لايحصل أي لبس فأشرف أبو بكر على الناس وقال لهم: أترضون بما استخلف عليكم، فإني والله ماألوت من جهد الرأي، ولاوليت ذات قرابة، وإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا. فقالوا: سمعنا وأطعنا( ).
5-أنه توجه بالدعاء إلى الله يناجيه ويبثه كوامن نفسه، وهو يقول: اللهم وليته بغير أمر نبيك، ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، واجتهدت لهم رأيي، فولَّيت عليهم خيرهم، وأحرصهم على ماأرشدهم، وقد حضرني من أمرك ماحضر، فاخلفني فيهم فهم عبادك( ).
6-أنه كلف عثمان بن عفان أن يتولى قراءة العهد على الناس وأخذ البيعة لعمر قبل موت أبي بكر بعد أن ختمه بختمه لمزيد من التوثيق والحرص على إمضاء الأمر، دون أي آثار سلبية، وقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم. فأقروا بذلك جميعاً ورضوا به( ).
7-البيعة لعمر بن الخطاب قبل أن يتوفى أبو بكر الصديق، فبعد أن قُرِءَ العهد على الناس ورضوا به أقبلوا عليه وبايعوه( )، ولم تتم بيعة بعد الوفاة بل باشر عمر بن الخطاب أعماله بصفته خليفة للمسلمين فور وفاة أبي بكر ( )، ويلحظ الباحث أنّ عمر ولي الخلافة باتفاق أصحاب الحل والعقد وإرادتهم فهم الذين فوضوا لأبي بكر انتخاب الخليفة، وجعلوه نائباً عنهم في ذلك، فشاور ثم عين الخليفة، ثم عرض هذا التعيين على الناس فأقروه، وأمضوه ووافقوا عليه، وأصحاب الحل والعقد في الأمة هم النواب (الطبيعيون) عن هذه الأمة، وإذن فلم يكن استخلاف عمر  إلا على أصح الأساليب الشورية وأعدلها( ).
إن الخطوات التي سار عليها أبو بكر الصديق في اختيار خليفته من بعد لاتتجاوز الشورى بأي حال من الأحوال، وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه( ). وهكذا تم عقد الخلافة لعمر  بالشورى والاتفاق، ولم يرد التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولا أن أحداً نهض طوال عهده لينازعه الأمر، بل كان هناك إجماع على خلافته وعلى طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة( ).
8-وصية الصديق لعمر بن الخطاب:
فقد اختلى الصديق بالفاروق وأوصاه بمجموعة من التوصيات لإخلاء ذمته من أي شيء، حتى يمضي إلى ربه خالياً من أي تبعة بعد أن بذل قصارى جهده واجتهاده( )، وقد جاء في الوصية: اتق الله ياعمر، واعلم أن لله عملاً بالنهار لايقبله بالليل، وعملاً بالليل لايقبله بالنهار، وأنه لايقبل نافلة حتى تُؤدى فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم، وحُقَّ لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً، وإنما خفَّت موازين من خفَّت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل غداً أن يكون خفيفاً، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف أن لاألحق بهم، وإن الله تعالى ذكر أهل النار، فذكرهم بأسوأ أعمالهم، وردّ عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم، قلت: إني لأرجو أن لاأكون مع هؤلاء، ليكون العبد راغباً راهباً، لايتمنى على الله ولايقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلايك غائب أبغض إليك من الموت ولستَ تُعجزه( ).
ثانيا: وحان وقت الرحيل:
قالت عائشة رضي الله عنها: أول مابُدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل، وكان يوماً بارداً فحُمّ خمسة عشرة يوماً لايخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة، وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه( )، ولما اشتد به المرض قيل له: ألا تدعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني فقال إني فعال لما أريد( )، وقالت عائشة رضي الله عنها قال أبو بكر: انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي. فنظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وإذا ناضح( ) كان يسقي بستاناً له. فبعثنا بهما إلى عمر، فبكى عمر وقال: رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعباً شديداً( ).
وقالت عائشة رضي الله عنها: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه، دخلت عليه وهو يعالج مايعالج الميت ونفسه في صدره فتمثلت هذا البيت:
لعمرك مايغني الثراء عن الفتى
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فنظر إليّ كالغضبان، ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله أصدق {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ}(سورة ق، آية:19). ثم قال: ياعائشة: إنه ليس أحد من أهلي أحب إليَّ منك، وقد كنت نحلتك حائطاً( )، وإن في نفسي منه شيئاً فردِّيه الى الميراث. قالت: نعم فرددته. وقال : أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن الى عمر، وابرئي منهن ففعلت، فلما جاء الرسول الى عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: رحم الله أبابكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبابكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبابكر، لقد أتعب من بعده( ). وقد جاء في رواية: أن أبابكر لما حضرته الوفاة قال: إن عمر لم يدعني حتى أصبت من بيت المال ستة آلاف درهم، وان حائطي الذي بمكان كذا فيها، فلما توفي ذكر ذلك لعمر فقال: يرحم الله أبابكر، لقد أحب أن لايدع لأحد بعده مقالاً( ).
ويظهر من هذه المواقف ورع الصديق في المال العام، فقد ترك هذا الخليفة العظيم تجارته وتخلى عن ذرائع كسبه اشتغالاً عنها بأمور المسلمين وقياماً بوظائف الخلافة فيضطر الى أخذ نفقته من بيت المال بما لايزيد عن الحاجة الى سد الجوع وستر العورة، ثم هو يؤدي للمسلمين خدمة هيهات أن تؤدي حقها الخزائن ولما أشرف على وفاته، وعنده فضلة من مال المسلمين وهي ذلك المتاع الحقير، يأمر بردها الى المسلمين ليلقى ربه آمناً مطمئناً، نزيه القلب، طاهر النفس، خفيف الحمل إلا من التقوى، فارغ اليدين إلا من الايمان، إن في هذا لبلاغاً وانها لموعظة لقوم يعقلون( ). كما أن ماقام به من الوصية بتعويض بيت مال المسلمين بأرضه المذكورة مقابل ماأنفق على نفسه وعياله منه، وكان ورعاً منه ورغبة في أن يكون عمله في الولاية تطوعا وخالصاً لله تعالى بعيداً عن أي حظ من حظوظ الدنيا.
وقد استمر مرض أبي بكر مدة خمسة عشر يوماً حتى كان يوم الإثنين ليلة الثلاثاء في الثاني والعشرين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، قالت عائشة -رضي الله عنها-: إن أبا بكر قال لها: في أي يوم مات رسول الله ؟ قالت في يوم الإثنين، قال: إني لأرجو فيما بيني وبين الليل، قال: ففيم كفنتموه؟
قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص، ولاعمامة فقال أبو بكر: انظري ثوبي هذا فيه ردع زعفران أو مشق فاغسليه واجعلي معه ثوبين آخرين( )، فقيل له قد رزق الله وأحسن نكفنك في جديد، قال: إن الحي هو أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه عن الميت، إنما يصير الميت إلى الصديد، وإلى البلى( )، وقد أوصى أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب رسول الله ، وكان آخر ماتكلم به الصديق في هذه الدنيا قول الله تعالى:{ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}( ) (سورة يوسف، آية:101).
وارتجّت المدينة لوفاة أبي بكر الصديق، ولم تر المدينة منذ وفاة الرسول يوماً، أكثر باكياً، وباكية من ذلك المساء الحزين وأقبل علي بن أبي طالب مسرعاً، باكياً، مسترجعاً ووقف على البيت الذي فيه أبو بكر فقال: رحمك الله يا أبا بكر.. كنت إلف رسول الله وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته، وكنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم يقيناً، وأشدهم لله يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله عزوجل، وأحوطهم على رسول الله ، وأحدبهم على الإسلام، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله هدياً وسمتاً، وأشرفهم منزلة، وأرفعهم عنده، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن رسول الله وعن الإسلام أفضل الجزاء. صدقت رسول الله  حين كذبه الناس، وكنت عنده بمنزلة السمع والبصر، سماك الله في تنزيله، صديقاً فقال: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}(سورة الزمر، آية:33). واسيته حين بخلوا، وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم الصحبة، ثاني اثنين صاحبه في الغار، والمُنَّزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وأمته، أحسن الخلافة حين ارتدوا، فقمت بالأمر مالم يقم به خليفة نبي، ونهضت حين وهن أصحابه وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله إذ وهنوا، وكنت كما قال رسول الله ضعيفاً في بدنك قوياً في أمر الله تعالى، متواضعاً في نفسك عظيماً عند الله تعالى، جليلاً في أعين الناس كبيراً في أنفسهم، لم يكن لأحدهم فيك مغمز، ولالقائل فيك مهمز، ولالمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه القريب والبعيد عنك في ذاك سواء، وأقرب الناس عندك أطوعهم لله عزوجل، وأتقاهم ... شأنك الحق والصدق والرفق قولك حكم وحتم، وأمرك حل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:14 am

لقب خليفة رسول الله، ورأى الصحابة ضرورة تفريغ الصديق لمنصب الخلافة وتكفلت الأمة بنفقاته الخاصة.
24-عاش الصديق بين المسلمين كخليفة لرسول الله، فكان لايترك فرصة تمر إلا علم الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فكانت مواقفه تشع على من حوله من الرعية بالهدى والإيمان والأخلاق.
25-يعتبر عهد الصديق بداية العهد الراشدي الذي تتجلى أهميته بصلته بالعهد النبوي وقربه منه، فكان العهد الراشدي عامة والجانب القضائي خاصة، امتداداً للقضاء في العهد النبوي مع المحافظة الكاملة والتامة على جميع ماثبت في العهد النبوي، وتطبيقه بحذافيره وتنفيذه بنصه ومعناه.
26-كان أبو بكر يستعمل الولاة في البلدان المختلفة ويعهد إليهم بالولاية العامة في الإدارة والحكم والإمامة، وجباية الصدقات، وسائر أنواع الولايات، وكان ينظر إلى حسن اختيار الرسول للأمراء والولاة على البلدان فيقتدي به في هذا العمل، ولهذا نجده قد أقر جميع عمال الرسول الذين توفي الرسول وهم على ولايتهم، ولم يعزل أحداً منهم إلا ليعينه في مكان آخر أكثر أهمية من موقعه الأول ويرضاه كما حدث لعمرو بن العاص، وكانت مسؤوليات الولاة في عهد أبي بكر الصديق بالدرجة الأولى امتداداً لصلاحيتهم في عصر الرسول  خصوصاً الولاة الذين سبق تعيينهم أيام الرسول .
27-وردت أخبار كثيرة في شأن تأخر علي على مبايعة الصديق رضي الله عنهما وكذا تأخر الزبير بن العوام وجُلّ هذه الأخبار ليس بصحيح إلا مارواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله، فقد كان انشغال جماعة من المهاجرين وعلى رأسهم علي بن أبي طالب بأمر جهاز رسول الله من تغسيل، وتكفين وقد بايع الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما أبا بكر في اليوم التالي لوفاة الرسول، وهو يوم الثلاثاء.
28-عندما سئل الصديق عن ميراث رسول الله قال للسيدة فاطمة والعباس عم النبي  سمعت رسول الله يقول: لانورث ماتركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال وفي رواية قال أبو بكر  ... لست تاركاً شيئاً كان رسول الله  يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ، ومن الثابت تاريخياً أن أبا بكر دام أيام خلافته يعطي أهل البيت حقهم في فئ رسول الله في المدينة، ومن أموال فدك وخمس خيبر، إلا أنه لم ينفذ فيها أحكام الميراث، عملاً بما سمعه من رسول الله.
29-بين الصديق في خطبته  طبيعة خليفة رسول الله وأنه ليس خليفة عن الله، بل عن رسوله ، وأنه بشر غير معصوم لايطيق ماكان رسول الله  بنبوته ورسالته، فهو في سياسته متبع وليس بمبتدع.
30-من الدروس والعبر في بعث جيش أسامة ، أن الأحوال تتغير وتتبدل والشدائد لاتشغل أهل الإيمان عن أمر الدين، والمسيرة الدعوية لاترتبط بأحد، ووجوب اتباع النبي ، وحدوث الخلاف بين المؤمنين ورّده إلى الكتاب والسنة، وجعل الدعوة مقرونة بالعمل ومكانة الشباب في خدمة الإسلام، وروعة الآداب الإسلامية في الجهاد، وتحقيق جيش أسامة لأهدافه، فقد ضعفت جبهة الردة في الشمال وأصبحت من أضعف الجبهات.
31-إن الردة التي قامت بها القبائل العربية بعد وفاة رسول الله لها أسباب منها، هول الصدمة بموت رسول الله، ورقة الدين والسقم في فهم نصوصه، والحنين إلى الجاهلية، ومقارفة موبقاتها، والتفلت من النظام والخروج على السلطة الشرعية، والعصبية القبلية، والطمع في الملك، والتكسب بالدين والشح بالمال، والتحاسد، والمؤثرات الأجنبية، كدور اليهود والنصارى والمجوس.
32-وأما أصناف الردة، فمنهم من ترك الإسلام جملة وتفصيلاً، وعاد إلى الوثنية، وعبادة الأصنام، ومنهم من ادعى النبوة، ومنهم من عاد إلى ترك الصلاة، ومنهم من بقي يعترف بالإسلام ويقيم الصلاة، ولكنه امتنع عن أداء الزكاة، ومنهم من شمت بموت الرسول وعاد أدراجه يمارس عاداته الجاهلية، ومنهم من تحير وتردد وانتظر على من تكون الدبرة وكل ذلك وضحه علماء الفقه والسير.
33-كان موقف الصديق  من المرتدين لاهوادة فيه ولامساومة فيه ولاتنازل، يرجع إليه الفضل الأكبر-بعد الله تعالى- في سلامة هذا الدين وبقائه على نقائه وصفائه وأصالته، وقد أقر الجميع وشهد التاريخ بأن أبا بكر قد وقف في مواجهة الردة الطاغية ومحاولة نقض عرى الإسلام عروة عروة، موقف الانبياء والرسل في عصورهم، وهذه خلافة النبوة التي أدى أبو بكر حقّها واستحق بها ثناء المسلمين ودعاءهم إلى أن يرث الله الأرض وأهلها.
34-إن من الحقائق الأساسية حول هذه الفتنة أنها لم تكن شاملة لكل الناس كشمولها الجغرافي، بل إن هناك قادة وقبائل وافراد وجماعات وأفراد تمسكوا بدينهم في كل منطقة.
35-في حروب الردة باليمن ظهرت صورتان مختلفتان للنساء، صورة المرأة الطاهرة العفيفة التي تقف مع الإسلام وتحارب الرذيلة وتقف مع المسلمين لكبح جماح شياطين الإنس والجن، مثل (آزاد) الفارسية زوج شهر بن باذان، وابنة عم فيروز الفارسي، وصورة أخرى كالحة مظلمة وهي ماقامت به بعض بنات اليمن من يهود ومن لف لفهم في حضرموت، فقد طرن فرحاً بموت رسول الله، فأقمن الليالي الحمراء مع المجان والفساق، يشجعن على الرذيلة ويزرين بالفضيلة، فقد رقص الشيطان فيها معهنّ وأتباعه طربا لنكوص الناس عن الإسلام والدعوة إلى التمرد عليه وحرب أهله.
36-كان بعض أهل اليمن لهم مواقف عظيمة في الثبات على الحق والدعوة إلى الإسلام وتحذير قومهم من خطورة الردة، ومن هؤلاء كان مران بن ذي عمير الهمداني أحد ملوك اليمن، وعبدالله بن مالك الأرحبي وكان من أصحاب النبي  وشرحبيل بن السِّمط وابنه في بني معاوية من كندة.
37-بعد حروب الردة تجمعت اليمن تحت قيادة مركزية عاصمتها المدينة المنورة، وقسم اليمن إلى أقسام إدارية لاوحدات قبلية، فقد قسم إلى ثلاثة أقسام إدارية، صنعاء والجند وحضرموت، ولم تعد العصبية القبلية أساساً في الزعامة أو في التولية ولم تعد القبلية سوى وحدة عسكرية لاسياسية، وأصبحت المقاييس المعتبرة هي المقاييس الإيمانية، التقوى والإخلاص والعمل الصالح.
38-كان لهزيمة طليحة الأسدي في معركة بزاخه أثر كبير في رجوع كثير من القبائل إلى حظيرة الإسلام، فقد أقبلت بنو عامر بعد هزيمة بزاخة يقولون: ندخل فيما خرجنا منه فبايعهم خالد على مابايع عليه أهل بزاخة من أسد وغطفان وطيئ.
39-إن مقتل مالك بن نويرة بسبب كبره وتردده، فقد بقى للجاهلية في نفسه نصيب ولذلك ماطل في التبعية للقائم بأمر الإسلام بعد رسول الله، وفي تأدية حق بيت مال المسلمين عليه، المتمثل بالزكاة.
40-قام الصديق بالتحقيق في مقتل ابن نويرة وانتهى إلى براءة ساحة خالد من تهمة قتل مالك بن نويرة، فقد كان الصديق في هذا الشأن أكثر إطلاعاً على حقائق الأمور، وابعد نظراً في تصريفها من بقية الصحابة، لأنه الخليفة وإليه تصل الأخبار.
41-إن من كمال الصديق توليته لخالد واستعانته به، لأنه كان شديداً ليعتدل به أمره، ويخلط الشدة باللين، فإن مجرد اللين يفسد، ومجرد الشدة تفسد، فكان يقوم باستشارة عمر وباستنابة خالد وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله.
42-كان للمثنى بن حارثة دور كبير في إخماد فتنة البحرين والوقوف بقواته بجانب العلاء الحضرمي، وقد سار بجنوده من البحرين شمالاً ووضع يده على القطيف وهجر حتى بلغ مصب دجلة وقضى في سيره على قوات الفرس وعمالهم وقد كانت أخباره تصل إلى الصديق، وسأل عنه أصحابه فقال له قيس بن عاصم المنقري: هذا رجل غير خامل الذكر ولامجهول النسب ولاذليل العماد هذا المثنى بن حارثة الشيباني.
44-تعتبر هزيمة بني حنيفة في اليمامة أمام جيوش خالد قاصمة الظهر لحركة الردة، وكان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثير من حفظة القرآن وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر  بمشورة عمر بن الخطاب  بجمع القرآن من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال، وأسند الصديق هذا العمل العظيم والمشروع الحضاري الضخم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري .
45-تحققت شروط التمكين ولوازمه كلها في عهد الصديق والخلفاء الراشدين من بعده وكان للصديق الفضل بعد الله في تذكير الأمة بهذه الشروط ولذلك رفض طلب الأعراب في وضع الزكاة عنهم، وأصّر على بعث جيش أسامة، والتزم بالشرع كاملاً ولم يتنازل عن صغيرة ولاكبيرة.
46-كان إعداد الصديق في حروب الردة شاملاً معنوياً ومادياً، فجيش الجيوش، وعقد الألوية، واختار القادة لحروب الردة، وراسل المرتدين، وحرّض الصحابة على قتالهم وجمع السلاح والخيل والإبل وجهز الغزاة، وحارب البدع، والجهل، والهوى، وحكّم الشريعة وأخذ بأصول الوحدة والاتحاد والاجتماع، وأخذ بمبدأ التفرغ وساهم في إحياء مبدأ التخصص، فخالد لقيادة الجيوش، وزيد بن ثابت لجمع القرآن، وأبو برزة الأسلمي للمراسلات الحربية واهتم بالجانب الأمني والإعلامي، وغير ذلك من الأسباب.
47-تظهر آثار تحكيم شرع الله في عصر الصديق في تمكين الله للصحابة، فقد حرصوا على إقامة شعائر الله على أنفسهم وأهليهم وأخلصوا لله في تحاكمهم إلى شرعه، فالله سبحانه وتعالى قواهم وشد أزرهم ونصرهم على المرتدين، ورزقهم الأمن والاستقرار.
48-كان الجهاد الذي خاضه الصحابة في حروب الردة إعداداً ربانياً للفتوحات الإسلامية حيث تميزت الرايات وظهرت القدرات، وتفجرت الطاقات، واكتشفت قيادات ميدانية وتفنن القادة في الأساليب والخطط الحربية، وبرزت مؤهلات الجندية الصادقة المطيعة المنضبطة الواعية التي تقاتل وهي تعلم على ماذا تقاتل، وتقدم كل شيء وهي تعلم من أجل ماذا تضحي وتبذل، ولذا كان الأداء فائقاً والتفاني عظيماً.
49-توحدت شبه الجزيرة العربية -بفضل الله- ثم جهاد الصحابة مع الصديق -تحت راية الإسلام لأول مرة في تاريخها بزوال الرؤوس أو انتظامها ضمن المد الإسلامي، وبسطت عاصمة الإسلام -المدينة- هيمنتها على ربوع الجزيرة وأصبحت الأمة تسير وراء زعيم واحد بمبدأ واحد، بفكرة واحدة، فكان الانتصار انتصاراً للدعوة الإسلامية ولوحدة الأمة بتضامنها وتغلبها على عوامل التفكك والعصبية كما كانت برهاناً على أن الدولة الإسلامية بقيادة الصديق قادرة على التغلب على أعنف الأزمات.
50- اثبتت أحداث التاريخ أن أية محاولة للتمرد على دين الاسلام سواء أقام بها فرد أم جماعة، أم دولة إنما هي محاولة يائسة مآلها الإخفاق الذريع والخيبة الشنيعة، لأن التمرد، إنما هو تمرد على أمر الله المتمثل بكتابه الذي تكفل بحفظه، وحفظ جماعة تلتف حوله، وتقيمه في نفوسها وواقعها مدى الدهر، وبحكمه القاضي بالعاقبة للمتقين، وبالمن على المستضعفين أن يديل لهم من الظالمين.
51- ماإن انتهت حروب الردة واستقرت الأمور في الجزيرة العربية التي كانت ميداناً لها حتى شرع الصديق في تنفيذ خطة الفتوحات التي وضع معالمها رسول الله ، فجيش الجيوش لفتح العراق والشام.
52- إن الأوامر التي وجهها الصديق الى قادة فتوح العراق (خالد وعياض) تشير الى الحس الاستراتيجي المتقدم الذي كان يملكه الصديق ، فقد أعطى جملة تعليمات عسكرية استراتيجية منها وتكتيكية، فحدد لكل من القائدين المسلمين جغرافياً، منطقة للدخول الى العراق، كأنما هو يمارس القيادة من غرفة العلميات بالحجاز، وقد بسطت أمامه خارطة العراق بكل تضاريسها ومسالكها.
53- خاض خالد في العراق عدة معارك كانت السبب في فتح العراق، كمعركة ذات السلاسل، ومعركة المذار، الولجة، أليس، فتح الحيرة، الأنبار، عين التمر، دومة الجندل، وقعة الحصيد، وقعة المصيخ، وقعة الفراض.
54- عزم الصديق على فتح الشام فستشار كبار الصحابة ثم استنفر أهل اليمن للجهاد وعقد الألوية للقادة وأرسل أربعة جيوش لبلاد الشام وكان قادة الجيوش كل من ، يزيد بن أبي سفيان ، أبي عبيدة بن الجراح، عمرو بن العاص، شرحبيل بن حسنة.
55- كانت الجيوش المكلفة بفتح الشام تلاقي صعوبة في تنفيذ المهمات الموكلة إليها، فقد كانت تواجه جيوش الامبراطورية الرومانية التي تمتاز بقوتها وكثرة عددها فراسلوا الصديق وأعلموه بوضعهم الحرج، فأمر الصديق الجيوش بالإنسحاب الى اليرموك والتجمع هناك، وأمر خالد بالسير بنصف جيش العراق نحو جبهات الشام وأمره بقيادة الجيوش هناك.
56- استطاع خالد بن الوليد أن يحقق انتصارات عظيمة على جيوش الشام من أهمها معركة اجنادين واليرموك.
57- يمكن للباحث أن يستنبط أهم معالم السياسة الخارجية في دولة الصديق وهي، بذر هيبة الدولة في نفوس الأمم الأخرى، مواصلة الجهاد الذي أمر به الرسول ، العدل بين الأمم المفتوحة والرفق بأهلها، رفع الإكراه عن الأمم المفتوحة، وإزالة الحواجز البشري بينهم وبين الاسلام.
58- إن المطالع للفتوحات في عهد الصديق  يمكن له أن يستنتج خطوط رئيسية للخطة الحربية التي سار عليها، وكيف تعامل هذا الخليفة العظيم مع سنّة الأخذ بالأسباب؟ وكيف كانت هذه الخطة المحكمة عاملاً من عوامل نزول النصر والتمكين من الله عز وجل للمسلمين ومن هذه الخطوط مايلي: عدم الإيغال في بلاد العدو حتى تدين للمسلمين، التعبئة وحشد القوات، تنظيم عملية الإمداد للجيوش، تحديد الهدف من الحرب، إعطاء الأفضلية لمسارح العمليات، عزل ميدان المعركة، التطور في أساليب القتال، سلامة خطوط الاتصال مع القادة، ذكاء الخليفة وفطنته.
59- بين الصديق في توجيهاته للقادة والجنود حقوق الله تعالى، كمصابرة العدو، وأخلاص قتالهم لله، وأداء الأمانة، وعدم الممالئة والمحاباة في نصر دين الله، ووضع حقوق القادة على الجنود والرعية، كالتزام طاعته، والمسارعة الى امتثال أمره، وعدم مسارعته في شيء من قسمة الغنائم وغير ذلك من الحقوق وفصل الصديق  من خلال وصاياه ورسائله في حقوق الجند، كستعراضهم، وتفقد أحوالهم، والرفق بهم في السير، وأن يقيم عليهم العرفاء والنقباء، واختيار مواضع نزولهم لمحاربة العدو، وإعداد مايحتاج إليه الجند من زاد وعلوفة، والتعرف على أخبار العدو بالجواسيس الثقات لسلامة الجند، وتحريضهم على الجهاد، وتذكريهم بثواب الله وفضل الشهادة، ومشاورة ذوي الرأي منهم، وأن يلزمهم بما أوجبه الله من حقوق، وأن ينهاهم عن الإشتغال عن الجهاد بزراعة أو تجارة، وكل هذه الحقوق قد استخرجت من رسائله ووصاياه للقادة.
60- إن المتأمل في حركة الفتح الاسلامي يرى توفيق الله تعالى لجيوش الخليفة أبي بكر ، فقد استطاعت تلك الجيوش المظفرة أن تكسر شوكة الرومان والفرس وفتح تلك الديار في وقت قياسي في تاريخ الحروب ومن أهم أسباب تلك الفتوح؛ إيمان المسلمين بالحق الذي يقاتلون من أجله، تأصل الصفات الحربية في المسلمين، سماحة المسلمين وعدالتهم مع تلك الشعوب، رحمة المسلمين في تقدير الجزية والخراج ووفائهم بعهودهم، ثروة ا لمسلمين الواسعة من الرجال والقادة العظام، إحكام الخطة الاسلامية الحربية وغير ذلك من الأسباب.
61- عندما نزل المرض بالصديق وأشرف على الموت قام بعدة إجراءات عملية لتتم عملية اختيار الخليفة القادم وهي: استشار كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وبعد أن تم ترشيح الصديق لعمر ووافق معظم الصحابة على ذلك كتب عهداً مكتوباً يقرأ على الناس في المدينة وفي الأمصار، وأخبر عمر بن الخطاب بخطواته القادمة وعرّفه ماعزم عليه وألزمه بذلك، وابلغ الناس بلسانه وأعيا مدركاً حتى لايحصل أي لبس، وتوجه بالدعاء الى الله يناجيه ويبثه كوامن نفسه، وكلف عثمان بن عفان أن يتولى قراءة العهد على الناس وأخذ البيعة لعمر قبل موته، وقام بتوجيه الفاروق عندما اختلى به.
62- إن الخطوات التي سار عليها أبوبكر الصديق في اختيار خليفته من بعده لاتتجاوز الشورى بأي حال من الأحوال، وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه، وهكذا تم عقد الخلافة لعمر  بالشورى والاتفاق ولم يرد التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولا أن أحداً نهض طوال عهده لينازعه الأمر، بل كان هناك إجماع على خلافته وعلى طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة.
63- خرج أبوبكر الصديق من هذه الدنيا بعد جهاد عظيم في سبيل نشر دين الله في الآفاق وستظل الحضارة الانسانية مدينة لهذا الشيخ الجليل الذي حمل لواء دعوة الرسول  بعد وفاته وحمى غرسه عليه الصلاة والسلام، وقام برعاية بذور العدل والحرية وسقاها أزكى دماء الشهداء، فآتت من كل الثمرات عطاءً جزيلاً حقق عبر التاريخ تقدماً عظيماً في العلوم والثقافة والفكر، وستظل الحضارة مدينة للصديق، لأنه بجهاد الرائع، وبصبره العظيم حمى الله به دين الاسلام في ثباته في الردة ونشر اللله به الاسلام في الأمم والدول والشعوب بحركة الفتوحات العظيمة.
64- إن هذا المجهود المتواضع قابل للنقد والتوجيه وماهي إلا محاولة متواضعة هدفها معرفة حقيقة عصر الخلافة الراشدة لكي نستفيد منها في حركتنا المستمرة لتحكيم شرع الله ونشر دعوته في دنيا الناس وبيني وبين الناقد قول الشاعر:
إن تجد عيباً فسد الخللا
جلّ من لا عيب فيه وعلا
وأسأل الله العلي العظيم رب العرش الكريم أن يتقبل هذا الجهد قبولاً حسناً وأن يبارك فيه وأن يجعله من أعمالي الصالحة التي أتقرب بها إليه وأن لايحرمني ولا إخواني الذين أعانوني على أكماله من الأجر والمثوبة ورفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (سورة الحشر، الاية:10) وبقول الشاعر ابن الوردي لابنه:
اطلب العلم ولا تكسل فما
أبعد الخير على أهل الكسل
احتفل للفقه في الدين ولا
تشتغل عنه بمال وَحَولْ
واهجر النوم وحَصِّله فمن
يعرف المطلوب يحقر مابذل
لاتقل قد ذهبت اربابه
كل من سار على الدرب وصلْ
(سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك)
(وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين)





















المصادر والمراجع


1. أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ. د.ابراهيم علي شعوط المكتب الإسلامي، الطبعة السادسة، 1408هـ-1988م.
2. أبو بكر الصديق، أول الخلفاء الراشدين، محمد رشيد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403هـ-1983م.
3. أبو بكر الصديق، افضل الصحابة وأحقهم بالخلافة، محمد بن عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، دار القاسم، الطبعة الأولى، 1417هـ-1996م.
4. أبو بكر الصديق، د. نزار الحديثي، د.خالد جاسم الجنابي، دار الشؤون الثقافية العامة، العراق، الطبعة الأولى، 1989م.
5. أبو بكر الصديق، علي طنطاوي، دار المنارة، جدة السعودية، الطبعة الثالثة، 1406هـ-1986م.
6. أبو بكر الصديق، محمد مال الله، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الأولى، 1410هـ-1989م.
7. أبو بكر رجل الدولة، مجدي حمدي، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، 1415هـ.
8. الأحكام السلطانية لأبي الحسن الماوردي، دار الكتب العلمية، بيروت.
9. أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ، استخلاف ابو بكر الصديق، د. جمال عبدالهادي محمد مسعود، دكتور محمد رفعت جمعة، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الأولى، 1406هـ-1986م.
10. الأساس في السنة، سعيد حوى، دار السلام بمصر، الطبعة الأولى، 1409هـ-1989م.
11. أسد الغابة في معرفة الصحابة، لأبي الحسن علي بن محمد الجزري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1417هـ-1996م.
12. أشهر مشاهير الإسلام في الحرب والسياسة، رفيق العظم، دار الرائد العربي، بيروت-لبنان، الطبعة السادسة، 1403هـ-1983م.
13. أصحاب الرسول، محمود المصري، مكتبة أبي حذيفة السلفي، الطبعة الأولى، 1420هـ-1999م.
14. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجنكي الشنقيطي، مطبعة المدني، 1386هـ.
15. أضواء على الهجرة، لتوفيق محمد سبع، مطبعة الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، 1393هـ-1973م.
16. الأنصار في العصر الراشدي (سياسيا وعسكريا وفكريا) للدكتور حامد محمد خليفة، رسالة دكتوراه من كلية الآداب في جامعة بغداد لم تطبع من صورة مصورة.
17. الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري، ط، الجامعة الإسلامية، 1975م.
18. الإحسان في صحيح ابن حبان، علاء الدين علي بن بلبان الفارسي مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ-1991م.
19. الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية نشأتها وتطورها، الدكتور سليمان بن صالح بن سليمان آل كمال، جامعة أم القرى معهد البحوث وإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1419هـ-1998م.
20. الإصابة في تمييز الصحابة، احمد بن علي بن حجر، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1415هـ-1995م.
21. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، عبدالله بن عمر بن سليمان الدميجي، دار طيبة السعودية، الطبعة الثانية، 1409هـ.
22. الإيمان وأثره في الحياة، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة العاشرة، 1405هـ-1984م.
23. الابعاد السياسية لمفهوم الأمن في الإسلام، مصطفى محمود منجود، المعهد العالي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1417هـ-1996م.
24. اتمام الوفاء في سيرة الخلفاء، محمد الخضري، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ-1996م.
25. احكام المرتد في الشريعة الإسلامية، نعمان عبدالرزاق السامرائي، دار العربية، 1968م.
26. الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لأبي عمر بن عبدالبر، دار الكتاب العربي، بيروت.
27. الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة لأبي بكر احمد بن الحسين البيهقي، الناشر، حديث أكاديمي نشاط آباد فيصل آباد، باكستان.
28. الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء لأبي الربيع سليمان الكلاعي الأندلسي، عالم الكتب بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ-1997م.
29. البداية والنهاية، أبو الفداء الحافظ بن كثير الدمشقي، دار الريان، القاهرة، الطبعة الأولى، 1408هـ-1988م.
30. تاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر الطبري، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى،1407هـ-1987م.
31. تاريخ الأنصار السياسي، د.عبدالمنعم الدسوقي، دار الخلفاء، مصر.
32. تاريخ الإسلام للذهبي، عهد الخلفاء الراشدين، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى،1407هـ-1987م.
33. التاريخ الإسلامي، الخلفاء الراشدون، محمود شاكر، المكتب الإسلامي، الطبعة الخامسة، 1411هـ-1990م.
34. التاريخ الإسلامي، مواقف وعبر، د. عبدالعزيز عبدالله الحميدي، دار الدعوة، الاسكندرية، دار الأندلس الخضراء جدة، الطبعة الأولى، 1418هـ-1998م.
35. تاريخ الخلافة الراشدة، محمد بن أحمد كنعان، مؤسسة المعارف، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1417هـ-1997م.
36. تاريخ الخلفاء، للإمام جلال الدين السيوطي، عُني بتحقيقه، إبراهيم صالح، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ-1997م.
37. تاريخ الدعوة إلى الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين، د. يسري محمد هاني، الطبعة الأولى، 1418هـ، جامعة أم القرى، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث.
38. تاريخ الدعوة الإسلامية في زمن الرسول  والخلفاء الراشدين، د. جميل عبدالله المصري، مكتبة الدار بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1407هـ-1987م.
39. التاريخ السياسي والعسكرين د. علي معطي، مؤسسة المعارف، بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ-1998م.
40. تاريخ القضاء في الإسلام، د.محمد الزحيلي، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1415هـ-1995م.
41. تاريخ اليعقوبي، دار بيروت للطباعة والنشر، طبعة 1400هـ-1980م.
42. تاريخ بغداد، أو مدينة السلام، لأبي بكر احمد بن علي الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
43. تاريخ صدر الإسلام وفجره، د.شحادة علي الناطور، 1995م.
44. تاريخ فتوح الشام، تحقيق عبدالمنعم عبدالله عامر، لأبي زكريا يزيد بن محمد الأزدي، مؤسسة القاهرة، 1970م.
45. التبيين في انساب القرشيين، لأبي محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، عالم الكتب، بيروت.
46. التحالف السياسي في الإسلام، منير الغضبان، دار السلام، الطبعة الثانية، 1408هـ-1988م.
47. تحفة الأحوذي بشرح الترمذي، عبدالرحمن بن عبدالرحيم المباكفوري، دار الاتحاد العربي للطباعة، الطبعة الثانية، 1385هـ-1965م.
48. تراث الخلفاء الراشدين في الفقه الإسلامي، د. صبحي محمصاني، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، 1984م.
49. التربية القيادية، للغضبان، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الأولى، 1418هـ-1998م.
50. ترتيب وتهذيب البداية والنهاية، خلافة أبي بكر الصديق، د.محمد بن صامل السُّلمي، دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى، 1418هـ-1997م.
51. تفسير ابن كثير، دار الفكر للطباعة، بيروت، الطبعة الثانية، 1389هـ-1970م.
52. تفسير الآلوسي، المسمى روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي(محمود الآلوسي البغدادي)، إدارة الطباعة المصطفائية بالهند، بدون ذكر سنة الطبع.
53. تفسير الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة.
54. تفسير القاسمي، المسمى محاسن التأويل، محمد جمال الدين القاسمي، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1398هـ-1978م.
55. تفسير القرطبي، لأبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1965م.
56. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر المعاصر بيروت، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1411هـ-1991م.
57. التفوق والنجابة على نهج الصحابة، حمد بن بليه بن مرهان العجمي، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى.
58. التمكين للأمة الإسلامية في ضوء القرآن الكريم، محمد السيد محمد يوسف، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى، 1418هـ-1997م.
59. تهذيب تاريخ دمشق الكبير، لابن عساكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1407هـ-1987م.
60. الثابتون على الإسلام، أيام فتنة الردة، في عهد الخليفة ابي بكر الصديق، د. مهد رزق الله احمد، دار طيبة، الطبعة الأولى، 1417هـ-1996م.
61. جامع الأصول في أحاديث الرسول، ابو السعادات المبارك بن محمد الجزري، تحقيق عبدالقادر الأرناؤط، طبع مكتبة الحلواني، سوريا، عام 1392هـ.
62. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، مكتبة المعارف بالرياض، 1403هـ-1983م.
63. الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، محمد خير هيكل، الطبعة الأولى، 1414هـ-1993م، دار البيارق، عمان.
64. الحجاز والدولة الإسلامية، د.ابراهيم بيضون، دار النهضة العربية، طبعة،1416هـ-1995م.
65. الحرب النفسية من منظور إسلامي، د. أحمد نوفل، دار الفرقان، عمّان، طبعة عام 1407هـ-1987م.
66. حركة الردة، د. علي العتوم، مكتبة الرسالة الحديثة، عمّان، الطبعة الثانية،1997م.
67. الحركة السنوسية في ليبيا، علي محمد الصلاّبي، دار البيارق، عمان، طبعة أولى، 1999م.
68. حركة الفتح الإسلامي، شكري فيصل، دار العلم للملايين، الطبعة السادسة،1982م.
69. حروب الإسلام في الشام، محمد احمد باشميل، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1400هـ-1980م.
70. حروب الردة من قيادة النبي إلى أمرة أبي بكر، شوقي أبو خليل، دار الفكر، دمشق.
71. حروب الردة وبناء الدولة الإسلامية، احمد سعيد بن سالم، دار المنار، 1415هـ-194م.
72. حروب الردة، محمد احمد باشميل، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1399هـ-1979م.
73. الحكم بغير ماأنزل الله، أحواله وأحكامه، د. عبدالرحمن بن صالح المحمود، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، 1420هـ-1999م.
74. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم أحمد بن عبدالله الأصفهاني، دار الكتب العلمية، بيروت.
75. حياة أبي بكر، محمود شلبي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، عام 1979م.
76. خاتم النبيين لأبي زهرة، الطبعة الأولى، 1972م، دار الفكر، بيروت.
77. خالد بن الوليد، صادق ابراهيم عرجُون، الدار السعودية، الطبعة الرابعة، 1407هـ-1987م.
78. الخراج لأبي يوسف، منشورات مكتبة الرياض الحديثة، بدون تاريخ طبع.
79. خطب أبي بكر الصديق، د. محمد أحمد عاشور، جمال عبدالمنعم الكومي، دار الاعتصام.
80. الخلافة الراشدة والدولة الأموية من فتح الباري د. يحيى إبراهيم اليحيى، دار الهجرة، السعودية، الطبعة الأولى، 1417هـ-1996م.
81. الخلافة والخلفاء الراشدون بين الشورى والديمقراطية، سالم بهنساوي، مكتبة المنارالإسلامية، الكويت، الطبعة الثانية، 1418هـ-1997م.
82. الخلفاء الراشدون بين الاستخلاف والاستشهاد، صلاح عبدالفتاح الخالدي، دار القلم، دمشق، الدّار الشامية، بيروت، الطبعة الأولى، 1416هـ-1995م.
83. الخلفاء الراشدون، عبدالوهاب النجار، دار القلم، بيروت، الطبعة الأولى،1406هـ-1986م.
84. خلفاء الرسول، خالد محمد خالد، دار ثابت القاهرة، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1415هـ-1994م.
85. الدر المنثور في التفسير بالمأثور، الإمام السيوطي، الناشر، محمد أمين دمج، بيروت-لبنان.
86. دراسات في الحضارة الإسلامية، احمد ابراهيم الشريف دار الفكر العربي.
87. دراسات في السيرة النبوية، عماد الدين خليل، الطبعة الحادية عشر، 1409هـ-1989م، بيروت.
88. دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة، د.عبدالرحمن الشجاع، دار الفكر المعاصر، الطبعة الأولى، 1419هـ-1999م.
89. دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، لأبي بكر احمد البيهقي، تحقيق عبدالمعطي قلعجي، الطبعة الأولى، 1405هـ، دار الكتب العلمية بيروت.
90. دواعي الفتوحات الإسلامية ودواعي المستشرقين، د.جميل عبدالله المصري، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، الطبعة الأولى،1411هـ-1991م.
91. دور الحجاز في الحياة السياسية العامة في القرنين الأول والثاني للهجرة، د. احمد ابراهيم الشريف، دار الفكر العربي، الطبعة الثانية، 1977م.
92. الدور السياسي للصفوة في صدر الإسلام، السيد عمر، الطبعة الأولى، 1417هـ-1996م، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1417هـ-1996م.
93. الدولة العربية الإسلامية الأولى، عصام محمد سابور، دار النهضة العربية بيروت، الطبعة الثالثة، 1995م.
94. الدولة العربية الإسلامية، منصور الحرابي، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية الليبية، الطبعة الثانية، 1396هـ-1987م.
95. ديوان الردة، د. علي العتوم، مكتبة الرسالة الحديثة، عمّان، الطبعة الأولى، 1408هـ-1987م.
96. ديوان حساب بن ثابت، تحقيق وليد عرفات.
97. الرياض النظرة في مناقب العشرة، أبي جعفر احمد الشهير بالمحب الطبري، المتوفى 694هـ، المكتبة القيمة القاهرة.
98. سلسلة الأحاديث الصحيحة لمحمد ناصر الدين الألباني، منشورات المكتب الإسلامي.
99. سنن أبي داود، سليمان السجستاني، تحقيق وتعليق عزت الدعاس، 1391هـ سوريا.
100. سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، دار الفكر، 1398هـ.
101. السياسة الشرعية بين الراعي والرعية، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
102. سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، مؤسسة الرسالة، الطبعة السابعة، 1410هـ-1990م.
103. السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون، علي بن برهان الدين الحلبي، دار المعرفة.
104. السيرة النبوية عرض لوقائعها وتحليل لأحداثها، د.علي محمد الصلاّبي، لم تطبع بعد.
105. السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، د.مهدي رزق الله احمد، الطبعة الأولى، 1412هـ، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض.
106. السيرة النبوية لأبي شهبة، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 1417هـ-1996م.
107. السيرة النبوية لابن هشام، دار احياء التراث، الطبعة الثانية، 1417هـ-1997م.
108. السيرة النبوية، دروس وعبر، د.مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة التاسعة، 1406هـ-1986م.
109. السيرة النبوية، لابن كثير، للإمام ابي الفداء اسماعيل، تحقيق، مصطفى عبدالواحد، الطبعة الثانية، 1398هـ، دار الفكر بيروت.
110. سيرة وحياة الصديق، مجدي فتحي السيد، دار الصحابة للتراث بطنطا، الطبعة الأولى، 1417هـ-1996م.
111. الشورى بين الأصالة والمعاصرة، عز الدين التميمي، دار البشير، الطبعة الأولى، 1405هـ-1985م.
112. الشيخان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب برواية البلاذري في أنساب الأشراف، تحقيق د. إحسان صدقي العمد، المؤتمن للنشر، السعودية، الطبعة الثالثة، 1418هـ-1997م.
113. صحيح البخاري، لأبي عبدالله محمد بن اسماعيل البخاري، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1411هـ-1991م.
114. صحيح الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة، 1408هـ-1988م، المكتب الإسلامي بيروت، لبنان.
115. صحيح السيرة النبوية، ابراهيم صالح العلي، دار النفائس، الطبعة الثالثة، 1408هـ-1998م.
116. الصحيح المسند من فضائل الصحابة، لأبي عبدالله مصطفى العدوي، دار ابن عفّان، السعودية، الطبعة الأولى، 1416هـ-1995م.
117. صحيح سنن ابن ماجة، لمحمد ناصر الدين الألباني، منشورات المكتب الإسلامي.
118. صحيح سنن ابي داود، لمحمد ناصر الدين الألباني، منشورات المكتب الإسلامي.
119. صحيح مسلم، بشرح النووي، المطبعة المصرية بالأزهر، الطبعة الأولى، 1347هـ-1929م.
120. صحيح مسلم، تحقيق، محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان الطبعة الثانية، 1972م.
121. الصديق أول الخلفاء، عبدالرحمن الشرقاوي، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، 1410هـ-1990م.
122. الصديق، أبو بكر، محمد حسين هيكل، دار المعارف بمصر، ط،1971م.
123. صفة الصفوة، للإمام أبي الفرج ابن الجوزي، دار المعرفة، بيروت.
124. صفحات من تاريخ ليبيا الإسلامي، علي محمد الصلاّبي، دار البيارق، عمان، 1418هـ-1998م.
125. صور من جهاد الصحابة عمليات جهادية خاصة تنفذها مجموعات خاصة من الصحابة، د. صلاح عبدالفتاح الخالدي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1421هـ-2000م.
126. الطبقات الكبرى لابن سعد، دار صادر بيروت.
127. عبقرية الصديق، عباس محمود العقاد، المكتبة العصرية، بيروت.
128. عتيق العتقاء الإمام ابو بكر الصديق، محمود علي البغدادي، دار الندوة الجديدة، بيروت، الطبعة الأولى، 1414هـ-1994م.
129. العشرة المبشرون بالجنة، د. سيد الجميلي، دار الريان للتراث، بيروت، الطبعة الثانية، 1408هـ-1988م.
130. عصر الخلافة الراشدة، د.أكرم ضياء العمري، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1414هـ-1994م.
131. عصر الخلفاء الراشدين، دكتورة فتحية عبدالفتاح النبراوي، الدار السعودية، الطبعة الثالثة، 1415هـ-1994م.
132. عصر الصحابة، عبدالمنعم الهاشمي، دار ابن كثير، الطبعة الثالثة، 1421هـ-2000م.
133. عقيدة اهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام، د.ناصر بن علي عائض حسن الشيخ، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى،1413هـ-1993م.
134. العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط، د.سليمان بن سالم بن رجاء السحيمي، مكتبة الإمام البخاري، الطبعة الأولى، 1420هـ-200م.
135. العمليات التعرضية والدفاعية عند المسلمين، الرائد نهاد عباس شهاب الجبوري، دار الحرية، بغداد.
136. العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، إعداد محمد سعيد مبيَّض، دار الثقافة، الدوحة، الطبعة الثانية، 1989م.
137. عيون الأخبار، لأبي محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1406هـ-1986م.
138. فتح الباري: المطبعة السلفية، الطبعة الثانية، 1401هـ.
139. فتوح البلدان، لأبي العباس احمد بن يحيى البلاذري، مؤسسة المعارف، بيروت، لبنان، 1407هـ-1987م.
140. فتوح الشام، محمد بن عمر الواقدي، دار ابن خلدون.
141. فرائد الكلام للخلفاء الكرام، قاسم عاشور، دار طويق السعودية، الطبعة الأولى، 1419هـ-1998م.
142. الفصلل في الملل والأهواء والنحل، لأبي محمد بن حزم الظاهري مكتبة الخانجي، مصر.
143. فضائل الصحابة، لأبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل، دار ابن الجوزي، السعودية، الطبعة الثانية، 1420هـ-1999م.
144. فقه التمكين في القرآن الكريم، د. علي محمد الصلاّبي، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الأولى، 1421هـ-2001م.
145. فقه الشورى والاستشارة، د. توفيق الشاوي، دار الوفاء بالمنصورة، الطبعة الثانية، 1413هـ-1992م.
146. الفن العسكري الإسلامي، د.ياسين سويد، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، لبنان، الطبعة الأولى، 1409هـ-1988م.
147. في التاريخ الإسلامي، د. شوقي ابو خليل، دار الفكر المعاصر، بيروت، الطبعة الثانية، 1417هـ-1996م.
148. في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، الطبعة التاسعة، 1400هـ-1980م.
149. قراءة سياسية للسيرة النبوية، محمد قلعجي، دار النفائس، الطبعة الأولى، 1416هـ-1996م، بيروت-لبنان.
150. قصة بعث جيش أسامة، د. فضل إلهي، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الثانية، 420هـ-2000م.
151. القيادة العسكرية في عهد الرسول ،د.عبدالله محمد الرشيد، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1410هـ-1990م.
152. الكامل في التاريخ، أبو الحسن علي بن أبي المكارم الشيباني المعروف بابن الأثير، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1408هـ-1989م.
153. كيف نكتب التاريخ الإسلامي، محمد قطب، دار الوطن، السعودية، الطبعة الأولى،1412هـ.
154. لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي.
155. مآثر الانافة في معالم الخلافة للقلقشندي، تحقيق عبدالستار أحمد الفرج، عالم الكتب، بيروت.
156. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الريان، القاهرة، دار الكتاب العربي، بيروت.
157. مجموعة الفتاوي، تقي الدين أحمد بن تيمية الحرّابي، دار الوفاء، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى، 1418هـ-1997م.
158. مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، محمد حميد الله، دار النفائس، الطبعة الخامسة، 1405هـ-1985م.
159. محمد رسول الله، محمد صادق عرجون، دار القلم، الطبعة الثانية، 1415هـ-1995م.
160. محنة المسلمين في العهد المكي، د.سليمان السويكت، مكتبة التوبة، الرياض، الطبعة الأولى، 1412هـ-1992م.
161. المرتضى، سيرة أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب لأبي الحسن الندوي، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 1419هـ-1998م.
162. مرض النبي ووفاته وأثره على الأمة، خالد أبو صالح، دار الوطن، الطبعة الأولى، 1414هـ.
163. مروج الذهب ومعادن الجواهر، لأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، دار المعرفة، بيروت، 1403هـ-1982م.
164. مرويات ابي مخنق في تاريخ الطبري، عصر الخلافة الراشدة د. يحيى ابراهيم اليحيى، دار العاصمة بالرياض الطبعة الأولى، 1410هـ.
165. المستدرك على الصحيحن، لأبي عبدالله محمد بن عبدالله النيسابوري، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1411هـ-1990م.
166. المستفاد من قصص القرآن، عبدالكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى،1418هـ-1997م.
167. المسلمون والروم في عصر النبوة، د.عبدالرحمن احمد سالم، دار الفكر العربي، طبعة 1418هـ-1997م.
168. معارك خالد بن الوليد ضد الفرس، عبدالجبار محمود السامرائي، الدار العربية للموسوعات، لبنان، الطبعة الأولى 1984م.
169. معارك خالد بن الوليد، د. ياسين سويد، المؤسسة العربية للدراسة والنشر، الطبعة الرابعة، 1989م.
170. معجم البلدان ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، 1397هـ-1977م.
171. المعجم الكبير لأبي القاسم سليمان بن احمد الطبراني، 260هـ-360هـ دار مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية، 1406هـ-1985م.
172. المغازي، للواقدي، محمد بن عمر بن واقد، تحقيق مارسدن جوسن، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثالثة، 1404هـ-1984م.
173. مقدمة ابن خلدون.
174. مقومات النصر في ضوء القرآن والسنة، د.أحمد أبو الشباب المكتبة العصرية، بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ-1999م.
175. ملامح الشورى في الدعوة الإسلامية، عدنان علي رضا النحوي، الطبعة الثانية، 1404هـ-1984م.
176. من دولة عمر إلى دولة عبدالملك، ابراهيم بيضون، دار النهضة العربية، بيروت، 1411هـ-1991م.
177. من معين السيرة، صالح أحمد الشامي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، 1413هـ-1992م.
178. منهاج السنة لابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة.
179. منهج كتابة التاريخ الإسلامي، محمد صامل العلياني، دار طيبة، الطبعة الأولى، 1406هـ-1986م.
180. مواقف الصديق مع النبي في مكة، د. عاطف لماضة دار الصحابة، التراث بطنطا، مصر، الطبعة الأولى، 1413هـ-1993م.
181. مواقف الصديق، مع النبي في المدينة، د.عاطف لماضة، دار الصحابة للتراث، الطبعة الأولى، 1413هـ-1993م.
182. موسوعة التاريخ الإسلامي، د.أحمد شاكر، مكتبة النهضة المصرية،القاهرة، الطبعة الثانية عشر، 1987.
183. موسوعة فقه أبي بكر الصديق، د.محمد روّاس قلعجي، دار النفائس، الطبعة الثانية، 1415هـ-1994م.
184. موسوعة نظرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، مجموعة من العلماء بإشراف صالح عبدالله بن حميد إمام وخطيب الحرم المكي، الطبعة الأولى، 1418هـ-1998م، دار الوسيلة، جدة.
185. نسب قريش: ابو عبدالله مصعب بن عبدالله بن المصعب الزبيري، دار المعارف، القاهرة.
186. نظام الحكم في الإسلام، عارف أبو عيد، دار النفائس الأردن، الطبعة الأولى، 1416هـ-1996م.
187. نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ظافر القاسمي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثالثة، 1407هـ-1987م.
188. نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين، حمد محمد العمد، المؤسسة الجماعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1414هـ-1994م.
189. نظام الحكومة النبوية، المسمى التراتيب الإدارية، محمد عبدالحي الكتاني الإدريسي الحسن الفاسي، شركة الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت.
190. نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم، محمد الطاهر بن عاشور.
191. النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، تحقيق طاهر احمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي.
192. نونية القحطاني، لأبي محمد عبدالله بن محمد الأندلسي القحطاني، دار السوادي، السعودية، الطبعة الثالثة. 1410هـ-1989م.
193. الهجرة النبوية المباركة، د.عبدالرحمن البر، دار الكلمة، المنصورة، مصر، الطبعة الأولى، 1418هـ-1997م.
194. الهجرة في القرآن الكريم، أحزمي سامعون جزولي، مكتبة الراشد، الرياض، الطبعة الأولى، 1417هـ-1996م.
195. الوحي وتبليغ الرسالة، د.يحيى اليحيى، أخذت من المؤلف صورة قبل الطبع.
196. وقائع ندوة النظم الإسلامية، أبو ظبي، 1405هـ-1984م.
197. ولاية الشرطة في الإسلام، العميد الدكتور نمر بن محمد الحميداني، دار عالم الكتب، الرياض، الطبعة الثانية، 1414هـ-1994م.
198. الولاية على البلدان في عصر الخلفاء الراشدين، د. عبدالعزيز ابراهيم العمري، الطبعة الأولى، 1409هـ.
199. اليمن في صدر الإسلام، د.عبدالرحمن شجاع، دار الفكر، دمشق.
فهرس الكتاب

الموضوع الصفحة
الاهداء............................................................ أ
المقدمة............................................................ ج
الفصل الأول: أبوبكر الصديق رضي عنه في مكة................. 1
المبحث الأول: أسمه ونسبه وكنيته وألقابه وصفته وأسرته وحياته في الجاهلية...................................................................
1
أولاً: أسمه ونسبه وكنيته وألقابه................................... 1
ثانيا: مولده وصفته الخَلْقية......................................... 5
ثالثاً: أسرته....................................................... 6
رابعاً: الرصيد الخُلقي للصديق في المجتمع الجاهلي................ 11
المبحث الثاني: إسلامه ودعوته وابتلاؤه وهجرته الأولى........... 17
أولاً: إسلامه....................................................... 17
ثانياً: دعوته....................................................... 23
ثالثاً: ابتلاؤه....................................................... 25
رابعاً: دفاعه عن النبي صلى الله عليه وسلم....................... 29
خامساً: انفاقه الأموال لتحرير المعذبين في الله..................... 31
سادساً: هجرته الاولى وموقف ابن الدغنة منها..................... 36
سابعاً: بين القبائل العربية في الأسواق............................. 40
المبحث الثالث: هجرته مع رسول الله  الى المدينة............. 45
الموضوع الصفحة
أولاً: قال تعالى {إلا تنصروه فقد نصره الله.....}................. 52
ثانياً: فقه النبي  والصديق في التخطيط والأخذ بالأسباب....... 56
ثالثاً: جندية الصديق الرفيعة وبكائه من الفرح...................... 61
رابعاً: فن قيادة الأرواح وفن التعامل مع النفوس................... 63
خامساً: مرض ابي بكر الصديق بالمدينة في بداية الهجرة.......... 65
المبحث الرابع: الصديق في ميادين الجهاد......................... 69
أولاً: ابوبكر رضي الله عنه في بدر الكبرى....................... 70
ثانياً: في أحد وحمراء الأسد....................................... 75
ثالثاً: في غزوة بني النضير، وبني المصطلق، وفي الخندق، وبني قريضة............................................................
77
رابعاً: في الحديبية................................................. 78
خامساً: في خيبر، وسرية نجد وبني فزارة......................... 82
سادساً: في عمرة القضاء وفي ذات السلاسل....................... 83
سابعاً: في فتح مكة وحنين والطائف............................... 86
ثامناً: في غزوة تبوك، وإمارة الحج، وفي حجة الوداع............. 94
المبحث الخامس: الصديق في المجتمع المدني وبعض صفاته وشيء من فضائله........................................................
99
أولاً: من مواقفه في المجتمع المدني................................ 99
1- موقفه من فنحاص اليهودي.................................... 99
2- حفظ سر النبي ........................................... 100
الموضوع الصفحة
3-الصديق وآية صلاة الجمعة..................................... 101
4-رسول الله ينفي الخيلاء عن أبي بكر........................... 101
5-الصديق وتحريه للحلال........................................ 101
6-أدخلاني في السلم، كما أدخلتماني في الحرب................... 102
7-أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.............................. 102
8-إكرامه للضيوف............................................... 103
9-ماهي بأول بركاتكم ياآل أبي بكر.....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:15 am

عصر الخلفاء الراشدين (1)



أبوبكر الصديق رضي الله عنه
شخصيته وعصره




تأليف
الدكتور علي محمد الصَّلاَّبي



1422هـ - 2001م




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الاسمر
ديري نشيط
ديري نشيط
avatar

الساعة :
دعاء
عدد المساهمات : 217
نقاط : 576
التقيم : 23
تاريخ الميلاد : 14/06/1990
تاريخ التسجيل : 10/05/2012
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره   السبت يوليو 07, 2012 10:16 am

الإهداء

الى العلماء العاملين ، والدعاة المخلصين،
وطلاب العلم المجتهدين،وأبناء الأمة الغيورين
أهدي هذا الكتاب سائلاً المولى عز وجل بأسمائه
الحسنى وصفاته العُلا أن يكون خالصاً
لوجهه الكريم

قال تعالى: ................ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِهِ فَلْيَعمَل عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشرِك بِعِبَادَةِ رَبِه أَحَدَاً.
(سورة الكهف، آية 110)


































إن الحمدلله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (سورة آل عمران : آية 102).
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (سورة النساء، الآية: 1).
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًايُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (سورة الأحزاب، الآيتان:70،71).
أما بعد؛
يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضى.
كان شغفي بسيرة الصديق  منذ الطفولة وكنت شديد الولع بالقراءة والسماع لسيرته العطرة ومضت الأيام ومرت السنون، وأكرمني الله تعالى بالدراسة في الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة وكان من ضمن المواد المقررة في مادة التاريخ الاسلامي تاريخ الخلفاء الراشدين، وقد طلب الاستاذ المحاضر أن ندرس كتاب البداية والنهاية لابن كثير، والكامل لابن الأثير في ترجمة الصديق ولم يكتفي بكتاب التاريخ الاسلامي للشيخ محمود شاكر، فكانت لتلك الارشادات أثر بعد توفيق الله تعالى للتعرف على حقيقة شخصية الصديق وعصره، وعندما سجلت بجامعة ام درمان الاسلامية رسالة الدكتوراه وكان عنوانها فقه التمكين في القرآن الكريم وأثره في تاريخ الأمة، استقر البحث على ثلاثة أبواب، فقه التمكين في القرآن الكريم، فقه التمكين في السيرة النبوية، فقه التمكين عند الخلفاء الراشدين، وكانت أوراق البحث قد جاوزت 1200 صفحة، فرأى الدكتور المشرف أن نكتفي بفقه التمكين في القرآن الكريم وعدّل الخطة على هذا الأساس، وقدم مقترحه لمجلس الكلية فوافق على ذلك، وقال لي بعد المناقشة بإذن الله تعالى تستطيع أن تخرج، فقه التمكين في السيرة النبوية، وفقه التمكين عند الخلفاء الراشدين ككتب، لعل الله ينفع بها المسلمون، وبتوفيق الله وبسبب ماساقه من أسباب تطوّر كتاب فقه التمكين في السيرة النبوية وأصبح السيرة النبوية عرض لوقائعها وتحليل لأحداثها.
وهذا الكتاب الذي أقدم له الآن "أبوبكر الصديق شخصيته وعصره" يرجع الفضل في كتابته للمولى عز وجل ثم للإستاذ الدكتور المشرف على رسالة الدكتواره، ومجموعة خيرة من الدعاة والشيوخ والعلماء الذين شجعوني على الاهتمام بدراسة عصر الخلفاء الراشدين، حتى أن أحدهم قال لي أصبحت هناك فجوة كبيرة بين أبناء المسلمين وذلك العصر وحدث خلط في ترتيب الأولويات حيث صار الشباب يلمّون بسير الدعاة والعلماء والمصلحين أكثر من إلمامهم بسيرة الخلفاء الراشدين، وأن ذلك العصر غني بالجوانب السياسية، والإعلامية والأخلاقية والاقتصادية والفكرية، والجهادية والفقهية التي نحن في أشد الحاجة إليها، ونحتاج أن نتتبع مؤسسات الدولة الاسلامية، وكيف تطورت مع مسيرة الزمن، كالمؤسسة القضائية، والمالية، ونظام الخلافة، والمؤسسة العسكرية، وتعيين الولاة وماحدث من اجتهادات في ذلك العصر عندما احتكت الأمة الاسلامية بالحضارة الفارسية والرومانية، وطبيعة حركة الفتوحات الاسلامية.
كانت بداية هذا الكتاب فكرة إراد الله لها أن تصبح حقيقة، فأخذ الله بيدي وسهل لي الأمور، وذلل الصعاب، وأعانني على الوصول للمراجع والمصادر، وأصبح هذا العمل همّاً سيطر على مشاعري، وتفكيري وأحاسيسي، فجعلته من أهدافي الكبرى، فسهرت له الليالي ولم أبالي بالعوائق ولا الصعاب والفضل لله تعالى الذي أعانني على ذلك قال الشاعر:
الهول في دربي وفي هدفي
وأظَل أمضي غير مضطربِ
ماكنت من نفسي على خَوَرٍ
أو كنت من ربي على رَيبِ
مافي المنايا ماأحاذره
الله ملءُ القصد والأَرَبِ
إن تاريخ عصر الخلفاء الراشدين مليئ بالدروس والعبر وهي متناثرة في بطون الكتب والمصادر والمراجع سواء كانت تاريخية أو حديثية أو فقهية أو أدبية أو تفسيرية، فنحن في أشد الحاجة لجمعها وترتيبها وتوثيقها وتحليلها، فتاريخ الخلافة إذا أحسن عرضه يغذي الأرواح ويهذب النفوس، وينور العقول، ويشحذ الهمم، ويقدم الدروس، ويسهل العبر، وينضج الأفكار، فنستفيد من ذلك في إعداد الجيل المسلم وتربيته على منهاج النبوة، ونتعرف على حياة وعصر من قال الله فيهم: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (سورة التوبة، آية: 100).
وقال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا....} (سورة الفتح، الآية: 29).
وقال فيهم رسول الله : (خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم...)( ).
وقال فيهم عبدالله بن مسعود: من كان مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحي لاتؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد، كانوا والله أفضل هذه الأمة، وابرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم( )، فالصحابة قاموا بتطبيق أحكام الإسلام ونشروه في مشارق الأرض ومغاربها فعصرهم خير العصور، فهم الذين علموا الأمة القرآن الكريم ورووا لها السنن والآثار عن رسول الله ، فتاريخهم هو الكنز الذي حفظ مدخرات الأمة في الفكر والثقافة والعلم والجهاد، وحركة الفتوحات والتعامل مع الشعوب والأمم، فتجد الأجيال في هذا التاريخ المجيد مايعينها على مواصلة رحلتها في الحياة على منهج صحيح وهدي رشيد وتعرف من خلاله حقيقة رسالتها ودورها في دنيا الناس، وقد عرف الأعداء من اليهود والنصارى والعلمانيين والماركسيين والروافض وغيرهم خطورة التاريخ وأثره في صياغة النفوس وتفجير الطاقات، فعملوا على تشويهه وتزويره وتحريفه وتشكيك الأجيال فيه، فقد لعبت فيه الأيدي الخبيثة في الماضي وحرفته أيدي المستشرقين في الحاضر، ففي الماضي تعرض تاريخنا الاسلامي للتحريف والتشويه على ايدي اليهود والنصارى والمجوس والرافضة الذين اظهروا الاسلام وأبطنوا الكفر إذ رأوا أن كيد الاسلام على الحيلة أشد نكاية فيه وفي أهله، فأخذوا يدبرون المؤامرات في الخفاء لهدم الاسلام وتفتيت دولته، وتفريق اتباعه، وذلك عن طريق تزيييف الأخبار، وترويج الشائعات الكاذبة وتدبير الفتن ضد الخليفة الراشد عثمان بن عفان  فقام عبدالله بن سبأ اليهودي وأتباعه بالدور الكبير في إشعال نار الفتنة التي أودت بحياة الخليفة الراشدي الثالث، وكذلك إشعال المعركة بين المسلمين في موقعة الجمل بعد أن كاد يتم الصلح بين الطرفين، الى غير ذلك من التحركات والمؤامرات التي قصد بها النيل من الاسلام واتباعه هذا بالإضافة الى الروايات الضعيفة والموضوعة الواردة في مصادر التاريخ الاسلامي -وهي تشوه سيرة الصحابة- كرواية التحكيم التي تتهم بعضهم بالخداع أو الغباء أو التعلق بالجاه والسلطة والهدف من وضع هذه الروايات الطعن في الاسلام بطريقة غير مباشرة لأن الاسلام لم يؤده لنا إلا الصحابة، والتشكيك في ثقتهم وعدالتهم هو تشكيك بالتالي في صحة الاسلام... هذا وقد استغل المستشرقون هذه الروايات الموضوعة -ومن سار على نهجهم من اذنابهم ممن يتكلمون بلغتنا، فركزوا على التوسع في البحث فيها، بل كانت مغنماً تسابقوا الى اقتسامه مادامت تخدم أغراضهم للطعن في الاسلام والنيل من أعراض الصحابة الكرام( )...لقد قام الأعداء بصياغة تاريخنا وفق مناهجهم المنحرفة وتأثر بعض المؤرخين المسلمين بتلك المناهج المستوردة فأصبحت كتابتهم في العقود الماضية ترجمة حرفية لما كتبه المستشرقون والماركسيون والروافض واليهود وغيرهم من أعداء الأمة، وذلك لأنهم لايملكون تصوراً حقيقياً لروح الاسلام وطبيعته، حيث إن كتابة التاريخ الاسلامي تحتاج حتماً الى إدراك طبيعة الفكرة الاسلامية، ونظرتها الى الحياة والأحداث والأشياء، ووزنها للقيم التي عليها الناس، وتأثيرها في الأرواح والأفكار وصياغتها للنفوس والشخصيات ... ودراسة الشخصيات الاسلامية على وجه خاص- تقتضي إدراكاً كاملاً لطبيعة استجابة الشخصيات الاسلامية لإيحاءات الفكرة الاسلامية، فإن طريقة استجابة تلك الشخصيات لهذه الإيحات، مسألة هامة في صياغة شعورها بالقيم وسلوكها في الحياة، وتفاعلها مع الأحداث، ولن يدرك طبيعة الفكرة الاسلامية، ولا طريقة استجابة الشخصيات الاسلامية لها إلا كاتب مؤمن بهذه الفكرة مستجيب لها من أعماقه لكي يكون ادراكه لها ناشئاً عن تلبس ضميره بها، لا عن رصدها من الخارج، بالذهن المتجرد البارد( ).
وبسبب غياب ذلك المنهج وقع بعض المعاصرين من المؤرخين والكتّاب والأدباء في تشويه صورة سلف هذه الأمة، وأظهروا الصحابة بمظهر التكالب على الدنيا وسفك الدماء للوصول الى الغايات التي ينشدوها من الاستيلاء على الحكم والتنكيل بخصومهم، فتناولوا ذلك بعيداً عن فهم حقيقة الجيل الذي تربى في مدرسة المصطفى  وبعيداً عن تأثرهم بالاسلام وعقيدته وأصوله وبسبب تلك الكتابات نشأ جيل لايعرف عن تاريخه إلا الحروب وسفك الدماء والخداع والمكر والحيلة، وأصبحت صورة الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً مشوهة مما جعل بعض المسلمين يردد تلك الأباطيل دون أن يعي الحقيقة، بل مجرد أن تلك الأباطيل مسطرة في كتاب زيد أو عمرو من الكتّاب( ).
إن إعادة كتابة التاريخ الاسلامي بمنهج أهل السنّة والجماعة أصبح ضرورة ملحة لأبناء الأمة وقد بدأت أقلام الباحثين والكتّاب تصيغ التاريخ من هذا المنظور وهم لم يبدوا من فراغ، لأن الله حمى دينه وحمى أمته فقيض لتاريخ الصحابة من يحقق وقائعه ويصحح أخباره ويكشف الستار عن الوضاعين والكذابين من ملقفي الأخبار ويرجع الفضل في ذلك التصحيح الى الله ثم أهل السنّة والجماعة من أئمة الفقهاء والمحدثين الذين حفلت مصادرهم بالكثير من الإشارات والروايات الصحيحة التي تنقض وترد كل ماوضعه الملفقون( ). وقد سرت على أصول منهج أهل السنّة، فعكفت على المصادر والمراجع القديمة والحديثة ولم أعتمد في دراسة عصر الخلفاء الراشدين على الطبري وابن الأثير والذهبي وكُتب التاريخ المشهورة فقط، بل رجعت الى كتب التفسير، والحديث وشروحها، وكتب التراجم والجرح والتعديل ، وكتب الفقه، فوجدت فيها مادة تاريخية غزيرة يصعب الوقوف على حقيقتها في الكتب التاريخية المعروفة والمتداولة وقد بدأت بالكتابة عن أبي بكر الصديق  متناولاً شخصيته وعصره، فهو سيد الخلفاء الراشدين وقد حثنا رسول الله  وأمرنا باتباع سنتهم والإهتداء بهديهم. قال : (عليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)( )، فأبوبكر  سيد الصديقين وخير الصالحين بعد الأنبياء والمرسلين، فهو أفضل أصحاب رسول الله  وأعلمهم وأشرفهم على الاطلاق فقد قال فيه رسول الله : (لو كنت متخذاً خليلاً لأتخذت أبابكر، ولكن أخي وصاحبي)( )، وقد قال فيه رسول الله  وفي عمر أيضاً: (اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر)( )، وشهد له عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بقوله: أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا الى رسول الله ( )، وقال عنه علي بن أبي طالب  لما ساله ابنه محمد بن الحنفية بقوله : أي الناس خير بعد رسول الله ؟ قال : أبو بكر( ).
إن حياة أبي بكر  صفحة مشرقة من التاريخ الاسلامي، الذي بهر كل تاريخ وفاقه، والذي لم تَحْوِ تواريخ الأمم مجتمعة بعض ماحوى من الشرف والمجد، والإخلاص والجهاد والدعوة لأجل المبادئ السامية لذلك قمت بتتبع أخباره وحياته وعصره في المراجع والمصادر واستخرجتها من بطون الكتب وقمت بترتيبها وتنسيقها وتوثيقها وتحليلها لكي تصبح في متناول الدعاة والخطباء والعلماء والساسة ورجال الفكر وقادة الجيوش، وحكام الأمة وطلاب العلم، لعلهم يستفيدون منها في حياتهم، ويقتدون بها في أعمالهم فيكرمهم الله بالفوز في الدارين.
لقد تتبعت صفات الصديق وفضائله ومشاهده في ميادين الجهاد مع رسول الله ، وحياته في المجتمع المدني ومواقفه العظيمة بعد وفاة رسول الله وكيف ثبت الله به الأمة؟ وسلطت الأضواء على سقيفة بني ساعدة وماتم فيها من حوار ونقاش بين المهاجرين والأنصار، ونسفت الشبهات والأباطيل التي ألصقت بتاريخ سقيفة بني ساعدة، من قِبَل المستشرقين والروافض ومن سار على نهجهم، وبينت موقف الصديق من إرسال جيش اسامة ومافي هذا الحدث العظيم من دروس في الشورى، والدعوة والحزم، والاقتداء برسول الله ، وردّ الخلاف إلى الكتاب والسنّة، وآداب الجهاد وصورته المشرقة التي تمثلت في تعاليم الصديق لجيش أسامة رضي الله عنهم، وقد قمت بتوضيح أحداث الردة، فتحدثت عن أسبابها وأصنافها، وبدأيتها في أواخر العصر النبوي، وموقف الصديق منها في خلافته، وخطته التي وضعها للقضاء عليها وأساليبه التي استخدمها في حروبه ضد المرتدين، وقد وقفت مع مؤهلات الصديق التي توفرت في شخصيته والتي استطاع بها -بعد توفيق الله- أن يسحق حركة الردة، وقد تحدثت عن عصره وكيف تحققت شروط التمكين وأسبابه وصفات جيل التمكين في ذلك العهد الذي قاده الصديق؟ وأشرت إلى سياسة الصديق في محاربة التدخل الأجنبي في دولته، وذكرت أهم نتائج أحداث الردة، من تميز الإسلام عما عداه من تصورات وأفكار وسلوك، وضرورة وجود قاعدة صلبة للمجتمع، وتجهيز الجزيرة كقاعدة للفتوح الإسلامية، والإعداد القيادي لحركة الفتوح، والفقه الواقعي للردة، وسنة الله في إحاقة المكر السيء بأهله، واستقرار النظام الإداري في الجزيرة، وتكلمت عن فتوحات الصديق، فبينت خطته في فتح العراق، وسرت مع خالد في فتوحاته حتى ضم جنوب العراق وشماله بمعاركه العظيمة التي ظهرت فيها بطولات نادرة من المثنى بن حارثة والقعقاع بن عمرو وخالد بن الوليد وجيوشهم المظفرة، فكانت تلك المعارك الخطوة الأولى لمعارك الفتوح الكبرى التي جاءت بعد عصر الصديق والتي أنارت تاريخ الأمة في مشوارها الطويل لنشر دين الله والجهاد في سبيله قال الشاعر:
فالقادسية مايزال حديثُها
عِبَرٌ تضيء بأطيب الألوان
تحكي مفاخَرنا وتذكر مجدَنا
فتجيبها حِطّين بالمنوال
صفحات مجد في الخلود سطورُها
دان الرجال لها بغير جدال
وكأنني بابن الوليد وجنده
وبكلِّ كفٍّ لامع الأنصال
نشروا على أرض الخليل لواءهم
فغدا يظلّلُ أطهر الأطلال
وعن اليمين أبو عبيدة قد أتى
وأتى صلاح الدين صوبَ شمال
يَسعى إليهم قد شَرَوْا أرواحهم
لله بعد تسابق لقتال
فهم الأعزّةُ في كتاب خالدٍ
مابعد قول الله من أقوال
هذا وقد حرصت على بيان وإظهار الرسائل التي كانت بين الصديق وخالد بن الوليد، وعياض بن غنم رضي الله عنهم المتعلقة بفتوح العراق، وقد فصلت الخطوات التي سار عليها أبو بكر في فتوحات الشام، فتحدثت عن عزمه في غزو الروم ومشورته لكبار الصحابة في جهادهم، وعن استنفاره لأهل اليمن، وخطته في إرسال الجيوش ووصاياه للقادة الذين بعثهم لفتح الشام، ومتابعته لهم وإمدادهم بالرجال والعتاد، والتموين، ونقله لخالد من ميادين العراق إلى قيادة جيوش الشام، وماتمّ في معركة اجنادين واليرموك، واستخرجت من حركة الفتوحات بعض معالم الصديق في سياسته الخارجية، من بذر هيبة الدولة في نفوس الأمم، ومواصلة الجهاد الذي أمر به النبي ، والعدل بين الأمم المفتوحة والرفق بأهلها، ورفع الإكراه عنهم وإزالة الحواجز البشرية بينهم وبين الدعاة ووضحت بعض معالم التخطيط الحربي عند الصديق، في عدم الإيغال في بلاد العدو حتى تدين للمسلمين، وعن قدرته في التعبئة وحشد القوات، وتنظيم عملية الإمداد المستمرة، وتحديد هدف الحرب، وإعطاؤه الأفضلية لمسارح العمليات، وعزله لميدان المعركة، وتطويره لأساليب القتال، وحرصه على سلامة خطوط الإتصال بينه وبين قادة الجيوش، وبينت حقوق الله، والقادة والجنود من خلال وصاياه التي ألزم بها قادة حربه، وتحدثت عن استخلافه لعمر وعن أيامه الأخيرة في هذه الحياة الفانية وعن آخر ماتكلم به الصديق في هذه الدنيا بقول الله تعالى:{ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.
لقد حاولت في هذا الكتاب أن أبين كيف فهم الصديق الإسلام، وعاش به في دنيا الناس؟ وكيف أثر في مجريات الأمور في عصره؟ وتحدثت عن جوانب شخصيته المتعددة، السياسية، والعسكرية، والإدارية، وعن حياته في المجتمع الإسلامي لما كان أحد رعاياه وبعد أن أصبح خليفة رسول الله، وركزت على دور أبي بكر الصديق كرجل دولة مميز من الطراز النادر وعن سياسته الداخلية والخارجية وأساليبه الإدارية، وعن مؤسسة القضاء كيف كانت بدايتها في عصره لكي نستطيع متابعة التطورات التي حدثت لها ولغيرها من مؤسسات الدولة عبر العصر الراشدي والتاريخ الإسلامي.
إن هذا الكتاب يبرهن على عظمة أبي بكر الصديق ، ويثبت للقارئ بأنه كان عظيماً بإيمانه، عظيما بعلمه، عظيما بفكره، عظيما ببيانه، عظيما بخلقه، عظيماً بآثاره فقد جمع الصديق العظمة من أطرافها وكانت عظمته مستمدة من فهمه، وتطبيقه للإسلام وصلته بالله العظيمة واتباعه الشديد لهدي الرسول الكريم ، إن أبا بكر  من الأئمة الذين يرسمون للناس خط سيرهم ويتأسى بهم الناس بأقوالهم وأفعالهم في هذه الحياة، فسيرته من أقوى مصادر الإيمان، والعاطفة الإسلامية الصحيحة والفهم السليم لهذا الدين، فلذلك اجتهدت في دراسة شخصيته وعصره حسب وسعي وطاقتي، غير مدع عصمة، ولامتبرئ من زلة ووجه الله الكبير لاغيره قصدت، وثوابه أردت، وهو المسئول في المعونة عليه، والانتفاع به إنه طيب الأسماء، سميع الدعاء،هذا وقد قمت بتقسيم هذا الكتاب إلى مقدمة وأربعة فصول وخلاصة وهي كالآتي:
المقدمة:
الفصل الأول: أبو بكر الصديق  في مكة ويشتمل على خمسة مباحث.
المبحث الأول: إسمه ونسبه وكنيته وألقابه وصفته وأسرته وحياته في الجاهلية.
المبحث الثاني: إسلامه ودعوته وابتلاؤه وهجرته الأولى.
المبحث الثالث: هجرته مع رسول الله إلى المدينة.
المبحث الرابع: الصديق في ميادين الجهاد.
المبحث الخامس: الصديق في المجتمع المدني وبعض صفاته وشيء من فضائله.
الفصل الثاني: وفاة الرسول ، وسقيفة بني ساعدة، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: وفاة الرسول  وسقيفة بني ساعدة.
المبحث الثاني: البيعة العامة وإدارة الشئون الداخلية.
الفصل الثالث: جيش أسامة وجهاد الصديق لأهل الردة ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: جيش أسامة .
المبحث الثاني: جهاد الصديق لأهل الردة.
المبحث الثالث: الهجوم الشامل على المرتدين.
المبحث الرابع: مسيلمة الكذاب وبنو حنيفة.
المبحث الخامس: أهم العبر والدروس والفوائد من حروب الردة.
الفصل الرابع: فتوحات الصديق واستخلافه لعمر ووفاته ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: فتوحات العراق.
المبحث الثاني: فتوحات الصديق بالشام.
المبحث الثالث: أهم الدروس والعبر والفوائد.
المبحث الرابع: استخلاف الصديق لعمر بن الخطاب ووفاته.
هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم الجمعة بعد صلاة العشاء بتاريخ 5 من شهر المحرم لعام 1422هـ الموافق 30/مارس من عام 2001م والفضل لله من قبل ومن بعد وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل قبولا حسناً وأن يكرمنا برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين قال تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (سورة فاطر، آية:2).
ولايسعني في نهاية هذه المقدمة إلا أن أقف بقلب خاشع منيب بين يدي الله عزوجل، معترفاً بفضله وكرمه وجوده، فهو المتفضِّل وهو المكرم، وهو المعين، وهو الموفِّق، فله الحمد على مامنّ به عليّ أولاً وآخراً، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل عملي لوجهه خالصاً، ولعباده نافعاً، وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي، وأن يثيب إخواني الذين أعانونني بكافة مايملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب أن لاينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.



الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورضوانه
علي محمد محمد الصَّلاَّبي
5/1/1422هـ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى دير الزور :: المنتدى الديني derezzor :: قسم رسول الله، نُصرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم :: الدفاع عن الصحابه وامهات المؤمنين و الخلفاء الراشدين-
انتقل الى:  

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

جميع آلمشآركآت آلمكتوبهـ تعبّر عن وجهة نظر صآحبهآ ,, ولا تعبّر بأي شكلـ من آلأشكآل عن وجهة نظر المنتدى ~

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية live      

قم بحفض و مشاطرة الرابط منتدى دير الزور على موقع حفض الصفحات
اخر مواضيع المنتدى
<div style="background-color: none transparent;"><a href="http://www.rsspump.com/?web_widget/rss_ticker/news_widget" title="News Widget">News Widget</a></div>
أفضل 10 فاتحي مواضيع
ابن الفرات
 
حمدان
 
مهند الاحمد
 
ديري نشمي
 
الاسمر
 
ريم الساهر
 
نبض الأمل
 
الدير نت
 
ديرية حرة
 
العاشق لاحباب
 
المواضيع الأخيرة
» تعزية جيش رجال الطريقة النقشبندية الِى المملكة العربية السعودية وإلى ذوي شهداء الحرم المكي الشريف
الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:00 pm من طرف محب ال البيت

» العرب اشقاء بوابتك لتطويرمنتداك والرقي به 
الأحد أبريل 19, 2015 9:27 pm من طرف صبر جميل

» بيان جيش النقشبندية بصدد اطلاق العملية المباركة (عاصفة الحزم)
الخميس مارس 26, 2015 7:29 pm من طرف محب ال البيت

» منتدى انور ابو البصل الاسلامي
الإثنين مارس 23, 2015 5:14 am من طرف صبر جميل

» تحليلات حول التدخل الايراني في العراق واثبات ارتباط داعش بايران
الإثنين مارس 16, 2015 12:39 pm من طرف الونداوي

» بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الأحد يناير 25, 2015 7:22 pm من طرف العاشق لاحباب

» الحشد الشعبي هو ميليشيات طائفية توسع النفوذ الايراني
الخميس يناير 15, 2015 6:19 pm من طرف العاشق لاحباب

» المجلة النقشبندية العدد التسعون
الأحد يناير 04, 2015 7:25 pm من طرف العاشق لاحباب

» اسطورة الملاحم الجهادية للصوفية في القرنيين الماضيين والقرن الحالي
الأحد أكتوبر 12, 2014 9:56 am من طرف محب ال البيت